بيني جانتس أخطر من ايتمار بن جبير

جانتس يفتخر بإعادة غزة الى “العصر الحجري” ولكنه يصور كحمامة مع غصن زيتون. يبدو بأن الهوية الأشكنازية والعيون الزرقاء ما زالت تأسر قلوب فئات واسعة من المجتمع الإسرائيلي. من سيدفع ثمن الخطاب الإسرائيلي الكاذب هم أهالي غزة.
توم مهاجر

 

يدل التعاون المتوقع بين “الليكود” وأحزاب “الاتحاد القومي” و”قوة يهودية” على الشرعية التي تحظى بها العنصرية في السنوات الأخيرة. فإذا كان “الليكود” قد خرج في الماضي بشكل قاطع ضد الكاهانية، فإن الخطوط الحمراء لم تعد قائمة اليوم. أريه درعي كذلك اختار أن يغمز باتجاه ايتمار بن جبير، وهو موقف لا سابق له في تاريخ قيادته. بالإمكان القول بأن التصريحات الوضيعة لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في الانتخابات السابقة حول “تدفق العرب الى الصناديق”، قد تحولت الى واقع سيء. التصريحات والآراء العنصرية أصبحت مألوفة تماماً في أعلى المستويات الجماهيرية الإسرائيلية.

ولكن، بنظري، فإن الحدث الأخطر والأصعب في الدورة الانتخابية الحالية- حتى الآن- هو بالذات تصريح بيني جانتس، رئيس قائمة “أزرق-أبيض”، الذي قال بأنه خلال توليه لمنصب رئيس أركان الجيش “رجعت أجزاء من غزة إلى العصر الحجري”. من هذه الناحية، فإن بيني جانتس والمنحى الذي يجسده ويمثله هو أخطر بأضعاف من العنصرية الفظة التي تعاقد معها نتنياهو. أخطر لأن ذلك يتجلى في القدرة على تشجيع وتنفيذ سياسة تمس مساً شديداً بحق الناس بالحياة، كمال الجسد، المسكن، خدمات الصحة الأساسية، تزويد المياه الجاري، الكهرباء، البنى التحتية وغيرها. اذا كان هذا المقياس، فإن بيني جانتس، على ضوء أقواله هذه التي أدلى بها بلهجة فخورة واضحة، هو أحد أخطر الشخصيات في إسرائيل. أخطر من ايتمار بن جبير.

اذا كان بيني جانتس، المعتدل والمقبول على اليسار الإسرائيلي، يفتخر بالقوة التي استخدمها في غزة ضد السكان فلا بد أن نتنياهو اليميني سيقوم باستخدام قوة أكبر خلال المواجهات العسكرية. من سيدفع ثمن هذا الخطاب الإسرائيلي الكاذب هم أهالي غزة طبعاً.

لا بد هنا من توضيح الفروق بين العنف الذي يولده قائد سياسي مثل بيني جانتس مقابل عنف أحزاب اليمين المتطرف على أشكالها. فبينما يأطر اليمين المتطرف كعنصري ويقابل بالاستنكار والمعارضة في حلبات مختلفة، لا سيما الدولية منها، يمثل بيني جانتس التيار المركزي اللائق، القيمي والسليم. وهو يحظى بتأييد مؤسسات اعلامية مركزية وبصورة معتدلة وموقرة. حتى هؤلاء الذين يدعون بأنهم يمثلون مواقف يسارية، مثل حزب “ميرتس”، صرحوا بأنهم من الممكن بأن يدعموا جانتس في ترشحه لرئاسة الحكومة. الحديث اذاً عن عنف مفروغ منه في إسرائيل، أكثر نوع شرعي ومقبول، عنف لا نتحدث عن ضحاياه الذين لا يعدهم أحد أو يأخذهم بعين الاعتبار. اذا كان جانتس يفتخر في تنفيذ سياسة اجرامية كهذه في الماضي، واذا كان من الواضح لنا الآن بأنه لا يوجد في المجتمع الإسرائيلي أية آلية او صوت يمنع هكذا سياسة في المستقبل بل أن منفذيها يكافئون بجمهور ناخبين كبير، فإن احتمال تعيين جاتس رئيساً للحكومة يخبئ بين طياته خطراُ حقيقياً.

هناك جانب آخر للخطر الذي ينطوي عليه انتخاب جانتس رئيساً للحكومة وهو ينبع من الخطاب الجماهيري الكاذب في إسرائيل. ففي لعبة الأقنعة الإسرائيلية تعتبر قائمة “أزرق-أبيض” حركة وسط-يسار ستحاول التوصل الى حل سياسي، خلافاُ لليمين- مؤيدي بيتار، المستوطنين وما الى ذلك. ولكننا نعرف بأن هذا ليس إلا تنكر ذاتي جمعي وقد سبق أن تفجر في وجوهنا: فقد عاد ايهود براك، قائد اليسار في حينه، من مفاوضات السلام مع القيادة الفلسطينية بالشعار الكارثي “لا شريك”. ما زال اليمين الإسرائيلي يستخدم هذه العبارة حتى اليوم كلما طرحت امكانية لإجراء محادثات للتوصل الى حلول مناسبة للمصالحة. والحق، بهذا المعنى، مع اليمين- “فاذا عرضتم أنتم في اليسار كل شيء ولم تنجحوا، واذا كنتم تقولون لا شريك، فمن الواضح بأنه يجب مواصلة سياسية السيطرة واستخدام القوة”. استمرارً لنفس المنطق: اذا كان بيني جانتس، المعتدل والمقبول على اليسار الإسرائيلي، يفتخر بالقوة التي استخدمها في غزة ضد السكان فلا بد أن نتنياهو اليميني سيقوم باستخدام قوة أكبر خلال المواجهات العسكرية. من سيدفع ثمن هذا الخطاب الإسرائيلي الكاذب هم أهالي غزة طبعاً.

كيف حصل اذاً بأن بيني جانتس، حتى بعد اعترافه بتنفيذ جرائم ضد سكان غزة، يعتبر بديلاً لائقاً لحكم اليمين؟ يبدو بأن الهوية الأشكنازية ما زالت تأسر قلوب فئات واسعة في المجتمع الإسرائيلي. بيني جانتس يمثل بخلفيته الثقافية “ملح البلاد”- عسكري بمستوى عالي، طويل، أزرق العينين، إسرائيلي. اسحاق رابين موديل 2019. ولكن على غرار التغاضي عن عنف “جيل المؤسسين” من قبل اليسار الإسرائيلي الذي يعتبر بأن الصراع بدأ باحتلال 67، ولن تسعفه الأبحاث والشهادات حول التطهير الأثني منذ 1948، فإن عنف بيني جانتس يبقى شفافاً. كم هو مريح، اذا ما تغاضينا عن تصريح جانتس المروع حول العصر الحجري والجرائم ضد أهالي غزة، التأفف برياء اثر اتفاقية نتنياهو مع اليمين المتطرف.

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.