كوخافي شمش: منارة الفهود السود

العراقي الوحيد في حركة الفهود السود أدرك عمق القمع الذي يمارسه الأشكناز، تأثر بحركة متسبن والتقى بياسر عرفات وفهم بأنه طالما هناك احتلال فلن يحصل الشرقيين على المساواة. في رحيل كوخافي شمش.
خاص باللسعة

 

هذا الأسبوع رحل عنا كوخافي شمش الذي كان أحد قادة حركة الفهود السود. لم تلقى اية رثاءات قومية لكن من احتفوا بذكراه، أصدقائه ومحبيه عددوا خصاله كشخص مؤثر وصاحب روح فكاهة، حب للمعرفة وحس للعدالة، وهي الخصال التي تجسدت في كل الطرق التي اختار المساهمة من خلالها في تحسين وجه المجتمع الإسرائيلي. رؤوفين افرجيل، الفهد العنيد وصديقه في بداية الطريق، حدثنا عن علاقتهم التي بدأت في حي المصرارة بالقدس في سنوات الخمسينات. “أنا أعرف كوخافي منذ أن كنا أولاد صغار أبناء ٦ أو ٧ سنوات. تعلمنا سوية لدى اليهود الاورثوذكسيين في شارع ع.ح. ولعبنا معاً في الحي. عندما كان طفلاً غضاً، توفي والده بشكل فجائي ومن ثم اختفت عائلته من المصرارة. خلال جنازته (التي عقدت يوم الثلاثاء الماضي) فهمت فجأة بأنه تنقل بين دور الايتام حتى سن الرابعة عشر، وفقط في هذا السن عاد ليسكن مع والدته في محني يهودا بعد أن تزوجت من شخص آخر”.   

في مجموعة “قوس من الآراء” يصف افرجيل حي المصرارة الذي يقع على خط التماس مع حدود القدس الشرقية التي خضعت للحكم الأردني حتى عام ١٩٦٧: “غالبية الأحياء في القدس فرغت على عجل من سكانها العرب الذين تركوا ممتلكاتهم على أمل العودة الى بيوتهم. وقد امتلئت منطقة التماس بأراضي ملغومة، عشرات البنايات المتروكة والقناصة الأردنيين الذين تموضعوا على طول الخط. وبقيت ثلاثة أحياء يتيمة: حي المصرارة، حي مأمن الله وحي يمين موشيه. لم يرغب أحد بالسكن في هذ بسبب قربها من نقاط القوات العربية. بعد وقت قصير من الهجرة الجماعية من شمال أفريقيا بدأت هذه الأحياء بالامتلاء بسكانها الجدد”.

كانت لدينا علاقات مع منظمة التحرير الفلسطينية منذ سنة ٧٢، واعترفنا بهم كقيادة شرعية للشعب الفلسطيني. كانت لنا محادثات معهم وفهمنا حاجتهم بالاستقلال والقضاء على الاحتلال، واتفقنا بأن مشكلة الشرقيين ومشكلة العرب متشابكة ببعضها البعض.

سكن في المصرارة في حينه عراقيون ومغاربة بالأساس- المغاربة بين المركز والجنوب والعراقيون بين المركز والشمال. كما كانت هناك في الحي حوالي ٢٠ عائلة تونسية وعدد من العائلات التركية. عائلة افرجيل وصلت من الرباط أما عائلة شمش فمن بغداد. “المصرارة كانت كالمعسكر المحاصر، مثل السجن الارادي”، كتب أفرجيل. “على خلفية الاهمال، تطورت في الحي ظواهر البطالة، اليأس والعجز التي انتقلت بالوراثة. على الرغم من الحاجة الماسة للخدمات الاجتماعية، لم تكن في الحي رياض أطفال أو مدارس لائقة. الكثير من الشباب ارسلوا الى مؤسسات الجانحين التي كانت بمثابة بديل لائق للمدارس الداخلية للطلاب الشرقيين، ومن بينهم اخوتي الثلاثة”.

