الدولة المحتلة لا يمكن أن تنعم بالعادية

سوف يسجل هذا الاوروفزيون في كتب التاريخ كلحظة (أخرى) أصبح فيها واضحاً كوضوح الشمس بأن إسرائيل لا يمكنها أن تستمر في التصرف وكأنها دولة عادية تقوم بأمور عادية مثل السواح ومسابقات الأغاني. تلخيص متفائل للحراك الاحتجاجي ضد الاورفزيون.  
تانيا روبنشطاين

 

لم تمتلىء تل أبيب في الأسبوع الماضي بعشرات آلاف السواح الأوروبيين كما توقعوا ووعدونا بانفعال طوال العام الأخير. وقد أسرع رؤساء المدينة الى التطمين والتأكيد على أن السبب لعدم مجيء كافة سواح الاوروفزيون (الذين كان هناك من خطط لبناء مدينة خيم من أجلهم في جاني يهوشواع!) ليس سياسياً انما اقتصادياً: تل أبيب غالية ببساطة، والأسعار الباهضة التي ارتفعت أكثر على شرف السواح بكل ما يتعلق بالمبيت، التاكسيات والترفيه قد ردعت مشاهدي ومشاهدات الاوروفزيون الذين اعتادوا على استخدام الباص او القطار للوصول الى الحدث وعلى زيارة مدن لا تحاول استغلالهم بهذه الفظاظة.

أثبت هذا الاسبوع بأن الدولة المحتلة لا يمكن أن تنعم بالعادية. كما أظهر بأن هناك حركة جدية وواسعة تنشط هنا وفي العالم من أجل إنهاء الاحتلال والقمع ومن أجل مستقبل أفضل.

لن نعرف ما هو بالضبط عدد محبي ومحبات الاوروفزيون الذين اختاروا عدم المجيء الى إسرائيل لأسباب سياسية. ولكننا نعرف بأن من اختاروا المجيء ومن انكشفوا على التغطية الاعلامية للحدث بالأشهر الأخيرة قد سمعوا عن النضال الفلسطيني، الاحتلال والحصار على غزة وعن حقيقة كون اسرائيل دولة تنتهك بشكل منهجي حقوق الانسان لملايين الناس منذ عشرات السنوات. ولنأمل بأنهم قد تعلموا كذلك بهذه المناسبة بعض المصطلحات الاساسية مثل ال-BDS (أي المقاطعة) والغسيل الوردي.

سوف يسجل هذا الاوروفزيون في كتب التاريخ كلحظة (أخرى) أصبح فيها واضحاً كوضوح الشمس بأن إسرائيل لا يمكنها أن تستمر في التصرف وكأنها دولة عادية تقوم بأمور عادية كبقية الدول، مثل السواح ومسابقات الأغاني والعلاقات الدولية تعتمد على الاتهامات باللاسامية وتجارة الأسلحة وصورة جماهيرية تستعرض الأوضاع وكأنها على ما يرام.

على مدى الأسبوع الماضي جرى في كل يوم نشاط واحد على الأقل وأحياناً أكثر داخل الاوروفزيون، خارجه وفي أنحاء تل أبيب وكذلك غزة، رام الله وحيفا. حيث قامت مجموعات ومنظمات من هنا ومن العالم بتنظيم نشاطات احتجاجية مختلفة ابتداءاً بعرض Globalvision الذي نظمه فنانون فلسطينيون كبديل لبث الاوروفزيون التلفزيوني من الشيخ مونس المحتلة، مروراً بالنشاطات المباشرة، المظاهرة التي خرجت بشوارع تل أبيب في ذكرى مرور عام على المذبحة التي وقعت بتاريخ ١٤.٦.٢٠١٨ والتي قتل فيها ٦٤ متظاهراً على الحدود مع غزة برصاص قناصة الجيش، وحتى المظاهرة التي جرت بالتوازي مع نهائيات الاوروفزيون تماماً والتي حالت لبعض الوقت دون امكانية الدخول الى مكان الحدث.

المظاهرة بنهائيات الاورزفزيون:

انضمت هذه النشاطات لمجموعة من الحملات التي أطلقت بالعام الأخير والتي طالبت بمقاطعة الحدث وعدم التعاون مع محاولة إسرائيل لاستخدام مسابقة الأغاني الاوروبية كمغسلة لجرائمها ضد الشعب الفلسطيني. وتشكل هذه الحملات استمرارية مباشرة لسنوات من العمل اليومي لناشطات، مجموعات ومنظمات تعارض الاحتلال وتناضل من أجل العدل.

