تمار غوجانسكي: "فقط جبهة مشتركة لليهود والعرب بإمكانها أن تتحدى نتنياهو"

الأعلام التي يلوح بها نتنياهو وشركاؤه جميعها مثقوبة. من يقوم بتأجيج الكراهية ضد العرب لا ينوي تحسين ظروف اليهود ولا أن يضيف إلى حقوقهم. غوجانسكي على قناعة بأن الأداة المركزية لبناء مجتمع عادل هي الشراكة بين العرب واليهود. مقابلة خاصة.  
ليلاخ فيبر

 

الطريق الى بات يام تلونت بالزهور الربيعية وبالفراشات التي أحسنت صنعاً ولم تتهشم على زجاج السيارة. “انظري الى الفراشات”، قالت تمار غوجانسكي، من أكثر الأعضاء الموقرين الذين خدموا في كنيست إسرائيل والتي أعتبرها أماً سياسية، “لم يتحدث اليهن أحد ولكنهن نظمن انفسهن وخرجن الى الشارع”.

لا تسرع غوجانسكي الى تلخيص 65 عاماً من النشاط السياسي في الأطر الشيوعية ولا 48 عاماً في قيادة الحزب الشيوعي. وقد فضلت بشكل طبيعي التحدث عن كتابها الأخير “شيوعيون شرقيون- المعركة ضد التمييز الطائفي ومن أجل حق المسكن” (دار نشر برديس، 2018) على التحدث عن أكثر معركة انتخابية باهتة نشهدها حتى الآن.

“العنصرية هي عملياً أداة الضعفاء. الشخص الواثق من مواقفه ويريد الاقناع لا يحتاج لأن يدوس على كرامة شخص آخر. لا أعتقد بأن شاكيد، نتنياهو أو كافة العنصريين الذين يلوحون بالعنصرية يستخدمونها لأنهم مقتنعين بمواقفهم بتلك الدرجة أو لأنهم يعتقدون بأن العنصرية هي الحل. بل هم يتوجهون الى العنصرية لأنهم لا يملكون عملياً أجوبة لمشاكل المجتمع الإسرائيلي الحقيقية”.

هل يدل ذلك برأيك على فقدان القيم؟

المسألة ليست مسألة فقدان قيم، فأنا لا أعتقد بأن نتنياهو كان يحمل في يوم من الأيام قيماً ديمقراطية. مناحيم بيغن وآخرون في الليكود سابقاً كانوا قد طرحوا رؤيا تشمل أرض إسرائيل الكاملة، أي الطرد أو القضاء على الوجود والهوية الفلسطينية، ولوحوا بعلم الاقتصاد الحر، حيث قالوا لجمهور العمال، النساء والجيل الشاب: تعالوا لندمج هذين الأمرين الرائعين- أيضاً الاحتلال وتوسيع السيطرة على الأراضي وأيضاً الاقتصاد الحر. لا حاجة للجان عمالية ولا لنقابات مهنية فبإمكان كل شخص في السوق الحر أن ينجح فقط اذا حاول(!). هم عملياً قاموا بصياغة برنامج من أجل الجمهور الإسرائيلي كان من المفترض أن يكون البديل لبرامج اليسار.

خطط شاكيد للقضاء على محكمة العدل العليا وتحويلها الى فرع لسياستها، ومساعي نتنياهو الى سحق المبنى الديمقراطي القائم على مواطن ضعفه هي محاولة شفافة لاتهام أدوات الحكم بالمسؤولية عن فشل سياسة الحكومة.

اليوم، وبعد أن قضى الليكود أربعون عاماً في الحكم، فقد أثبت ما يعنيه برنامجه حقاً: الحرب تحولت الى ظاهرة ثابتة، وها نحن ننظر الى الاعلام ونسأل: هل هناك صفارة انذار أم لا؟ في كل يوم تسقط ضحايا. في الحدود مع غزة يطلقون النار على المواطنين مرة تلو الأخرى، وفي الضفة يصاب الجنود. وفي النهاية، ينجح نتنياهو في استدامة الصراع الدموي. نتنياهو وملاحقه المختلفون لا يملكون كذلك أي برنامج ممكن أن يلبي احتياجات الجمهور الواسع، جمهور النساء والعمال، لأن الأعلام التي يلوحون بها مثقوبة كلياً. خذي مثلاً موضوع الاسكان وهو مشكلة اجتماعية صعبة ولكنها أصعب على الطبقات الأفقر وعلى النساء بشكل خاص. كل البرامج التي قامت بها حكومات الليكود أحسنت الى طبقة دقيقة جداً بينما أخذ الاسكان الجماهيري بالتقلص أكثر فأكثر.

عندما يسأل نتنياهو وشركاءه ما الحل في الأراضي (المحتلة) يظهر من كلامهم بأنهم يفترضون بأن الفلسطينيون سيختفون بطريقة ما. وبغياب الحلول السياسية، فهم يقومون بتأجيل الكراهية.

