الصدقة In والعدل out

ليس من قبيل الصدفة بأن خطاب الصدقة أصبح مهيمناً بالتوازي مع صعود الخطاب الليبرتاري، وبأن اليمين الاجتماعي والاقتصادي يبذل جهوداً كبيرة ليضع مصطلح الصدقة في مركز الخطاب الجماهيري ويهمش مصطلح العدل الاجتماعي تماماً.
يوسي دهان

 

اتصلت بي محررة في احدى وسائل الاعلام قبل بضعة أيام وأرادت التحدث عن صعود الليبرتارية، لا سيما وسط الشباب، وكان أحد اسئلتها المركزية لماذا لا نترك مجال الرفاه للقطاع الخاص. هكذا، على سبيل المثال، اذا ابقينا اتاحة المباني لذوي الاعاقات للقطاع الخاص سيكون بإمكان الناس، وخاصة أصحاب المال وكذلك الشركات، بالتبرع والاهتمام بالأمر. بهذه الطريقة سنتخلص كذلك من الضرائب غير المبررة ومن بيروقراطية دولة الرفاه، ونمكن الناس كذلك من العمل بأخلاقهم. مسألة الصدقة مهمة في هذه الأيام بالذات عندما تعود الجمعيات لتحث المواطنين على التبرع بمنتجات وأموال للمحتاجين لمساعدتهم على تلبية احتياجات عيد الفصح.

ليس من قبيل الصدفة بأن خطاب الصدقة أصبح مهيمناً بالتوازي مع صعود الخطاب الليبرتاري، وبأن اليمين الاجتماعي والاقتصادي يبذل جهوداً كبيرة ليضع مصطلح الصدقة في مركز الخطاب الجماهيري ويهمش مصطلح العدل الاجتماعي تماماً. الفرق بين هذين المصطلحين يعبر عن فجوة ضخمة في العقائد، القيم، السياسة والمصالح التي تقف من ورائهما. كتبت عن ذلك بالماضي والآن، بينما يحل علينا عيد “الحرية”، سأعود وأكرر بعض الأمور في هجاء الصدقة وبحق العدل، أو الأدق- في هجاء الصدقة كبديل للعدل (فالصدقة ليست أمراً مستهجناً ويجب الثناء عليها عندما تتم على خلفية أنظمة مؤسساتية للعدل الاجتماعي). من الحري بنا بأن نوضح التمايز بين هذه المصطلحين وبين السياقات الاجتماعية التي تطبق بها.

وفي حين تحاول مبادئ العدل بدرجة معينة تغيير الأنظمة المؤسساتية التي تتسبب بغياب العدل فإن الصدقة تخلد الوضع القائم. فهي لا تغير علاقات القوة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. كما أنها لا تمكن المحتاجين بل تفاقم أحيانا من اعتمادهم على أصحاب المال والقوة.

معنى مصطلح العدل في اللاتينية هو بأن تخصص لكل شخص الحصة التي يستحقها. وقد تمحور النقاش في الفكر السياسي حول مسألتين: أولاً، ماذا نقسم- هل نقسم الحريات أم أيضاً المدخولات، الفرص، مراكز القوة، القدرات والسلع الاجتماعية الأخرى. ثانياً، ما هي مبادئ العدل اللائقة. مثلاً، هل يحصل كل شخص على حصة وفق احتياجاته ام مساهمته أم حسب ميزاته ومبادىء أخرى اقترحت على مدى النقاش التاريخي حول التوزيع العادل.

الواضح بأن مبادئ العدل التي تتجسد في مؤسسات المجتمع المركزية تحدد ما هي حقوق وواجبات كل شخص في المجتمع الذي تسري عليه المبادىء. في دولة رفاه ديمقراطية حديثة تشتق هذه المبادئ من قيم أخلاقية تعتبر كل انسان كائناً مستقلاً له قيمة ذاتية متساوية. وقد حددت أنظمة دولة الرفاه مجموعة من الحقوق التي يجب أن يتمتع بها كل انسان (والأدق- كل مواطن)- وهي حقوق اجتماعية مثل التربية، السكن، الصحة والعيش بكرامة. أما المعنى العملي لهذه الحقوق فهو بأن الدولة ملزمة بتحقيقها بواسطة توفير الخدمات الاجتماعية وشبكة الأمان الاجتماعية. ومن المفترض بأن تضمن هذه الخدمات الحقوق اياها أيضاً عندما لا ينخرط الشخص في سوق العمل إن كان بسبب البطالة، المرض، الشيخوخة أو أسباب اخرى تمنعه عن ذلك.

هدف آخر للأنظمة المؤسساتية التي تقف في مركز دولة الرفاه هو إصلاح الاخفاقات والنتائج غير المتساوية التي تنتج عن السوق الاقتصادي، وتقليص عدم المساواة النابع عن عوامل عشوائية مثل العرق، الجنس، المكانة، العقيدة الدينية، الخلفية الاجتماعية والاقتصادية، الحظ والعوامل الأخرى التي تتواجد خارج سيطرة الشخص قدر الإمكان.

