هل هناك اسوأ من عدم معرفة الانسان للغته؟

عندما نتحدث عن المس بمكانة اللغة العربية كعملية تمس بشكل مباشر كذلك باليهود الشرقيين، قد يكون من المجدي أن نعود الى فترة سابقة من الزمن اعتبر رفض العربية فيها رفضاً للرؤيا التي طرحها اليهود السفارديم مواليد البلاد.
آفي-رم تسورف

 

“وعندما نرى هنا في مدينتنا حفظها الله بأن لسان الدولة هي العربية ولكن أبناء شعبنا لا يتحدثون العربية النظيفة والصحيحة، وقد يحدث حتى بأن يتحدث الأجنبي العربية قبل اليهودي بينما هناك كلمات لا يعرفها اليهودي ولا يفهم معناها. قولوا رجاءا، هل هناك نقيصة أكبر من عدم معرفة الانسان للغته؟”

كانت هذه أقوال الحاخام يوسف حاييم من بغداد الذي كان من كبار الحكماء في الامبراطورية العثمانية خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، في معرض خطاب ألقاه بمناسبة افتتاح مدرسة التوراة “نوريال” في بغداد عام 1903. وتدل هذه بأن التعامل مع اللغة العربية لم يكن على اعتبارها لغة اجنبية يجب اكتسابها انما كلغة أم تربطها مع يهود بغداد علاقة الانسان بلغته. صحيح بأن الحاخام حاييم يستهجن عدم معرفة العربية النظيفة والصحيحة ولكن مطلبه يعتمد على رؤية العربية، التي استخدمت في اواسط اليهود، كلغتهم التي عليهم أن يعرفوها.

في الشهر الماضي، وضع على طاولة محكمة العدل العليا التماساً ضد قانون القومية يسعى الى دحضه من وجهة نظر شرقية بالذات. ويهاجم الالتماس بندين مركزيين في القانون على وجه الخصوص، وهما البند الرابع الذي ينقص من المكانة القانونية للغة العربية، والبند السابع الذي يركز على تشجيع التوطين اليهودي، ويشير الى أن هذه البندين- بالإضافة الى مساسهما الواضح والخطير بالفلسطينيين- ينطويان يمسان كذلك باليهود الشرقيين. بحسب وجهة النظر التي كتب الالتماس بناء عليها، لا يعتبر قانون القومية تجديداً تاماً ولا كابوساً للدولة الإسرائيلية الليبرالية المتخيلة، انما لحظة خطيرة تحظى فيها أنماط العمل التمييزية- ان كان في مجال التمثيل اللغوي او في مجال تصميم الحيز- التي اعتمدت في دولة إسرائيل منذ لحظة اقامتها على مصادقة رسمية وتصبح جزءاً من كتاب القوانين.

طريقة النظر هذه التي لا تحن وتئن على ماضي متخيل لم تعم فيه المساواة، تجعل المواجهة مع قانون القومية أداة مركزية بالإمكان التفكير من خلالها ليس فقط برفض هذا القانون بعينه انما بتشكيل تصور مستقبلي متساوي ينظر بشكل سليم إلى مباني القوة القائمة في المجتمع الإسرائيلي.

أدى التخوف من تعزيز لغة الأم العربية ليهود الشرق الاوسط وشمال أفريقيا لإمكانية التعددية اللغوية في الحيز الى قمع هذه، وهو الأمر الذي شكل مركباً مركزياً في قمع الشرقيين والحد من آفاقهم التعبيرية الثقافية والاجتماعية.

عندما نتحدث عن المس بمكانة اللغة العربية كعملية تمس بشكل مباشر كذلك بالشرقيات والشرقيين (الذين لا يتقنون العربية اليوم بالضرورة)، قد يكون من المجدي أن نعود الى فترة سابقة من الزمن اعتبر رفض العربية فيها رفضاً للرؤيا التي طرحها اليهود السفارديم مواليد البلاد. وأنا أقصد الجدل الذي دار بين شمعون مويال وابراهيم لودويفول عام 1911 حول مبادرة الأول لتأسس صحيفة يهودية باللغة العربية. فبينما رفض لودويفول نوايا مويال معتبرا بأنها تعبر عن رغبة في “الاختلاط”، قدم مويال تصوراً آخر تناقض كلياً مع التوجه الصهيوني الأشكنازي الذي آمن بنموذج أحادية اللغة وبخلق “عبرية” محددة  ومعرفة.

