ان تدفقنا ام لم نتدفق الى الصناديق- هذا قرارنا

لدى العرب مواطني دولة إسرائيل الكثير من الأسباب لمقاطعة الانتخابات والامتناع عن المشاركة في اللعبة السياسية التي نعرف نتائجها مسبقاً. بكل الأحوال، إن قاطعنا أم لم نقاطع، اتركونا نمارس حرية الاختيار السياسي بالطريقة التي نراها مناسبة.

 

وقت قصير يفصلنا عن يوم الانتخابات، وكما هي الحال دائماً فإن جزء من مواطني الدولة العرب ينوون مقاطعة الانتخابات. على خلفية النقاشات والتقديرات، الاستطلاعات والتصريحات من كافة الجهات، وكما في كل موسم انتخابات (خاصةً منذ تصريح رئيس الحكومة بالانتخابات السابقة: “العرب يتدفقون الى الصناديق”) هناك ترقب لمعرفة نسبة التصويت وسط المجتمع العربي. وقد كشف استطلاع أجرته قائمة الجبهة-العربية للتغيير مؤخراً بأن نصف المواطنين العرب لا ينوون التصويت في الانتخابات. علت في أعقاب هذه النتائج أصوات كثيرة ومتنوعة- أيضاً وسط الجمهور العربي نفسه وأيضاً وسط الجمهور اليهودي- تحاول بكل ما أوتيت تشجيع أصحاب حق الاقتراع العرب على الخروج في يوم الانتخابات والمشاركة في التصويت.

هناك أربع مجموعات وسط العرب مواطني دولة إسرائيل في هذا السياق:

المجموعة الأولى التي تقاطع الانتخابات دائماً وأبداً لأنها معنية بحصر علاقتها مع الدولة الصهيونية قدر المستطاع. ما سأسوقه هنا غير موجه لهذه المجموعة والتي من حقها بأن تشعر وتفعل ما تراه صحيحاً ومناسباً.

المجموعة الثانية تشمل هؤلاء الذين يشعرون بخيبة الأمل من تفكيك القائمة المشتركة. لا أعرف ما هي الدوافع الحقيقية التي جعلت عضو الكنيست أحمد الطيبي يقرر الخروج من القائمة والانضمام فيما بعد إلى الجبهة، ولكن القائمة انقسمت هكذا عملياً الى شقين- واحد يضم الطيبي والجبهة والآخر يضم التجمع والموحدة. شكل تفكيك القائمة المشتركة، من ناحية المجتمع العربي، مساساً بالثقة وليس من المستغرب بأن البعض شعروا بأن أعضاء الكنيست يلعبون بهم ويستخدمونهم لأغراضهم السياسية. لا شك بأن اقامة القائمة المشتركة، على خلفية رفع نسب الحسم في آذار ٢٠١٤، كانت بمثابة تحدي ولكن تفكيكها كذلك يضع المجتمع العربي في أزمة.

اتركونا- كجمهور- نمارس حرية الاختيار السياسي بالطريقة التي نراها مناسبة، والرد بحسب فهمنا، تجربتنا ومعاييرنا تجاه هذا الفعل السياسي أو ذلك. اذا قررنا المقاطعة فنحن بالتأكيد نعرف أفضل منكم لماذا نقاطع.

اقامة القائمة المشتركة علمتنا جميعاً كيف يمكن تركيب مبنى يمسك أطراف مختلفة ومتنوعة تحت سقف واحد. صحيح بأن هذه الوحدة الاضطرارية قد صنفت كل العرب كعرب وغطت على تنوع الآراء فيما بينهم ولكنهم، وبشكل مدهش ومفاجىء، نجحوا في البقاء معاً لدورة كاملة. عندما تشكلت القائمة، الكثيرون توقعوا بأن تفشل وأملوا بأن تتفكك، أما الآن وبعد أن حصل ذلك فقد اشتد وسط المجموعة الثانية الشعور بالأزمة، التخوف والإدراك بأن العرب لا يمكنهم أن يكونوا موحدين في مطالبهم وفي محاولاتهم لتحسين وضع المجتمع العربي في إسرائيل.