تأجيج الكراهية كما بإمكاننا أن نتعلم من التاريخ البعيد والأقرب منه يسعى الى القضاء على الحقوق وليس الى تعزيزها. من يقوم بتأجيج الكراهية ضد العرب لا ينوي تحسين ظروف اليهود ولا أن يضيف إلى حقوقهم.

خطط شاكيد للقضاء على محكمة العدل العليا وتحويلها الى فرع لسياستها، ومساعي نتنياهو الى سحق المبنى الديمقراطي القائم على مواطن ضعفه هي محاولة شفافة لاتهام أدوات الحكم بالمسؤولية عن فشل سياسة الحكومة. هم يقولون: المستشار القضائي ليس على حق، الشرطة ليست على حق، المحكمة ليست على حق.. ولكن عذراً، أنتم تتواجدون في الحكم منذ أربعون سنة، ماذا عن الحكم الذي قمتم بتكريسه والذي أنتم مسئولون عنه؟

قوة الحكم تنعكس في الآليات. عندما يدعي الحكم بأن الآليات ليست على حق، فانه لا ينوي تحسينها لصالح الجمهور. نتنياهو، بنيت وشركاؤهم يحرضون ضد الآليات القائمة، وهم ينوون استبدالها بآليات مطواعة تقمع أية معارضة سياسية. حتى في الأنظمة الفاشية والكولونيالية عملت محاكم وأجريت محاكمات. هذا ما كان في البلاد خلال الانتداب البريطاني، وهذا ما تقوم به دولة إسرائيل اليوم في منظومة القوانين والقضاء التي تطبقها في الضفة الغربية المحتلة. لهذا، فإن حملة اليمين الذي يسيطر على الحكم ضد أجهزة الحكم تسعى الى تشكيل منظومة تكون على هيئته وشاكلته، منظومة تخضع لإمرته كلياً. هم يحاولون تحقيق ذلك ويجرون انتخابات في نفس الوقت، وهذا ليس بالأمر المفاجئ فقد كانت هناك أنظمة فاشية صعدت الى الحكم بعد ان انتصرت في الانتخابات.

ماذا يمكن أن نفعل اذاً مقابل اليمين الذي يمسك بالحكم منذ 40 سنة؟

لكي يحافظ على شعبيته وسط الجمهور، يتهرب اليمين في الحكم من المسؤولية ويحاول تبديل الشعارات: التحريض ضد العرب، التحريض ضد اليسار (كمصطلح واسع وشامل) والتحريض ضد الخدمات الاجتماعية التي تعرض على أنها غير ناجعة.

اليمين في الحكم يستخدم أداة التحريض بشكل ناجع جداً ولكن هذا لا يعني بأنه ليس بالإمكان جعلهم يتراجعون أحياناً. مثلاً في قضية الحد الأدنى للأجور. دوف حنين ومنظمات اجتماعية أحيوا مطلب رفع الحد الأدنى للأجور بعد أن تجمد هذا النضال لسنوات، وعندما نجح المطلب في حشد تأييد واسع اضطرت الحكومة الى تبني هذه الخطوة. كان هذا انجازا وأنا لا استخف بهذه الانجازات. هناك أهمية لكل انجاز مهما كان صغيراً ولكن عندما ننظر الى الصورة الكبيرة نرى بأن الفجوات الاقتصادية بين أصحاب المال والعمال قد اتسعت. لا شك بأن الحكام يساهمون في مراكمة الأغنياء للمزيد من الثراء. هذه حكومة تمثل الأغنياء بشكل مخلص وهي المسؤولة عن الاهمال الآثم لجهاز الصحة العام.

وقفنا في المظاهرات الرائعة التي خرجت ضد قتل النساء على قدرة النساء على التأثير والتغيير والتحرر من تابو اليمين العنصري. الربط الذي نجحت النساء في خلقه يعتمد على الادراك بأن هناك فروق فيما بيننا في وجهات النظر والآراء ولكننا وجدنا موضوع هام وموحد بإمكانه أن يجمع العربيات، اليهوديات، الشرقيات، الأشكنازيات والأثيوبيات. جميعهن يستطعن النضال سوية. وهذا العامل المشترك هو أكثر شيء يخشاه اليمين في الحكم. لهذا، فإن رد الحكم على أية علامة على الوحدة الاجتماعية يكون التحريض ضد السكان العرب وضد اليهود الذي يؤيدون التعاون اليهودي-العربي. فقد تعلم رجال الحكم من تجربتهم بأن الشراكة هذه خطر عليهم.

ولكن هل هذا العامل المشترك هو شيء حقيقي أم مجرد أمنية؟

لقد خلقت الحياة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد حالة أبرزت مساهمة السكان العرب- الطواقم الطبية في المستشفيات، وأماكن العمل والتعليم عامةً التي تشكل مدارس للتعاون. النضالات التي قادها العمال في أماكن العمل كانت دائماً مشتركة. أذكر بأنه كان هناك قبل سنوات مصنع في يفنه كان اسمه ارجمان وعمل به عمال من غزة. عندما أعلن العمال اليهود بأنهم سيضربون عن العمل، لم يأتي الفلسطينيون الى العمل تضامناً معهم. اليوم ازداد عدد اماكن العمل التي نجد بها ممثلين عرب في اللجان العمالية. تجربة الحياة تعلمنا بأن هذه الشراكة ستكبر موضوعياً.

