تسجيل الخروج

سيكون الإعلام الاجتماعيّ مدمّرًا لليسار دائمًا. اللعنة، علينا أن نسجّل الخروج.
بنجامين ي. فونغ

 

تتناقض فانتازيا الإعلام الاجتماعيّ كأداة سحريّة للتواصل الاجتماعيّ مع واقعها كبالوعة قاذورات تُقذف إليها التهجّمات الشخصيّة الوحشيّة والنقمة البارانويديّة.

من المغري إيعاز هذه الفجوة الشاسعة، بين الفنتازيا والواقع، إلى الرأسماليّة غير المنظّمة: لا توجد منافسة فعليًّا لفيسبوك ولتويتر، وتشعر وسيلتا الإعلام هاتين براحة تامّة للقيام بأيّ شيء، من التلاعب ببيانات المستخدمين، وحتّى توفير منصّة لخطابات الكراهيّة، طالما يتماشى ذلك، في المحصّلة النهائيّة، مع مصالحهما. قد نتمكّن، في حال نزعنا الإعلام الاجتماعيّ من السيطرة الفرديّة، من فهم الفنتازيا التي تحافظ على استمراره.

هذه هي الفكرة المنعشة من وراء المقالة الأخيرة لإيفان مالمغرين “الإعلام المُكيَّف اجتماعيًا”، والتي توضّح معنى كبح جماح تجاوزات فائض عمالقة المنصّات الرقميّة. يدّعي مالمغرين أنّه علينا اعتبار “الإعلام الاجتماعيّ جمهورًا عامًا”، وتسليم “السيطرة الجماعيّة على المنصّات الرقميّة للأشخاص الذين تصل بينهم هذه الوسائل”، بدلاً من إعادة تعريف المنافسة، بشكل مصطنع، من خلال حملة تنادي بمكافحة الاحتكار، أو بتنظيم تلك الخدمات كمرافق عامّة (أو حتّى تأميمها). بحسب رأي مالمغرين، على الدولة ألا تتصرّف كـ”وصيّ نهائيّ” على احتياطات البيانات الجماعيّة، وإنّما كوسيط نقل لتعاونيّات مستخدمين، نظرًا للطبيعة الانتقاليّة لهذه الشركات الكبيرة.

على الرغم من أنّ التفكير في الطرق المختلفة التي يمكننا من خلالها تكييف المنصّات الاحتكاريّة اجتماعيًّا هو شيء مثير، إلا أنّ مالمغرين لا يبحث السؤال الأساسيّ: “هل تستحق وسائل الإعلام الاجتماعيّ أن ننقذها؟”.

في مجتمع اشتراكيّ، كنّا سنستغلّ المعرفة العلميّة والتقنيّة التي أنجزتها الرأسماليّة من أجل الإنتاج بنفس المستوى، ولكن من دون الاستيلاء على هذا الإنتاج أو تدمير الكرة الأرضيّة. قد يعني هذا، في بعض الأحيان، إعادة بناء الصناعات القائمة على أسس وتوّجهات اشتراكيّة، كالبنوك على سبيل المثال، ولكن قد يعني ذلك، في حالات أخرى، إلغاءها بشكل تامّ أو تقليصها.

لا يمكننا أن نتخيّل، مثلاً، أن يكون حجم صناعة السيّارات في ظلّ الحكم الاشتراكيّ، مشابه، حتّى ولو بجزء صغير، لما هي عليه اليوم. كنّا سنسخِّر، من دون شكّ، قوّة التنقّل لنقل الناس من مكانٍ إلى آخر، ولكن سيتطلّب ذلك توسيع وتحسين السكك الحديديّة، وليس “توفير السيّارات للجميع”.

يمكننا التعرّف على التلاعب العمليّ والإيديولوجيّ بوعي الجمهور من خلال مثال السيّارات: ليس فقط أنّ صناعة السيّارات قد أقنعت الناس أنّ السيّارات تعني حريّة التحرّك، ولكنّها ساهمت أيضًا في منع تطوّر وسائل النقل العامّة القائمة وفي الإساءة إليها. في حين أننّا قد نحتاج إلى السيّارات في مجتمع رأسماليّ، فإنّنا لن نحتاجها بهذا القدر في مجتمع يميل نحو رفاهيّة الناس والاستدامة أكثر من الربح.