ما بين النشاطات الميدانية هنا والحملات التي أطلقت بدول أخرى، وما بين الوفد الآيسلندي ورسالتهم التضامنية التي نقلوها ببث حي وحتى رسالة التعايش المتهاونة والبالية لمادونا (التي رافقها راقصون تحمل ملابسهم علم إسرائيل وفلسطين)، أثبت هذا الاسبوع بأن الدولة المحتلة لا يمكن أن تنعم بالعادية. كما أظهر بأن هناك حركة جدية وواسعة تنشط هنا وفي العالم من أجل إنهاء الاحتلال والقمع ومن أجل مستقبل أفضل.

عندما شاركت أمور شبيهة بهذه عبر صفحتي على الفيسبوك قبل يومين، طلبت مني بعض الصديقات أن أفسر نظرتي المتفائلة وواجهن صعوبة في رؤية الأمور كما أراها. اليأس كبير، ويبدو من هنا بأن إسرائيل تتقدم في سياسة الابرتهايد والفساد السلطوي دون أي رادع وأية محاسبة.

في الحقيقة، لا أعتقد بأن هناك تناقض بين هذين الأمرين. اذا كانت حقيقة تدهور الأوضاع تحبطنا وتحول دون تحركنا فإن ذلك يعني بأننا فشلنا في صياغة وظيفتنا ومكاننا بما يجري هنا. وعموماً، فإن السبب لمعارضة الاحتلال لا يكمن في كونه نضالاً من المحتمل بأن ينجح في المستقبل القريب انما لأن الاحتلال يجب أن ينتهي، وبأنه علينا أن نناضل طالما أن هناك تمييز مؤسساتي، حكم عسكري، معتقلين اداريين وحواجز، طالما أن هناك حوالي مليوني شخص يعيشون تحت الحصار، لكي يبدو الواقع مختلفاً في يوم من الأيام. حتى اذا فشلنا فشلاً ذريعاً اليوم ولم يأتي أحد الى المظاهرة ولم يقم أحد بتغطيتها، وحتى اذا جاء المئات والآلاف، علينا الاستمرار في الغد- لأن هذا النضال ليس مسابقة شعبية بل نضال من أجل الحياة والعدل.

تضامن ببث حي- الآيسلندي في نهائيات الاورفزيون (تصوير شاشة).

كلما تدهورت الأوضاع وكلما أصبحت أكثر عنفاً، تمييزاً ويأساً، كلما أصبح نشاطنا من أجل العدل والسلام أهم. كلما بدا بأن الحركة تصغر كلما أصبح حضور كل واحدة وواحد منا ضرورياً أكثر. وكلما تخيلنا بأننا لوحدنا في هذا النضال، علينا أن نرفع رؤوسنا ونرى بأن هناك الكثيرون ممن ينشطون من أجل العدل والمساواة هنا وفي العالم. يكفي أن ننظر للاسبوع الماضي ولكم النشاطات الذي شهده والذي لم نرى مثله منذ سنوات من حيث كمية الطاقات، الابداع والإقدام.

لا يوجد نشاط واحد او مظاهرة واحدة او حملة واحدة بمقدورها أن تنهي الاحتلال او تمنح اللاجئين العدل. الأمر الذي سيقربنا من هذا المستقبل الذي نتطلع له هو الاستمرار: مواصلة تعريف العالم على ما يجري، مواصلة التصميم على القيم التي نؤمن بها، مواصلة التحرك والاحتجاج.

هذا الأسبوع، تحدثت جميع وسائل الاعلام المركزية في العالم وكذلك المحلية في أماكن كثيرة في اوروبا عن الاوروفزيون وكذلك عن النشاطات الاحتجاجية التي رافقته. وقد أثبت ذلك بأنه في واقعنا الحالي، أي حدث دولي بهذا الحجم يجري في إسرائيل سيثير معه الخطاب حول الاحتلال ومعارضته. لقد علمنا هذا الأسبوع بأنه حتى عندما لا نملك الموارد الضخمة لهيئة البث، وزارة الخارجية، وزارة الشؤون الاستراتيجية، وزارة السياحة وبلدية تل أبيب، فإن بإمكاننا أن نصل لملايين المشاهدين، القراء والسواح اذا ما تحلينا بالكثير من الايمان والتفاني.

وبعد هذا الاسبوع، علينا أن نواصل التحرك، في كل أسبوع، في كل فرصة، ما دام العدل لم يتحقق بعد.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.