من يطمح الى بناء مجتمع متساوي وكذلك عادل وإلى منح فرصة حقيقية لكل طفلة وطفل، يجب أن يعرف بأن الأداة المركزية لتحقيق هذا الهدف السامي هي بناء الشراكة الأساسية بين اليهود والعرب، الشراكة المبنية على التقدير والاحترام المتبادل وعلى الادراك بأنه لن يكون في هذه البلاد مجتمع فقط لليهود أو للعرب

من ناحية الحكم، فإن استخدام قوة عمل الأقلية العربية هو مصدر ناجع للأرباح. هم يعرفون بأن الآلية الرأسمالية تتطلب منح أدوات للسكان العرب للاندماج في سوق العمل. الحكم لا يعارض بأن يعمل العرب ويكدحوا في الزراعة، الصناعة، المستشفيات او بأي مكان آخر ولكنه يعارض عمليتين تنتجان بطبيعة الحال عن تعزيز مكانتهم في الاقتصاد والمجتمع. اولاً، الاعتراف بأي حق جماعي للسكان العرب- حقوق كأقلية قومية أو مكانة رسمية للغتها أو ثقافتها. وثانياً، الاعتراف بأن هناك حاجة بالشراكة في الحياة والنضال بين العرب واليهود. اليمين في الحكم يقول للعرب: علينا أن ندمجكم في القطاعات الاقتصادية ولكن وأنتم مطأطئي الرأس. اندمجوا ولكن لا ترفعوا رؤوسكم، لا تنظروا الى الأمام، لا تشكلوا أوهام حول المساواة. انظروا للأسفل فقط، وانظروا الى أين نسمح لكم بالذهاب.

هناك أناس وقوى سياسية في الجمهور اليهودي على وعي بالتناقض الداخلي للجهاز العنصري. وهم ينشطون لكي يجري التعاون بين يهود وعرب فخورين، منتصبي القامة وواثقين من أنفسهم. كل من ينشط بهذه الطريقة من الجمهور اليهودي يقوم بأهم عمل يمكن القيام به ضد نتنياهو. فبالإمكان الحديث عن فساد، نزوات وأكاذيب نتنياهو ولكن فقط جبهة موحدة لليهود والعرب بإمكانها تشكيل وصياغة بديل حقيقي لسياسته.

اليوم، ونحن نقترب من انتخابات 2019، كل من تهمه المساواة ويهمه وجود مجتمع عادل، كل من يطمح الى بناء مجتمع متساوي وكذلك عادل وإلى منح فرصة حقيقية لكل طفلة وطفل، يجب أن يعرف بأن الأداة المركزية لتحقيق هذا الهدف السامي هي بناء الشراكة الأساسية بين اليهود والعرب، الشراكة المبنية على التقدير والاحترام المتبادل وعلى الادراك بأنه لن يكون في هذه البلاد مجتمع فقط لليهود أو للعرب- ليس فقط لأن ذلك يتناقض مع مصالح كلا الشعبين ولكن لأنه غير ممكن عملياً. لهذا، فإن اليمين يعاند لكي لا يرى هذه الحقيقة.

ما هو البديل في الكنيست القادمة؟

لا يمكن تصميم التطور الاجتماعي والتغييرات السياسية وكأن الحديث عن عملية تتم في المختبر. لم يخطط أحد للحراك الاجتماعي قبل حدوثه بسنوات. كما لم يخطط أحد للتظاهرة الكبيرة للنساء في تل أبيب من ذي قبل. ولكن كانت هناك قوى بنت الحراك خطوة وراء خطوة حتى تشكل ظرف تاريخي، سياسي، اجتماعي لا يمكن التنبأ متى ينفجر. قوتنا كشيوعيين، كيساريين منهجيين، تكمن في بناء المدارك والأدوات للظروف المواتية التي لا يمكن تنبؤها مسبقاً.

كتابي “شيوعيون شرقيون” يظهر بأن الشيوعيين في المجمعات المؤقتة وفي الأحياء الفقيرة كانوا أقلية ولكنهم عرفوا كيف يخلقوا الأدوات الى أن ينمو حراك اجتماعي. هذا لا يعني بأن الحكم يتراجع دون ردة فعل منه. أحياناً يستولي الحكم على أهداف الحراك كما كانت الحال في مسألة رفع الحد الأدنى للأجور. هذا يثبت بأن اليسار المنهجي ينجح في تحقيق الانجازات- ان عاجلاً أم آجلاً- لأنه يعبر بطريقة صحيحة عن المصالح الاجتماعية، مصالح العمال، النساء والأقلية العربية.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.