لربّما يكون الأمر مشابهًا بالنسبة للإعلام الاجتماعيّ. في النظام الرأسماليّ، يقضي معظم الناس حياتهم وهم يعملون في وظائف لا يحبّونها تمنعهم من فرصة القيام بعلاقات اجتماعيّة غير منظّمة، ولذلك قد يكون ميل الناس لقضاء جزء كبير من “وقت فراغهم” وهم يقومون بتفاعلات “اجتماعيّة” محدّدة وقصيرة ومندفعة أمرًا مفهومًا. ادّعاء مالمغرين أنّ وضع المنصّات الاجتماعيّة تحت سيطرة ديمقراطيّة قد يجعلها، على الأرجح، مُصمّمة لتكون أقلّ إدمانًا وتلاعبًا هو ادّعاء صحيح بالتأكيد. ولكن، ماذا لو كانت وظائفنا جميعًا مكوّنة من عشر ساعات عمل أسبوعيّة، الأمر الذي سيتيح لنا إمكانيّة السعي وراء اهتمامات ذات معنى نختارها بأنفسنا، هل سنقضي عندها كميّة وقت مشابهة نبحلق بها بالشاشات؟

محادثات صعبة

السؤال الذي يُطرح هنا هو: هل التأثيرات السلبيّة لمنصّات الرأسماليّة على حياتنا هي محدّدة للرأسماليّة، وهل ستكون هذه المنصّات سلعًا اجتماعيّة شرعيّة في حال تم تحريرها من حيتان السوق؟ أم أنّ هذه المنصّات، كما هي صناعات السيّارات الخاصّة، مرتبطة، بشكلٍ معقّد، بمعايير المجتمع الرأسماليّ المدمّرة بحيث أنّها قد تختفي أو تقل أهميّتها إلى حدٍّ كبير في النظام الاشتراكيّ؟

للإجابة عن هذا السؤال، هيا بنا نبدأ من الحقائق الصادمة: يحدث السلوك السيء على شبكة الانترنت. إنّه يحدث في الحياة الحقيقيّة أيضًا، بطبيعة الحال، ولكنّ الانحراف المُمارس على شبكات التواصل الاجتماعيّ يحمل طابعًا خاصًّا بهذا المجال.

كلّما زاد عدد الارتباطات الافتراضيّة على الشبكة، كلّما زاد الشعور بالوحدة. أصبحت هذه المشكلة أكثر حدّة في عصر الفيسبوك والتويتر، بالرّغم من أنّ الباحثون والمعلّقون ما زالوا يتردّدون في أن يجزموا بأنّ هذه المنصّات تؤدّي إلى الوحدة

من جهة أخرى، فإن هذا السلوك غير مُفكّر به، وفي حالة تويتر، محدود بعدد الأحرف المسموح بها، ولكنّه يوضّح اعتلال نفسيّ متناقض: هوس تقبّل الآخرين مدمج مع نقص مقلق في التعاطف مع نفس مجموعة الآخرين الذين يحاول الفرد الحصول على تقبّلهم بشكل واضح أو ضمنيّ.

بالنسبة للعديد من الباحثين، وسائل التواصل الاجتماعيّ ليست مجرد وسيلة للتعبير عن هذا السلوك فقط، وإنّما هي التي تصمّمه فعليًّا. في بحث شامل (meta-analysis) أُجري على إثنين وسبعين بحثًا، وجدت الباحثة سارة كورناث وطاقم الباحثين الذي يعمل معها أن درجات التعاطف عند طلّاب الكليّات اليوم هي أقل بـ40% ممّا كانت عليه قبل عشرين عامًا – وهذا تطوّر ينسبه الباحثون إلى “التزايد البارز في استخدام الإعلام في الحياة اليوميّة”: “مع ازدياد الوقت الذي نقضيه في التفاعل مع الآخرين عبر الإنترنت بدلاً من تفاعلات في الواقع، فإنّ الديناميكيّات الشخصيّة، كالتعاطف مثلاً، قد تتغيّر”.