خلافاً لمنطق لودويفول الاوروبي الذي يعتمد على أحادية اللغة في دول القومية الاوروبية والذي يعتبر بأن أي استخدام للغة غير العبرية معناه عملياً محوها، ادعى مويال بأن هذا المنطق ينطوي على اخفاق أساسي لأنه لا يدرك الطريقة التي يتم التعامل فيها مع اللغة في الحيز العربي خاصةً والعثماني عامةً: “الذي تنص عقيدته القومية الاولى على بقاء كل سبط وكل عرق على جنسه وعاداته ولسانه، وكذلك في بيئته العرقية الداخلية على أن يتواصل مع محبة الوطن والشعب العثماني ومعرفة اللغة كبقية الأعراق”.

يوضح هذا الجدل جيداً كيف رفض التوجه متعدد اللغات الذي قدمه مواليد البلاد (السفارديم وحتى الأشكناز الذين نذكر من بينهم يوسف يوئل ريفلين واسرائيل بن زئيف) بسبب تعارضه مع نموذج القومية الطاهرة والمحددة التي لم تعرف بشكل واضح بما فيه الكفاية الحد الفاصل بين العبرية والعربية: وهو النموذج الذي كان الأساس في طرق تشكل البلدة اليهودية في فلسطين\أرض إسرائيل الانتدابية وتكريس دولة إسرائيل. مواقف مويال ومن اتخذوا مواقف شبيهة، مثل شريكه نيسيم ملول، وكذلك دافيد يالين ويوسف برن ميوحاس ويد ممان- الذين كانت علاقتهم بالعربية كعلاقة الانسان بلغته، كما يبين موشيه بيهار في ورقة الرأي التي أرفقت بالالتماس- رفضت لصالح مثال قومي “طاهر” نظر الى العربية كلغة تهدد بالتغلب على العبرية وتحول دون تحقيق طموح أحادية اللغة. على نفس الغرار، أدى التخوف من تعزيز لغة الأم العربية ليهود الشرق الاوسط وشمال أفريقيا لإمكانية التعددية اللغوية في الحيز الى قمع هذه، وهو الأمر الذي شكل مركباً مركزياً في قمع الشرقيين والحد من آفاقهم التعبيرية الثقافية والاجتماعية.

الجانب الآخر لرفض لغة الام، الذي يلغي عملياً امكانية الوجود ثنائي اللغة وبالنتيجة كذلك امكانية الوجود الجمعي اليهودي غير الانشقاقي في الحيز، يتجسد في سياسية توزيع الموارد في مجال الأرض المعتمدة منذ اقامة دولة إسرائيل. أيضاً في هذا المجال الذي يسوق في القانون تحت العنوان الضبابي “تشجيع التوطين اليهودي” يتم المس باليهود الشرقيين بشكل غير صريح، الى جانب المس الصريح والخطير بالفلسطينيين.

قبل عدة سنوات عندما دار صراع بين مجلس يروحام المحلي والمجلس الاقليمي رمات نيجف حول تغيير مناطق النفوذ- وهو الصراع الذي يعكس باقتضاب شبكة العلاقات بين المجالس الاقليمية (وغالبية سكانها من الاشكناز المتمكنين) وبين بلدات التطوير والمدن الفلسطينية- نمق شموليك ريفمان، الذي ترأس في حينه المجلس الاقليمي رمات نيجف، عدم استعداده لإعادة تقسيم الأراضي بقوله “اذا أعطينا يروحام فسنضطر في النهاية إلى اعطاء الناصرة”. هكذا لخص ريفمان- الذي دعم من جهة اقامة نقاط سكنية جديدة لم تتم المصادقة عليها لصالح قرى طلابية، وأدار، من جهة أخرى، معركة نارية ضد ما أسماه “الاستيلاء غير القانوني” للأراضي من قبل البدو الذين سكنوا في تلك الأماكن من ذي قبل- العلاقة بين الشرقيين والفلسطينيين فيما يتعلق بمسألة الأراضي كما تراها المؤسسة: توسيع مناطق النفوذ للشرقيين سيؤدي، لا سمح الله، الى توسيع مناطق نفوذ المدن الفلسطينية التي لا تملك مساحات لتتوسع عليها.

