احدى لحظات الانحطاط الكثيرة

لقد شاهدت وعالجت مئات الحالات من اعتقال الأولاد على مدى العقد الأخير، مع ذلك فشيء ما في شريط الفيديو الذي نشر قبل عدة أيام من المدرسة بالخليل زحف تحت جلدي. أريد بأن يشاهد هذا الفيديو كل رجل وامرأة في إسرائيل وفي العالم.
ألما بيبلاش

 

في ويم الاربعاء الماضي اقتحمت قوات مسلحة للجيش الإسرائيلي مدرسة زياد جابر في الخليل بحجة قيام بعض التلاميذ بالقاء الحجارة. وأثار الجنود جلبة جعلت الأولاد يهربون وأمسكوا بأحدهم، ولد ابن 10 سنوات، ادعوا بأنه هو من قام بإلقاء الحجارة. تشير التقديرات بأن مئات الأولاد يعتقلون في كل عام في الأراضي المحتلة. بعضهم يسحبون من أسرتهم وهم نائمون، وبعضهم يختطفون من قبل الجيش وهم في طريقهم الى المدرسة أو وهم يلعبون في الحي. قرى وأحياء كاملة تواجه في كل يوم الاعتقالات الواسعة للأولاد وإسقاطاتها البالغة على الأولاد وعائلاتهم وعلى المجتمع بأكمله.

يحمي قانون الفتية الإسرائيلي الأولاد والفتية الإسرائيليين فيما يتعلق بالاعتقال والتحقيق، يحدد ساعات التحقيق معهم، يسمح لأهال الولد بأن يكونوا حاضرين، يلزم بتخصيص محقق مؤهل للتحقيق مع الأولاد، ويطرح بدائل عن السجن ولتأهيل الفتية الصغار وما الى ذلك. كما يحدد القانون الإسرائيلي جيل المسؤولية الجنائية وينص على أن الأولاد دون سن ال-12 لا يمكن بتاتاً اعتقالهم او التحقيق معهم كمتهمين في أية ظروف كانت.

أحداً منهم لم يتوقف، حتى للحظة، ولم يقترح التوقف وإعادة التفكير بما يجري. لا أحد من الجنود شكك في “المهمة” التي تقف أمامه.

قبل حوالي عشر سنوات، وفي أعقاب ممارسة الضغط لسنوات، اقيمت المحكمة العسكرية للفتية والتي كان من المفترض أن تحمي حقوق الأولاد الفلسطينيين وأن تسري عليهم قدر الامكان الحماية التي يكفلها القانون الإسرائيلي. ولكن كما كان بإمكاننا أن نتوقع فإن حقوق الأولاد تحت الاحتلال مستباحة كلياً. ليس لدى الاولاد الذين يحكمون ويسجنون من قبل قوة عسكرية تنظر اليهم كأعداء لمجرد هويتهم احتمالات كبيرة لمصادفة الرأفة والعدل داخل المنظومة. في كل يوم يتم اختراق حقوق الاولاد والبنات الذين يجدون أنفسهم لوحدهم في تحقيقات تستمر حتى ساعات الليل، أو يواجهون اجراءات اعتقال، محاكمة وسجن متواصلة ومتوحشة دون أي ذكر للحماية والتسهيلات التي يحظى بها الأولاد الإسرائيليون. هذا عدا عن الحالات التي يأخذ فيها الأولاد الفلسطينيين الى الاعتقال دون صلاحية وخلافاً للقانون، بما يشمل من هم في سن ال-10، ال-8 وحتى ال-5. فكروا للحظة فقط بأبنائكم أو بأبناء الجيران، حاولوا للحظة أن تستوعبوا المعاني المفزعة التي ينطوي عليها هذا الواقع الجنوني.

لقد شاهدت وعالجت مئات الحالات من اعتقال الأولاد على مدى العقد الأخير. مع ذلك فشيء ما في شريط الفيديو الذي نشر قبل عدة أيام من المدرسة بالخليل زحف تحت جلدي. ربما لأن الولد ابن 10 سنوات فقط، ويبدو كإبن 7 سنوات. أو ربما يكون السكوت المصدوم الذي أصاب الولد طوال الوقت حتى أنه لم لا ينطق بكلمة، لم يسمع أي صوت، لم يقاوم تقريباً، فقط تمسك بمعلمه بقبضة متينة وخائفة. او قد تكون وجوه الجنود الكثر والمسلحين كثيراً والمصورة عن قرب. كان لديهم الكثير من الوقت كما يظهر من الفيديو للتفكير، الشعور، التردد ولكن أحداً منهم لم يتوقف، حتى للحظة، ولم يقترح التوقف وإعادة التفكير بما يجري. لا أحد من الجنود شكك في “المهمة” التي تقف أمامه. لم يرى أحد منهم بهذا الولد أخيه الصغير أو الولد الذي كانه هو بنفسه قبل بضعة سنوات. هكذا تنتزع عن هذا الطفل انسانيته بشكل تام ويصادر من طفولته.

أو ربما يكون الطاقم التربوي للمدرسة. مدى المسؤولية والحرص الذي تحلوا به، كيف أبعدوا بقية الأولاد ليحموهم وكيف قاتلوا من أجل هذا الولد، لم يتركوه للحظة، جندوا كل ما لديهم وقاتلوا على الولد بأسنانهم دون أن يفقدوا رباطة جأشهم للحظة لأنهم يدركون بأنهم اذا فجروا غضبهم في وجه الجنود لن يتمكنوا من انقاذ الولد وربما حتى يلحقون الضرر بالأولاد الآخرين. أنظر اليهم باستعجاب- لم أكن لأتمكن من تمالك نفسي في هكذا الموقف.

وقد تكون الفكرة التي راودتني حول مئات التلاميذ الذين عادوا الى صفوف المدرسة في اليوم التالي، جلسوا الى المقاعد المرتبة التي لم تحمل أي ذكر للدراما التي حصلت في اليوم السابق، وكل ضجة في الممر جعلتهم يقفزون من أماكنهم بخوف، وكيف في كل لحظة استرق أحدهم النظر الى الباب من خلفه مرتعباً. هذه المدرسة لن تعود كما كانت عليه ولا الأولاد الذين يقصدونها. أفكر في الخوف الذي سيتحول الى غضب وكراهية- كراهية سنحتاج الى أبدية لمداواتها وألم لن ننجح في التعويض عنه. هذا الولد، واحد من كثر، أكثر مما أستطيع أن أتذكره،  أطلق سراحه وعاد الى بيته ولكن هذه الحادثة ستبقى معه دائماً وربما لن تكون المرة الوحيدة التي يعتقل فيها.

أريد أن أطلب السماح من كل أولاد فلسطين ولكن هذا لا يقترب حتى من ان يكون كافياً. أريد أن أطلب من الجميع بأن يجعلوا كل رجل وامرأة في إسرائيل وفي العالم يشاهدوا هذا الفيديو، ينظروا الى الولد مباشرةً، للطاقم التربوي ولجنود الجيش الإسرائيلي في احدى لحظات الانحطاط الكثيرة، المخجلة واليومية.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.