حظي هذا التفسير على تصديق دراسة في علم النفس السيبريانيّ، حيث وُجد أنّ التواصل الإنسانيّ عبر الشبكة وعبر الرسائل، هو تواصل قليل ومزوّر، على الرغم من محاولات “الإحماء” في المحادثات على الشبكة، ككتابة الأحرف الكبيرة أو استخدام الإيموجي وما شابه. وجد كلّ من الباحث في مجال التربية روي في، وعالم النفس المعرفيّ كليفورد ناس من جامعة ستانفورد، أنّ “الرفاهيّة الاجتماعيّة السلبيّة” عند مجموعة البنات بالأجيال 8-12 ترتبط بدرجات استهلاك عالية للإعلام (ألعاب فيديو، الاستماع للموسيقى، القراءة وتحضير الوظائف البيتيّة، الرسائل الالكترونيّة، الرسائل المكتوبة والمحادثات الهاتفيّة). من المروّع أنّ التأقلم مع الروابط الرقميّة عوضًا عن المحادثات الإنسانيّة يخلق دوّامة من ردود الفعل السلبيّة: كلّما اعتاد الإنسان على التفاعلات الإنسانيّة البعيدة والمضبوطة، كلّما أصبحت المحادثات البشريّة اضّطهاديّة وعفويّة بشكلٍ غير مريح، ولذا يجب الامتناع عنها. بحسب العالمة الاجتماعيّة شيري توركل: “بعد قضاء فترة في التواصل الافتراضيّ، قد يبدو أنّه من الصعب جدال الأشخاص الحقيقيّين الذين يتصرّفون بطريقة لا يمكن تنبّؤها”.

أكّدت عدّة أبحاث أن وسائل التواصل الاجتماعيّ تعزّز الشعور بازدياد العزلة الاجتماعيّة. أطلقت مجموعة في جامعة كارنجي ميلون في عام 1998 المصطلح “مفارقة الإنترنت”، والذي يعني أنّه كلّما زاد عدد الارتباطات الافتراضيّة على الشبكة، كلّما زاد الشعور بالوحدة. أصبحت هذه المشكلة أكثر حدّة في عصر الفيسبوك والتويتر، بالرّغم من أنّ الباحثون والمعلّقون ما زالوا يتردّدون في أن يجزموا بأنّ هذه المنصّات تؤدّي إلى الوحدة: فالفيسبوك هو مكمّل مثالي للشعور المتزايد بالوحدة وخير معزّز له، أكثر من كونه هو الذي يقود التفتيت الاجتماعيّ.

يسعى مستخدمو الفيسبوك إلى الحصول على أيّ نوع من القبول يمكنهم الحصول عليه لأنّهم يشعرون بالوحدة. أكّدت نتائج بحث أُجري في أستراليا هذا الأمر بشكل واضح: “لدى مستخدمي الفيسبوك نسبة أعلى من النرجسيّة التامّة، وحُبّ الظهور والقيادة، أكثر بكثير من غير المستخدمين للفيسبوك. في الواقع، من الممكن الادّعاء بأنّ الفيسبوك يرضي حاجة الفرد النرجسيّ للاهتمام في الترويج الذاتيّ وللتصرّف السطحيّ”.

من المفارقة أنّ السلوك الذي يتمحور حول الوحدة، والذي تعزّزه وسائل التواصل الاجتماعيّ، لم يؤدّ إلى توفير وقت أكثر لأن يكون الفرد وحده: تساهم وسائل التواصل الاجتماعيّ في ألا يكون لدينا وقت كافٍ لنجلس وحدنا مع أفكارنا في عمليّة مطوّلة من التأمّل الذاتيّ. بالتالي، هذا يعني أنّنا لا نشعر بضغط لتحمّل الملل والتفاوض مع ذاتنا بشأنه، وهي عمليّة من المعروف أنّها بالغة الأهميّة لإحراز التطوّر. مرّة أخرى، تشرح توركل المشكلة ببلاغة: “بدون العزلة، في أيام وليالي التواصل الدائم، قد نعيش “لحظات من الرغبة بالمزيد” لكننا سنعيش الحياة ذاتها أقل”.