الصفحة الرئيسية للصحيفة اليومية “صوت العثمانية” التي أسسها مويال مع زوجته استر ازهاري عام 1913.

وعليه يبدو من الواضح بأن عبارة “تشجيع التوطين اليهودي” ليست الا غطاء لإقامة بلدات جماهيرية قروية معدة للفئات المتمكنة او لتخصيص موارد لدعم الفئات المتمكنة التي تنتقل لبلدات قائمة، مما يؤدي الى تغيير في سلم الاولويات الثقافية والاقتصادية في هذه البلدات. مخطط البلدات العشر الذي أدى حتى الآن الى مقتل يعقوب ابو القيعان وايرز ليفي خلال اخلاء بلدة أم الحيران البدوية يشكل مثالاُ واضحاً على المنطق الحيزي الذي يسعى الى غرس نقاط سكنية مغلقة وغنية، كجزء من عملية “تهويد النقب”، وتفضيل ذلك على تطوير البلدات القائمة وأبرزها في تلك المنطقة هي عراد وكسيفة. حتى في بلدات التطوير نفسها يتم توجيه الموارد  الاقتصادية العامة لصالح الفئات المتمكنة التي تأتي من مركز البلاد، كالنواة التوراتية، القرى الطلابية وغيرها، وليس لأبناء وبنات المكان. وتؤدي هذه السياسة الى تغييرات أيضاً على المستوى التخطيطي فكثيراً ما تنتقل الخدمات الجماهيرية الى الأماكن التي تتركز فيها الفئات الجديدة والمتمكنة.

بالطبع بالإمكان الادعاء بأنه من الممكن بأن تعود هذه السياسة، وبالتالي ابقاء القانون على حاله، بالفائدة على بعض الشرقيين فربما يكون هناك من يجدوا أنفسهم من ضمن الفئات المتمكنة التي يدعمها بند تشجيع التوطين اليهودي. مع ذلك، فإلى جانب المس الواضح لهذا البند بالفلسطينيين، من خلال المصادقة على السياسية القائمة التي تسمح باقتلاعهم من بيوتهم وزج بلداتهم في مناطق نفوذ محصورة تعيق امكانيات التطوير، فإن المتضررين الآخرين من هذا البند هم الشرقيون (والى جانبهم الروس والأثيوبيون) الذي يسكنون في بلدات التطوير والذين لن يتمتعوا بالموارد الجماهيرية التي تعد بها عملية “تشجيع التوطين اليهودي”.

على غرار محاولة المس بمكانة اللغة العربية الحاضرة في الحيز كلغة أصلانية، وحرمان متحدثيها اليهود منها من ضمن ذلك، ينظر بند تشجيع التوطين الى الحيز كأساس نظيف لخلق توطين من نوع آخر يستحق التشجيع(!). النضال ضد قانون القومية من خلال التركيز على كافة أنماط العمل هذه التي تحدد علاقات القوة في إسرائيل بين اليهود والفلسطينيين وبين الأشكناز والشرقيين، وليس من منطلق الحنين الى أرض إسرائيل في الزمن الجميل، والذي يقف في صلب الالتماس، ممكن أن يشكل أساساً لرسم تصور مستقبلي متساوي للفئات المختلفة.

 

مقالات ذات صلة:

التماس لمحكمة العدل العليا: المس بمكانة اللغة العربية يعني المس بمكانة اليهود الشرقيين، شيرا اوحيون. 

إمكانية “تعريب” العبرية في مداولات لجنة اللغة، يئير اور. 

لماذا لا يتقن اليهود العربية، يوفال عبري. 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.