المجموعة الثالثة تشمل أناس يدعون بأن أعضاء الكنيست العرب لا يفعلون شيئاً من أجل المواطنين العرب، وهذا ادعاء اسمعه كثيراً هنا وهناك. الحديث عن أناس متأثرين بغسيل الدماغ الذي يمارسه الإعلام الصهيوني الذي يعرض أعضاء الكنيست العرب كأعداء لا عمل لديهم سوا الصراخ “احتلال، احتلال” كل الوقت. هم يصورونهم كمن يهتمون فقط بمصالح الفلسطينيين من غير مواطني الدولة  بينما يغفلوننا- نحن المواطنين الذين نعيش هنا. حتى عندما ينشر بين الفينة والأخرى بحث صغير أو تقرير من ثلاث دقائق يظهر نشاط أعضاء الكنيست العرب من أجل الجمهور الذي انتخبهم، يهتم الاعلام الصهيوني بحجب هذه الحقائق عن الجمهور. هكذا تنجح السياسة الصهيونية والعنصرية في الفصل بين منتخبي الجمهور الذين يمثلون العرب بحق ويعملون من أجلهم وبين المواطنين أنفسهم، كما ينقسم المواطنين العرب بينهم وبين أنفسهم في هذه المسألة.  

المجموعة الرابعة ولدت بعد قانون القومية، وهي تشمل جمهور من المتضررين الذي فهموا بأن الساحة البرلمانية لا تحمل أي بشرى من ناحيتهم طالما أن الدولة قد قررت تشريع قانون عنصري يشرعن فوقية مجموعة على مجموعة اخرى، وطالما أن أعضاء الكنيست العرب كلهم مجتمعين في قائمة واحدة وموحدة ضد القانون لم يستطيعوا التصدي لهذه الخطوة. هذه المجموعة أدركت بشكل واضح وحاد حجم القوة المتواجدة في يد الحكومات، وبنفس الوقت، عدم قدرة أعضاء الكنيست العرب على إحداث أي تغيير عميق والحد من جبروت الدولة اليهودية. قرار هذه المجموعة مقاطعة الانتخابات ينطوي على ادراك عميق بأن تأثير المشاركة البرلمانية العربية على الواقع هو ضئيل حتى معدوم.

هناك أمر هام يجب أن نأخذه بعين الاعتبار هنا وهو بأن أعضاء الكنيست العرب لا يتواجدون في مواقع قوة بالفعل لأن الدولة الصهيونية تحرمهم من أية قوة أو تأثير. لهذا، يجب أن يفهم المواطنين العرب جيداً ما معني المشاركة في الكنيست، وما الفرق بين عضو كنيست يهودي وبين عضو كنيست عربي، وماذا يعني الجلوس في الائتلاف او من المحتمل اكثر- في المعارضة، كحزب أو كأعضاء كنيست ملاحقين.

تطرقت شخصيات عربية كثيرة بالأسابيع الأخيرة الى مسألة المشاركة في الانتخابات، ومنها مغني الراب تامر نفار الذي استعرض الصراع الداخلي الذي يمزق العرب من الداخل. وكما يشرح، فقد تقاتل مع نفسه في هذه المسألة وقرر بالنهاية بأن الخيار الأصح هو التصويت للتصدي للفاشية والرد بالمثل لأعضاء الكنيست العرب الذين دعموه في طريقه. المزيد من الشخصيات والفنانين انضموا لهذا الخطاب بهدف حث الجمهور العربي لكي يخرج ويصوت.

هذا الخطاب الذي يشمل آراء متنوعة لكلا الطرفين هو أمر منطقي ومطلوب على ضوء الوضعية المركبة للمجتمع العربي في إسرائيل. المشكلة تبدأ عندما يتجرأ مواطنين غير عرب بالتدخل والوعظ، الانصدام من هذا الاستطلاع أو ذك ومطالبتنا بالقيام بهذا الشيء أو ذك. أنا نفسي أنوي التصويت ولكنني أطلب بألا تتدخلوا بقراراتنا ومقاطعاتنا. اتركونا- كجمهور- نمارس حرية الاختيار السياسي بالطريقة التي نراها مناسبة (وما يراه كل رجل وامرأة مناسباً) والرد بحسب فهمنا، تجربتنا ومعاييرنا تجاه هذا الفعل السياسي أو ذلك. اذا قررنا المقاطعة فنحن بالتأكيد نعرف أفضل منكم لماذا نقاطع.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.