مع أخذ كل ما سبق بعين الاعتبار، قد يبدو ادّعاء مالمغرين، بأنّ “مستخدمي المنصّات نفسهم يمثّلون الحكومة المثاليّة لنموذج الحكم الديمقراطيّ”، غريبًا. كيف يمكن لأشخاص قد تأقلموا مع انعدام التأمّل الذاتيّ وانعدام التعاطف والمحادثة الإنسانيّة الحقيقيّة، من قبل المنصّات نفسها، أن يمثّلوا “الحكومة المثاليّة لنموذج الحكم الديمقراطيّ؟” يتطلّب الحكم الديمقراطيّ وجود مؤسّسات تعوّد الناس على التداول الديمقراطيّ وعلى اتّخاذ القرارات، وهي سيرورة تتطلّب “محادثات صعبة” يشجّعها مكيافلي. هل ينضوي التويتر تحت هذا التعريف؟

الحك والخدش أيضًا

أصبح مصطلح “الإدمان السلوكيّ” شائعًا في الآونة الأخيرة، وهو مصطلح يعني الاستخدام المفرط للإنترنت، لدرجة أنّ شركات وسائل التواصل الاجتماعيّة الكبيرة أصبحت تعرّف هذا الإدمان على أنّه الهدف الذي ترمي إليه.

يشبه الإدمان السلوكيّ، إلى درجة كبيرة، الإدمان على المخدّرات: بحسب آدم ألتير: “كلاهما يفعّلان نفس المناطق في الدماغ، وتدفعهما نفس الاحتياجات الأساسيّة: المشاركة الاجتماعيّة والدعم الاجتماعيّ، والتحفيز الذهنيّ والإحساس بالتأثير”. ولكن، الإدمان السلوكيّ لا يحمل نفس وصمة العار كالإدمان على المخدّرات، وهنا يكمن الخطر: لدينا فئة ضمن التهميش الاجتماعيّ مخصّصة لمدمني الهيروين، ولكن لا يمكننا أن نتصوّر أنّنا جميعنا يشترك في التهميش الاجتماعيّ المفترض إلى حدٍّ ما.

لا يوجد لدى شركات الهايتك مثل هذه الروادع، فهي تصمّم منتجاتها بشكلٍ مقصود لتكون “قابلة للاستهلاك بنَهَم”، ولتكون مصدر استحواذ وإدمان. يتم تشجيعنا، كما هو الحال في النيو-ليبراليّة، على أن نتحمّل مسؤوليّة عاداتنا. ولكن، يقول تريستان هاريس الذي فرّ من وادي السيليكون ومن “أخلاقيّات التصميم”: “هذا يعني أنّنا لا نعي أنّ هناك ألف شخص يجلسون من وراء الشاشة وظيفتهم منع أيّة مسؤوليّة قد أنجح في صيانتها”.

الإشارة الأفضل لخطر الإدمان على هذه المنصّات هي أنّ الأغنياء لا يسمحون لأبنائهم باستخدامها. حدّد عرّابو التكنولوجيا الكبار مثل ستيف جوبز وكريس أندرسون الوقت الذي قضاه أبناؤهم على الانترنت بشكل صارم، وفي حين أنّ استخدام الآيباد في المدارس العامّة منتشر بشكلٍ كبير من أجل خلق “بيئة تعليم هجينة” كحلّ تكنولوجيّ للنقص في عدد المعلّمين، يحرص مهندسو وادي السيليكون على إرسال أبنائهم إلى مدارس والدورف الخاصّة التي تنعدم فيها تلك الأجهزة. يشرح ألتير ذلك: “يتبع الأشخاص الذين ينتجون المنتجات التكنولوجيّة القاعدة الأساسيّة في تجارة المخدّرات: لا تستهلك بضاعتك أبدًا”.

