نعم، اليسار لديه مشكلة

من أين تنبع الفروقات الكبيرة في الممارسة السياسية للطبقة المتوسطة-الدنيا، المركبة بالأساس من الجمهور الشرقي والعربي، وبين الطبقة المتوسطة-العليا، المركبة بالأساس من الأشكناز؟ انها نفس القصة التي لا تنتهي..
توم مهاجر

 

“مشكلة اليسار” معروفة منذ زمن طويل ولا يتوقف الحديث عنها في الكثير من الحلبات لدرجة أنها تحولت الى كليشيه. لكن نتائج الانتخابات الأخيرة، وخاصة نسب وأنماط التصويت وسط الطبقات الدنيا، تدل بأن هناك مشكلة فعلاً- الغالبية العظمى من الناخبين الذين يصوتون لمى يسمى “الوسط-يسار” يتواجدون في البلدات المحسوبة على الطبقة المتوسطة-العليا الأشكنازية بينما تختار نسبة كبيرة من الناخبين في الضواحي الجغرافية والطبقية، أي الجمهور العربي والجمهور اليهودي الشرقي، عدم المشاركة في التصويت أساساً (العرب) أو التصويت لليمين (الشرقيين).

أولاً، ولننظر الى الأعداد والحقائق: في البلدات العربية راهط وحورة وأم الفحم كانت نسب التصويت منخفضة جداً. ٤٩.٦٪ خرجوا ليصوتوا في يوم الانتخابات في راهط، ٢٩.٢٪ في حورة، ٤٥.١٪ في ام الفحم. بالمعدل ٤١.٣٪. في المقابل، في المجالس الاقليمية القريبة تماماً من هذه البلدات، كانت نسب التصويت أعلى بكثير. حيث كانت نسبة التصويت في الكيبوتسات التابعة للمجلس الاقليمي بني شمعون، المحاذي لحورة وراهط، مرتفعة جداً- ٨١.٩٪ في كيبوتس بيت كما، ٧٩.١٪ في كرميم و-٧٥.٤٪ في حتسريم. بالمعدل ٧٨.٨٪. كذلك في مجلس اقليمي مجيدو، القريب من أم الفحم، سجلت نسب تصويت مرتفعة جداً- ٧٥.٦٪ في كيبوتس دالية، ٧٥.٥٪ في مجيدو، و-٧٦.٣٪ في مشمار هعيمق. بالمعدل ٧٥.٨٪. الحديث اذاً عن فروقات بعشرات النسب المئوية.

نرى الاشكناز في المجالس الاقليمية وفي مركز البلاد يتحدثون عن “اسرائيل الاولى” و”ملح الأرض” باشتياق في حين يعي العرب والشرقيون بأن الحكم الذي يحن اليه هؤلاء هو نفسه الذي طرد، دمر، صادر، أجرم وكرس العنصرية.

بينما يتجسد الشرخ السياسي بين البلدات العربية والمجالس الاقليمية القريبة منها في الفروقات الكبيرة جداً في نسب التصويت، يتجسد الشرخ السياسي بين بلدات المجالس الاقليمية وبلدات التطوير في انماط التصويت. هكذا، في حين صوتوا في تلك الكيبوتسات بشكل واضح لأحزاب “الوسط-يسار”، وخاصة لحزب “أزرق-أبيض” ومن بعده لحزبي العمل وميرتس (معدل المصوتين لحزب “أزرق-أبيض” في الكيبوتسات المذكورة هو ٤٨.٦٪)، مال المصوتين وسط الجمهور الشرقي في بلدات كريات جات، كريات ملآخي والعفولة للتصويت بشكل واضح لليكود: ٤٦.٤٪ في العفولة، ٤٥.٥٪ في كريات ملآخي و- ٤١.٩٪ في كريات جات (بالمعدل ٤٤.٦٪). ربما يجدر بنا هنا أن نشير بأن نسب التصويت في هذه البلدات لم تكن مرتفعة بتلك الدرجة وهي تقع في منطقة الوسط ما بين البلدات العربية والكيبوتسات: ٦٤.٧٪ في العفولة، ٦٦.٧٪ في كريات ملآخي و- ٦٥.٥٪ في كريات جات.

هذه المعطيات ليست عرضية. أي اذا ما قارنا بين أنماط التصويت في حي هتكفا وكفار شالم مقارنة برمات أفيف وتسهلا سنجد أرقام شبيهة. تبين نتائج الانتخابات بشكل واضح بأن الطبقات الدنيا لا تصوت ل”أزرق-أبيض” الإسرائيلي: راهط وحورة تتواجد في أدنى العناقيد الاجتماعية-الاقتصادية، أم الفحم في العنقود الثاني، كريات ملآخي في العنقود الثالث، كريات جات في الرابع والعفولة في الخامس. أما المجالس الاقليمية بني شمعون ومجيدو فتتواجد في العنقود السابع.

من أين تنبع اذاً هذه الفروقات الكبيرة في الممارسة السياسية للطبقة المتوسطة-الدنيا، المركبة بالأساس من الجمهور الشرقي والعربي، وبين الطبقة المتوسطة-العليا، المركبة بالأساس من الأشكناز؟ ربما علينا أن نلتفت مثلاً الى التوزيع غير العادل للموارد بين هذه البلدات: بينما تقدر الكثافة السكانية في المجلس الاقليمي مجيدو ب- ٦٧ مواطن للكيلومتر، وفي المجلس الاقليمي بني شمعون ب- ٢٤ مواطن للكيلومتر، فإن الكثافة السكانية في البلدات العربية وبلدات التطوير أعلى بكثير: ٣،٤٠٢ مواطن للكيلومتر في راهط، ٢،٣٨٦ في حورة، ٢،٠٨١ في أم الفحم، ٣،٣٦٢ في كريات جات، ٤،٩٢٠ في كريات ملآخي و- ١،٦٧٨ في العفولة.  

اذا كان الشعار المركزي لحزب “أزرق-أبيض” هو الرسمية (ومن هنا يأتي اسمه) ومحاربة الفساد، يبدو بأن الجمهور الشرقي والعربي يعرفون جيداً ما هي نوعية هذه الرسمية، وبأن الفساد في البلاد لم يبدأ بالمرة بالسيجار والمكاسب التي اغتنمتها عائلة نتنياهو. بل أنها مغروسة عميقاً في الحقوق الفائضة التي منحها الحكم للأشكناز، وهو الأمر الذي يظهر جلياً في التوزيع الطبقي.   

صحيح بأن هذه المعطيات تتطرق الى الحاضر ولكنها تجسد الشرخ الاجتماعي والاقتصادي منذ قيام الدولة وحتى يومنا هذا. لهذا نرى الاشكناز في المجالس الاقليمية وفي مركز البلاد يتحدثون عن “اسرائيل الاولى” و”ملح الأرض” باشتياق في حين يعي العرب والشرقيون بأن الحكم الذي يحن اليه هؤلاء هو نفسه الذي طرد، دمر، صادر، أجرم وكرس العنصرية. عليه، ما دام البديل لليمين في إسرائيل مركب من أشكناز يستمرون في حكاية نفس القصة التاريخية الكاذبة وينكرون الميزات التي يتمتعون بها على حساب الشرقيين والعرب، سيواصل اليمين الانتصار وسيستمر غياب العدل والظلم في الانتقال من الخط الأخضر إلى احتلال ٦٧.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.