كيف يموت الخاسرون في الجنوب

في إسرائيل 2019 هناك فرق بين مريض ومريض، وبالتالي كذلك في احتمالات شفائهم.
يعنكله فطروشكا

 

بسبب مشكلة طبية واجهتني مؤخراً، اضطررت الى المكوث في قسم الأعصاب في مستشفى سوروكا. لم تعد علي هذه التجربة بمتعة كبيرة ولكنني تعلمت شيئاً: تعلمت ما هي قيمتي!

في الأسره القريبة من سريري مكث شخصين. الأول من سكان بئر السبع أصابته جلطة في الدماغ وهو في منزله، والثاني من سكان مركز البلاد أصابته جلطة شبيهة وهو في رحلة إلى ايلات. الجلطة ليست بالحدث اللطيف بالحالتين ولكن على غرار المقولة المعروفة عن الغني والمعافى مقابل الفقير والمريض، في إسرائيل 2019 هناك فرق بين مريض ومريض، وبالتالي كذلك في احتمالات شفائهم. فالمريض الذي يسكن في المركز نجح خلال أسبوعين في الحصول على سرير في مؤسسة تأهيلية جيدة في مركز البلاد أما المريض الجنوبي، في المقابل، فقد اضطر للانتظار في قسم الأعصاب لأسابيع طويلة- وأضاع فترة هامة من تأهيليه دون امكانية لتعويضها.

ماذا تقولون اذاً؟ بأن كل شيء يستغرق وقت أطول في الجنوب؟ لا، اخطأتم. لأن متوسط الحياة لدينا أقصر بسنتين بالذات!

هل هذه النتيجة هي محض صدفة؟ لا بل ان الحديث عن سياسة. صحيح بأن هناك نقص في الأسره والملاكات الطبية في كل أنحاء البلاد ولكن الوضع في الجنوب أصعب بأضعاف منه في المركز. هناك نقص حاد في أسرة التأهيل بالجنوب. مكوث سكان لواء المركز في القسم التأهيلي يمتد بالمعدل 60 يوماً، ومن يسكن في تل أبيب يقضي في هذا القسم 48 يوم بالمعدل ويتعافى برواق. في المقابل، يحصل أبناء الجنوب على 26 يوم فقط، أي أقل من شهر، ويعودون الى بيوتهم وهم نصف مأهلين.

الخاسرون لا يموتون، فقط يتبدلون، قال أحدهم مرة. لماذا خاسرون؟ لأننا ندفع تأمين صحي تماماً مثل سكان رعنانا. ولكن من يسكن في النقب عليه الانتظار لفحص سمع في عيادات سوروكا 8 أشهر. ابنه ينتظر 9-10 أشهر بالمعدل. من يطلب علاجاً للنطق عليه أن يتحلى بالصبر لمدة سنة. كذلك انتظار العلاج النفسي في سوروكا بحاجة لنفس طويل: الاولاد قد ينتظروا سنة وأكثر. الفتى الذي يطلب التحدث الى دكتور نفسي يضطر الى الانتظار 10 أشهر.

الأرقام القياسية في فترات الانتظار تبرز في مجال الفحوصات: تنظير القولون؟ 5 أشهر. ترغبون بتخطيط قلب؟ 5 أشهر. ل-MRI للدماغ سيكون عليكم الانتظار 7 أشهر. الولد بحاجة لطبيب تطور ونمو؟ 8 أشهر- حتى ذلك الحين لا شك بأنه سيكبر!

صديقي يعاني من ألم عضلي ليفي ويتعامل مع الكثير من الألم. عندما اشتدت عليه الآلام توجه بشكل مستعجل لعيادة الألم في سوروكا. اتضح بأن الطبيب سيستطيع معاينته بعد 8 أشهر ولكنه التقي بمختص في المركز خلال أسبوعين. انتظار العمليات يعرض الحياة للخطر هو الآخر، وهو يمتد في الجنوب 144% من المعدل القطري. ماذا تقولون اذاً؟ بأن كل شيء يستغرق وقت أطول في الجنوب؟ لا، اخطأتم. لأن متوسط الحياة لدينا أقصر بسنتين بالذات!

هذه هي السياسة والولاء الحكومي الذي يحظى به السكان الأقل قيمة. الحكومة وسلطاتها يعرفون بأن الخاسرين سينتظروا بهدوء. وقد وصلت الأمور أوجها مؤخراً: في ايلول 2014، قررت الحكومة بناء مستشفى ثاني في بئر السبع في أعقاب توصية صارمة قدمتها لجنة مهنية برئاسة بروفيسور ارنون افيك. وكانت الحكومة قد قررت بأنه يجب الاعلان عن مناقصة لإقامة المستشفى خلال 24 شهراً. لكن لجنة التوجيه بقيادة مدير عام المالية والمحاسب العام دخلت في مداولات لأربع سنوات وأربعة أشهر، ومع ذلك لم تحسم النقاش حول نموذج التمويل وطريقة التشغيل.

بعد انقضاء 4 سنوات من قرار الحكومة، اقترحت المالية: ما دمنا لم نقرر بعد، ربما حان الوقت لندرس الموضوع! سننشر “دعوة دولية للحصول على معلومات” ونقارن نماذج للتمويل. فماذا عسى الخاسرون أن يفعلوا؟ هم كالعادة- سينتظروا.

أنا شخصياً سئمت من التعامل معي كخاسر. أطالب رؤساء السلطات المحلية في الجنوب بالإعلان بأنه اذا لم تنشر مناقصة خلال شهرين، سنتشرف وندفع فقط 50% من رسوم التأمين الصحي. ولنشرح للمالية بأن هذه قواعد الاقتصاد الجنوبي: ندفع وفق ما نحصل عليه. سنسعد بدفع البقية عندما يتم افتتاح المستشفى الثاني في عاصمة النقب.

 

يعنكله فطروشكا هو ناشط في منتدى الصحة بالجنوب وفي تحالف منظمات الصحة في النقب.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.