قد يُفهم انعدام التعاطف والتأمّل الذاتيّ والقدرة الحقيقيّة على خلق ترابطات اجتماعيّة، والتي تعتبر من مميّزات الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعيّ، على أنّها عوارض نوع من الإدمان، أو مرض يدركه الأغنياء ويبتعدون عنه ويطعّمون أبناءهم ضدّه، ولكنّهم لا يكترثون كفاية بأن تصيب العدوى الآخرين.

يجب أن تكتمل الصورة من المنظور الاجتماعيّ، حيث أنّه بالإضافة إلى خلق وتعزيز غياب التواصل والإنسانيّة، تَعِد منصّات التواصل الاجتماعيّ، مثلها مثل المخدّرات، بأن تعالج غياب التواصل والإنسانيّة، وهو أمر أصبح متجذّرًا في المجتمعات الرأسماليّة.

بالنسبة إلى اليسار، تشكّل وسائل التواصل الاجتماعيّ خطرًا وشيكًا: فهي تجذب أشخاصًا يُعتبرون جمهورًا طبيعيًّا للسياسة الاشتراكيّة، وتستوعبهم في النرجسيّة غير المفكّر بها للمقولة السياسيّة الزائفة، حيث يدخلون إلى دوّامة ردود فعل سلبيّة تبعدهم عن واقع التعامل الإنسانيّ اليوميّ.

يشرح ووفغانغ ستريك ذلك: “في غياب المؤسّسات الجماعيّة، يجب وضع المباني الاجتماعيّة من الأسفل إلى الأعلى بشكل فرديّ… تتشكّل الحياة الاجتماعيّة من أفراد يبنون شبكات من التواصل الفرديّ حول أنفسهم، بأفضل طريقة ممكنة، وبالأدوات المتوفّرة بين أيديهم. تخلق العلاقات المتمحورة حول الفرد هيكليّات اجتماعيّة فرعيّة طوعيّة وشبه تعاقديّة، ممّا يجعلها مرنة ولكن زائلة، وتحتاج إلى “تشبيك” دائم للحفاظ عليها وتهيئتها بشكلٍ دائم بحسب الظروف المتغيّرة. إنّ “وسائل التواصل الاجتماعيّ الجديدة” هي أداة مثاليّة لهذا النوع من العلاقات، التي تخلق هياكل اجتماعيّة للأفراد مستبدلةً بشكل طوعيّ أنماط العلاقات الاجتماعيّة الضروريّة، كما تستبدل مجموعات المواطنين بشبكة من المستخدمين”.

لا تخلق آفات وسائل التواصل الاجتماعيّ مشاكل فقط؛ وإنّما تعتبر “حلولاً” لمشاكل اجتماعيّة أكبر لها سياق تاريخيّ. في ظل غياب البرامج الاجتماعيّة الشاملة والترابط المجتمعيّ التقليديّ، فإنّ “الحياة الاجتماعيّة في عصر الفوضى هي فرديّة بالضّرورة”، وفي نهاية المطاف، فإنّ وسائل التواصل الاجتماعيّ هي هيكليّة مثاليّة لاستيعاب هذا الميول المعادي للاجتماعيّة، إذ أنّها تخفف من وطأة العزلة وانعدام الإنسانيّة الناتجة عن العيش في مجتمع رأسماليّ، وتساهم في زيادة هذه العزلة وانعدام الإنسانيّة. وسائل التواصل الاجتماعيّ كحكّ الجرح؛ قد تسبّب الارتياح المؤقّت، ولكنّها تساهم في تفاقم المشكلة في نهاية المطاف.

تهديد وشيك

لا يستغرق إقناع أحد ما بالتأثير السلبيّ الناتج عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعيّ وقتًا، ولكن غالبًا ما يتم تجاهل هذه التأثيرات، واعتبارها نتيجة ثانويّة لتيّار غالبًا ما يُعتبر إيجابيًّا. “بالتأكيد، يفعل الأشخاص أمورًا سخيفة في التويتر، وصحيح أنّهم لربّما يقضون وقتًا أكثر من اللازم وهم يتحدّثون الواحد مع الآخر من خلال الرسائل المباشرة بدلاً من التحدّث وجهًا لوجه. ولكن، تبقينا وسائل التواصل الاجتماعيّ على اطّلاع وتواصل بطرق جديدة تاريخيًّا”. حتّى أكثر النقّاد تشدّدًا لوجود وسائل التواصل الاجتماعيّ يَحذَرون من إدانتها بشكل صريح: “هناك بعض الأشياء الجيّدة في وسائل التواصل الاجتماعيّ، بالتأكيد”.