“عندما كان طفلاً، أصيب كوخافي بشلل الأطفال ولكنه كان كثير الحركة على الرغم من عرجه. كان ولداً لطيفا ونشطاً وقد تحلى بهذه الصفات حتى بعد أن كبر.”. يحدثنا أفرجيل عن اللقاء المتجدد بشمش عندما كان الفهود السود في بداية طريقهم. عقدت المظاهرة الاولى التي نظموها مقابل مبنى بلدية القدس، وقد قررت البلدية برئاسة تيدي كولك بموافقة وزير الشرطة شلومو هيلل ورئيسة الحكومة جولدا مئير رفض طلب ترخيص المظاهرة وإجراء اعتقالات وقائية لكافة أعضاء الحركة. لكن ذلك لم يساعدهم- لأن الجمهور الشرقي كله امتثل في المظاهرة والى جانبه طلاب أكاديميون وشخصيات ثقافية شرقية وأشكنازية: “عندما تشكلت الحركة، خرج الأعضاء الاوائل لتوزيع المناشير وتم اعتقالهم، عندها عقدنا المظاهرة الاولى مطالبين باطلاق سراحهم. كانت هذه مظاهرة عفوية وكنت المتحدث الوحيد فيها باسم الحي”، يسرد افرجيل الذي كان من القلائل الذين لم يعتقلوا من بين قادة الحركة. “طالبت بإطلاق سراح المعتقلين واحتجيت على شرطة الأفكار. بعد يومين او ثلاثة جاء الى مقر الفهود السود ادي ملكا، كوخافي شمش ويحزقيل اخي الكبير الذي كان صديق كوخافي.أذكر بأنه قال لي: “أحضرت لك مديراً جيداً”. وقد اتضح لنا في غضون وقت قصير بأن ذلك كان صحيحاً، حيث برز كوخافي في حضوره، قدراته، تفكيره الحاد وأفكاره الفذة. لقد كان يعرف عما يتحدث”.

يحدثنا أفرجيل عن أهمية الخطاب الأول الذي ألقاه أمام الجمهور: “بينما تحدثت الى الجمع الذي التم بالقرب من مبنى البلدية، تراكضت في ذهني أفكار كثيرة. لو سألوني قبل ذلك بيوم ماذا أريد أن أصبح عندما أكبر لقلت بأنني أريد أن أكون جانحاً، جانحاً يحترمونه في السجن ويهابونه. لم يكن هذا خياري فقط بل خيار الكثيرين من الشباب من الحي- ببساطة لم نعرف القيام بشيء آخر. لكن ذلك اليوم غير حياتي كلياً. عند انتهاء المظاهرة واطلاق سراح الرفاق، نزلنا الى الحي للاحتفال بانتصارنا الصغير على الشرطة- العدو الكبير دائماً وأبداً”. غداة اليوم تحدثت الجرائد عن المظاهرة وسوقت اقوال كولك الذي وصف المتظاهرين ب”الزعران”، وقد جسدت التغطية الاعلامية العنصرية البنيوية ورفض الإعلام التصديق بأن الأدمغة الشرقية تمارس حقها الديمقراطي.

كان شمش من ضمن المجموعة المؤسسة للفهود السود الى جانب سعديه مرتسيانو، تشارلي بيطون، افرجيل وغيرهم. بالاضافة الى نشطاء آخرين، وقف الى جانبهم أعضاء حركة “متسبن” (بالعربية: بوصلة) حاييم هنجبي وشمشون فيجودر. في كتابه “الحراك الشرقي في إسرائيل”، كتب سامي شالوم شطريت، من ضمن امور أخرى، عن اللقاء (المركب) مع متسبن وكيف شاهم، من ضمن أمور أخرى، في ربط الفهود السود بشكل لم يسبق له مثيل بين القمع الشرقي والفلسطيني، وهو اللقاء الذي تحدى التيار المركزي وكذلك الأغلبية الشرقية التي بدأت ترتبط بالليكود ضد مباي. ويقتبس شطريت في كتابه شمش الذي قال بعد سنوات من تلك الفترة:  

“جميعنا في الفهود قلنا ذلك، بأن الموضوع الأمني يمشي يداً بيد مع الموضوع الاجتماعي. كما أننا لم نقبل نصائح الأصدقاء الشرقيين الذي قالوا لنا بألا نتعاطى مع الموضوع السياسي. لماذا تتحدثون عن المسألة السياسية؟ كنت أقول لهم دائماً: لحظة، ما الأمر؟ هل الحديث عن ذلك هو ميزة محفوظة للأشكناز فقط؟ ما الأمر، ألأنني أسود ممنوع علي القيام  بذلك؟.. لقد سبق الفهود المجتمع الإسرائيلي واليسار بجيل واحد. كانت لدينا علاقات مع منظمة التحرير الفلسطينية منذ سنة ٧٢، واعترفنا بهم كقيادة شرعية للشعب الفلسطيني. كانت لنا محادثات معهم وفهمنا حاجتهم بالاستقلال والقضاء على الاحتلال، واتفقنا بأن مشكلة الشرقيين ومشكلة العرب متشابكة ببعضها البعض. لن تكون هناك مساواة ولا تحسن بمكانة الشرقيين طالما أن هناك احتلال ونضال قومي، ومن جهة أخرى فإن النضال القومي لن ينتهي طالما بقي الشرقيين في أسفل السلم واستمروا عملياً في كونهم رافعة معادية للعرب”.  

