اليمين أو اليمين- انتخبوا

ما نشهده من حولنا اليوم هو صحوة اليمين المحافظ بعد أن حرم من قوته. خلافاً لليمين الفاشي الذي تحركه العاطفة الملتهبة وتقديس الشعب والدولة، النفعية هي التي تحرك اليمين المحافظ. جانتس، يعالون، لابيد واشكنازي أعادوا بناء اليمين المحافظ، أو بكلمات أخرى الليكود القديم.
ايلي شموئيلي

 

الانتخابات السابقة كانت استمرارية لحرب غزة. حيث طغت على الأجواء الاعتداءات العشوائية بالشوارع والتحريض العنصري، وكان هناك من أحرقوا وهم على قيد الحياة. اليسار شعر بأنه يحارب لحماية الحس الانساني، لا أكثر ولا أقل، ونفض الدولة من خلال المظاهرات وتوحد الأحزاب. هذه الانتخابات، في المقابل، هي انتخابات اليمين.

إسرائيل مرت بعملية تحول منذ تلك الحرب على غزة. اليمين المحافظ انقرض واستبدل بالكهانية. أصبحت قيم الكهانية هي القيم الواضحة التي يؤمن بها أكثر من نصف الإسرائيليين اليهود، كما حصلت الكهانية على رئيس حكومة ووزراء ومكاتب حكومية، من التربية وحتى الثقافة. “الحفاظ على الأغلبية حتى بثمن المس بحقوق الانسان”، “يجب تربية التلاميذ بأنه لا وجود للاحتلال”، “لا سبب لأن يستمر عودة، غطاس أو زعبي في كونهم مواطنون في إسرائيل”، هذه ليست تصريحات لمئير كهانا بل لأعضاء الائتلاف في آخر أربع سنوات. الكهانية حصلت على دولة.

بين المرشحين للحكم، لم يبقى إلا اليمين. يمين جانتس، لابيد، يعالون واشكنازي المحافظ الذي يعيش في التناقض الذي عاشه الليكود التاريخي، بين القيم الانسانية الديمقراطية والقمع على أرض الواقع، ويمين الليكود والبيت اليهودي الكهاني الملتزم بقيم الفاشية العنصرية.

ما نشهده من حولنا اليوم هو صحوة اليمين المحافظ بعد أن حرم من قوته. خلافاً لليمين الفاشي الذي تحركه العاطفة الملتهبة وتقديس الشعب والدولة، النفعية هي التي تحرك اليمين المحافظ (الذي ينظر اليها ك”نضوج ومسؤولية” او “براغماتية” ولو أنها تقترب في كثير من الأحيان من الانتهازية). جانتس، يعالون، لابيد واشكنازي أعادوا بناء اليمين المحافظ، أو بكلمات أخرى الليكود القديم.

ما كان ذلك الليكود الريفليني (بالإشارة الى رئيس الدولة) القديم؟ كان يميناً يعيش في تناقض، فقد أعلن عن التزامه بقيم الانسانية الديمقراطية ولكنه برر نظام القمع المعادي للإنسانية والديمقراطية، ان كان بشكل تام أو جزئي. هذا التناقض بين القيم والأعمال (وعملياُ بين الاعتبار الأخلاقي والنزعات الحيوانية) كان السبب من وراء عدم بقاء هذا اليمين وهلاكه. فقد كان عليه أن يقرر- اما وقف الاحتلال للحفاظ على قيمه وإما استبدال قيمه لقيم بإمكانها تبرير الاحتلال أخلاقياً. وهذا ما فعلته القيادة- استبدلوا قيمهم بقيم الفاشية العنصرية التي تنافس الانسانية الديمقراطية، وكفوا عن كونهم يميناً محافظاً. أما المعسكر فتشتت بين أحزاب الوسط وأحزاب اليمين الكهاني، بعضهم بقبضة مرفوعة وبعضهم بشعور بسيط بالغثيان.

يتخيل المحللون السياسيون بأن تحالف مرشحي الوسط هو كالميسر الذي ينقل الأصوات الناعمة من كتلة اليمين لكتلة الوسط-يسار. بالإمكان الافتراض بأن قسما من الأصوات ستنتقل بالفعل من الليكود الى معسكر جاتس ولكن ذلك لن يكون انتقالاً من كتلة الى أخرى انما من يمين فاشي ليمين محافظ: جانتس الذي كان في حرب غزة عام 2014 مسؤولاً بشكل مباشر عن مقتل 1392 انسان لم ينخرطوا بالقتال (ومن بينهم 180 طفل ورضيع تحت سن الخامسة): يعالون الذي كان وزير أمن تلك الحرب، والذي أوضح من جانبه بأن الفلسطينيون يستحقون بأفضل حالة “حكماً ذاتياً”- وهي عبارة تجميلية رائجة في اليمين يقصد بها بانتوستانات في جيوب تنعم بما يشبه الحكم المحلي محاطة بمناطق C الخاضغة لسيطرة إسرائيل التي تقرر اجراءات العبور بين الجيوب وتدخلها متى يحلو لها، تماماً مثل البانتوستانات في جنوب أفريقيا: ويئير “من يخرج سكيناً أو مفكاً يجب اطلاق النار عليه لقتله” لابيد الذي أوضح العام الماضي بأن صاحب الحقوق الحصري في القدس هو الملك داوود، وبأن إسرائيل سوف تسيطر دائماً على الأراضي “أمنياً” (أي عسكرياً بلغة من يخضعون لتلك السيطرة). هؤلاء ليسوا ساسة يسار ولا وسط انما يمين محافظ. بين المرشحين للحكم، لم يبقى إلا اليمين. يمين جانتس، لابيد، يعالون واشكنازي المحافظ الذي يعيش في التناقض الذي عاشه الليكود التاريخي، بين القيم الانسانية الديمقراطية والقمع على أرض الواقع، ويمين الليكود والبيت اليهودي الكهاني الملتزم بقيم الفاشية العنصرية.

وهذا ممتاز. لماذا؟ فاذا فاز يمين جانتس المحافظ، فقط عندها، سيستطيع اليسار الايديولوجي أن يشير مرة أخرى الى التناقض الذي يعيشه هذا اليمين- بين قيمه وأفعاله. وقد أدى هذا في العقد الأخير الى تبديل القيم، وفي المرة القادمة سيكون ذلك بعد أن جرب نفس الجمهور تبديل القيم. ربما بعد التجربة سيجرب وقف القمع. هذا يتعلق طبعاً باستعداد اليسار الايديولوجي للاعتراف بأنه لن يأتينا أي مسيح مخلص من المجتمع الدولي، ومثوله داخل الجمهور ليشير الى التناقض والى أنه سيؤول حتماً الى سيطرة الكهانية الفاشية العنصرية اذا لم تتم تسويته بواسطة انهاء القمع.

معسكر جاتس هو معكسر يميني، وآمل بأن ينتصر.

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.