ولكن، إذا أخذنا ادّعاءات الأبحاث المذكورة بجديّة، لا يكفي أن نقول إنّ هناك جوانب “سلبيّة” لوسائل التواصل الاجتماعيّ. تعكس الصورة العامّة التي نرسمها هنا أزمة صحّة نفسيّة – أزمة لا تسبّبها هذه المنصّات فقط، وإنّما تعزّزها أيضًا.

بحسب مالمغرين: “الاكتئاب، والقلق، والتحريض على الكراهيّة، والخوف والأكاذيب المؤامراتيّة هي نتائج مقبولة [على المنصّات الاحتكاريّة] طالما تمّ التعبير عنها بشكل واعٍ أو غير واعٍ لخدمة النمو”. في حين أن هذا صحيح بدون شكّ، فإنّ مالمغرين يستغلّ هذه الحقيقة ليرمز بأنّ تحرير هذه المنصّات من دافعيّة جني الأرباح، وتسخيرها لمجال السيطرة الديمقراطيّة قد يؤدّي إلى الاهتمام بالمشاكل التي يُعدّدها.

هناك شقّين للاستنتاج المتناقض: أولاً، الالتصاق بالشاشات بهدف التواصل “الاجتماعيّ” هو ظاهرة مقلقة بحدّ ذاتها، بغضّ النظر إذا كانت تخدم أهدافًا ربحيّة، وثانيًا، أنّ هذه الظاهرة هي تعبير مباشر عن الإحساس بالغربة الذي نشعر به في النظام الرأسماليّ. بكلمات أخرى، فإنّ جني الأرباح ليست هي الطريقة الوحيدة التي تخدم بها وسائل التواصل الاجتماعيّ الرأسماليّة.

إذًا، بالنسبة إلى اليسار، تشكّل وسائل التواصل الاجتماعيّ خطرًا وشيكًا: فهي تجذب أشخاصًا يُعتبرون جمهورًا طبيعيًّا للسياسة الاشتراكيّة، وتستوعبهم في النرجسيّة غير المفكّر بها للمقولة السياسيّة الزائفة، حيث يدخلون إلى دوّامة ردود فعل سلبيّة تبعدهم عن واقع التعامل الإنسانيّ اليوميّ.

بالتالي، التويتر ليس مجرّد وسيلة للتعبير عن “الأمراض النفسيّة”، التي وصفها مارك فيشر بشكلٍ رائع من خلال التشبيه “قلعة مصّاص الدماء”، فالتويتر يقوم بعمل الرأسماليّة من حيث المساهمة في شرذمة وإبعاد الأفراد عن بعضهم وعن الحوارات الضروريّة للانخراط السياسيّ الحقيقيّ. كلّما أدركنا في وقت أبكر كلّ هذه الأمور حول وسائل التواصل الاجتماعيّ، كلّما أسرعنا في مهمّة تفكيكها.

 

*نشر المقال للمرة الأولى باللغة الانجليزية على موقع “Jacobin”. ترجمته الى العربية: منى أبوبكر.

اقيمت زاوية حول العالم مع روزا بمبادرة مؤسسة روزا لوكسمبورغ في إسرائيل وبالتعاون مع موقع اللسعة لتوفّر منصة للتعرّف على ولتداول القضايا الراهنة التي تشغل حركات اليسار بأنحاء العالم. تتيح الزاوية للقارئ تناول النقاشات العالمية باللغات العربية والعبرية والتفاعل معها، وبذلك تقوم بإثراء الخطاب اليساري المحلي. يسرنا ان ترسلوا لنا اقتراحاتكم لمقالات ملائمة للترجمة وملاحظاتكم عبر البريد الالكتروني: einat@rosalux.org.

*المقالات في هذه الزاوية لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة روزا لوكسمبورغ و/او موقع اللسعة.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.