حدثنا أفرجيل عن ذلك كذلك وقال: “التقى كوخافي بياسر عرفات وكانت لديه آراء متماسكة. لقد قال بأنه لا يوجد حل للشرقيين ما دام الاحتلال قائماً. ولقد تأثر كوخافي بحاييم هنجبي من حركة متسبن، وأنا أسمي النجبي “الناشط النبيل”. على فكرة، عندما فهم هنجبي بأن المستوطنين يسيطرون على ممتلكات والديه في الخليل، سافر الى الخليل مع المفاتيح وتبرع بها لرئيس بلدية الخليل”.

في أعقاب تلك المظاهرة أمام مبنى البلدية، أقيم مقر الفهود السود في بيت أفرجيل في شارع ع.ح. وقد تسجلوا كجمعية، جندوا النشطاء، واصدروا جريدة، ونظموا مظاهرات واحتجاجات منذ ال-١٨ أيار الذي شهد المظاهرة الضخمة التي سميت “ليل الفهود”. الفهود السود، يكتب أفرجيل “نجحوا في افاقة جمهور كبير من سباته السياسي، وصقلوا وعيه السياسي وبينوا له بأن الواقع الاجتماعي الذي تميز بالضائقة، الاهمال، عدم المساواة الاقتصادية والفجوات الاجتماعية هو نتاج سياسة حكومية وليس ضربة قدر. مجموعة فتية من حي المصرارة تحدت الحكم وصمت جيل الآباء والمنتفعين الشرقيين. بأثر رجعي، يتضح بأن صعود الفهود السود كان محفزاً لتغيير الحكم عام ٧٧ ولنضالات كثيرة جاءت من بعدها”.

في مرحلة ما، توزعت المجموعة ما بين تل أبيب والقدس. “عضو الكنيست شالوم كوهن جر معه سعديه مرتسيانو وتشارلي بيطون الى تل أبيب”، يحكي افرجيل. “أما كوخافي فانتقل فيما بعد الى تل أبيب ليخوض مجال الأعمال. وقد جلس كثيراً في مقهى تمار حتى نهاية سنوات الثمانينات. هم فتحوا مكتباً في هغدود هعفري وسموا أنفسهم الفهود السود الديمقراطيين الإسرائيليين. نحن كنا في القدس وهم في تل أبيب. كانت بيننا منافسة معينة ولكن عندما نظموا المظاهرات في تل أبيب ذهبنا جميعنا الى تل أبيب وعندما نظمنا المظاهرات في القدس جاء الجميع الى القدس. كان لدي خلاف عنيف مع شالوم كوهن الذي مات وهو ما زال ضغير السن. بمساعدته أصدر كوخافي الجريدة التي كان يحررها “الفهود السود الديمقراطيين”.

قبيل انتخابات الكنيست الثامنة عارض شمش ترشح الفهود السود مع شالوم كوهن وترشح على رأس قائمة خاصة به مع ادي ملكا. قبيل انتخابات الكنيست التاسعة، كان شريكاً مع تشارلي بيطون في الاتفاقية مع الحزب الشيوعي حول اقامة الجبهة. في ١٩٨٠ بادر واقام “الجبهة الشرقية” التي كان من بين مؤسسيها كذلك بن درور يميني، مئير عمور، فيكي شارن ويوسف شيلواح. في ٢٠٠٣ استكمل شمش دراسته وحصل على شهادة محامي.

“في كل مرة نتفاجئ من جديد من عمق القمع الذي يمارسه الأشكناز. كوخافي رأى هذه الأمور قبل الجميع. العلاقة مع الاحتلال. لقد جاء مع قيمة مضافة، كان ابن الحي ولكنه ليس مغربياً. كان العراقي الوحيد في الفهود. لقد عرف كيف يعبر عن نفسه، وكتب أفضل من الجميع، وعرف كيف يضع أصبعه على النقاط الحساسة. لقد كان المنارة الفكرية لمجموعتنا”.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.