باختصار، فإن مبادئ العدل الاجتماعي هي مبادىء مشتقة من فرضيات اخلاقية، وهي تعنى بتوزيع السلع الاجتماعية والاقتصادية مثل الحريات، الغنى، الدخل، الفرص ومراكز القوة. وتتجسد هذه المبادئ بشكل مؤسساتي، من ضمن أمور أخرى، بالحقوق الاجتماعية، الفرص المتساوية في التربية والعمل والسياسة التي تقلص عدم المساواة الاجتماعي والاقتصادي.

خلافاً للعدل الذي يجسد سياسة علنية لمؤسسات سياسية فالصدقة هي عمل فردي لأشخاص. بينما يعنى العدل باحتياجات الناس على المدى البعيد وبالسياسة التي تحاول معالجة جذور المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، تعنى الصدقة بالعوارض وبالاحتياجات الفورية والجزئي. بيد أن وجبة واحدة بمناسبة العيد تحل مشكلة الفقير الجائع لمساء واحد أما في اليوم التالي فسيعود هذا الفقير الى سعيه وراء الوجبة القادمة. الصدقة لا تضمن مصدر رزق للمدى البعيد ولا خدمات طبية لائقة ولا تربية على مستوى.

وفي حين تحاول مبادئ العدل بدرجة معينة تغيير الأنظمة المؤسساتية التي تتسبب بغياب العدل فإن الصدقة تخلد الوضع القائم. فهي لا تغير علاقات القوة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. كما أنها لا تمكن المحتاجين بل تفاقم أحيانا من اعتمادهم على أصحاب المال والقوة. في الصدقة بفترض بأن وجود أناس فقراء، جائعين وعاطلين عن العمل هو ليس نتيجة سياسة اقتصادية واجتماعية تم التخطيط لها بل يتم التعامل مع المحتاجين كضحايا قوى خفية، وكأن الحديث عن اعصار او هزة أرضية، لا يوجد من هو مسؤول عنها. وتزدهر الصدقة عادةً عندما يتدهور العدل، ومثلها تزداد الأعمال الخيرية عندما يتبدد التكافل الاجتماعي.

تتعامل مبادىء العدل مع الانسان ككينونة مستقلة صاحبة حقوق، كمن يستحق الاحترام، في حين أن من يطلب الضدقة هو عديم الحقوق. الحصول على صدقة ليس حقاً بل هو يعتمد على النية الحسنة لمن يتصدق. لا يوجد حق لدى الفقير للحصول على تبرع المتصدق أما فاعل الخير فغير ملزم بتقديم الصدقة: فهو يعطي ان شاء ولا يعطي ان لم يشاء. في المقابل، فإن مبادئ العدل تمنح حقوقاً ينص عليها القانون. من يتم المس بحقه في السكن مثلاً بإمكانه مقاضاة الدولة على المساس بهذا الحق، وهو غير ملزم بالامتنان للموظف المسؤول في المكتب الحكومي.

الصدقة هي عملية تدمغ الحاصل عليها بدمغة سلبية ومهينة. فكروا في شعور العاطلة عن العمل التي تقف في الطابور للحصول على رزمة حاجيات للعيد، على المساس بكرامة من تضطر الى الظهور علناً كفقيرة بحاجة لشفقة. في اسرائيل، تحولت الصدقة الى سياسة اجتماعية واقتصادية للحكومة. الحكومة تخلق تياراً متزايداً من الفقراء والمحتاجين وفي حالات معينة تعرض عليهم أنظمة صدقة كحل لمشكلتهم.

كما تحولت الصدقة لأداة فعالة لترويج المبيعات وبناء الصيت للشركات الاقتصادية، وسائل الاعلام والمشاهير الانتهازيين. لا شك بأن تسويق شركة اقتصادية بواسطة الصدقة هو فعال لأن الشركة التجارية لا تنشر بضاعتها بشكل مباشر انما بصورة مبطنة على اعتبارها جسم يتحلى بالحساسية الاجتماعية ويتبرع للمجتمع. وقد اكتشف الاعلام التجاري الفقر في السنوات الأخيرة كماكينة لزيادة نسب المشاهدة. حيث تدين بعض الشخصيات في الاعلام الاسرائيلي بمكانتها للفقراء المحتاجين الذين هب هؤلاء المشاهير الرحومين لمساعدتهم في ساعات الذروة.

من المثير بأن هذه الشركات الاقتصادية والإعلامية تكون في بعض الأحيان هي نفسها من ضمن اللاعبين المركزيين في تحديد وتأييد السياسة الاقتصادية والاجتماعية التي تخلق مجمع المحتاجين الآخذ بالاتساع. ومن عجائب هذا الوضع بأن نجد رجل أعمال ينقل مصانع تكستيل الى الأردن، ونتيجة لذلك يفصل مئات العاملات، ومن ثم يقيم جمعية لتوزيع الوجبات الدافئة على الأولاد الجياع، أو بنك يخلي عائلة من بيتها بسبب عدم دفع القروض ويتبرع بحقائب لأولاد نفس العائلة قبيل افتتاح السنة الدراسية الجديدة (!).

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.