"الدرع الواقي للديمقراطية" وورقة التوت

من العبقري الذي ألبس اسم عملية عسكرية على مظاهرة من أجل الديمقراطية؟ ولماذا كنت هناك حاجة لممارسة الضغوطات لكي يخطب عربي في المظاهرة؟!
آيات أبو شميس وعمري نجاد

 

عقدت مساء السبت المظاهرة الضخمة التي أشغلت الدولة والتي خرجت ضد القوانين التي يحاول نتنياهو تشريعها لتثبيت حصانته وتقييد الجهاز القضائي. ولنبدأ بالاسم المتطور الذي تم اختياره للمظاهرة: “درع واقي للديمقراطية”. كما يذكر الجميع، فإن “الدرع الواقي” كان اسم عملية عسكرية تمت عام ٢٠٠٢ عندما كان اريئيل شارون رئيساً للحكومة. قتل في هذه العملية العسكرية التي كانت عنيفة بشكل خاص حوالي ٥٠٠ فلسطيني وأصيب أكثر من ألف. من العبقري اذاً الذي ألبس اسم هذه العملية على مظاهرة من أجل الديمقراطية؟ لا عجب بأنه نفس الشخص الذي وعد في فترة الانتخابات بأنه “سيعيد غزة الى العصر الحجري”.

وفي الديمقراطية تمشي الأمور كما في الديمقراطية، حيث عج اليومين الذين سبقا المظاهرة بالمراهنات- هل سيخطب العربي ام لا. في البداية قيل بأن أيمن عودة لن يخطب خلال المظاهرة. وقد كانت الحجة التي سوقوها بأن أزرق-أبيض بعثوا له برسالة ولكنهم لم يتلقوا رداً بالوقت ولهذا فقد تنازلوا عن مشاركته. وقد كان هناك أناس في الجمهور صدموا من هذا الأمر، وهوب- بعد أن تمت ممارسة الضغوط جاؤوا بالعربي ليخطب. وقد كتب عضو الكنيست عوفر كاسيف في صفحته على الفيسبوك: “الضغوطات ساعدت ورئيس كتلة الجبهة-العربية للتغيير سوف يخطب هذا المساء في المظاهرة. سنكون هناك”. تلخص هذه الجملة الصريحة لعضو الكنيست الجديد الاشكالية هنا عندما تأكد على أنه كانت هناك حاجة لممارسة الضغوطات لكي يخطب عربي في مظاهرة من أجل الديمقراطية(!). وأي عربي؟ ذلك الذي يصنف كعربي “جيد” نسبياً. التجمع لم يتلقوا دعوة بالطبع. هذا دون أن نذكر بأنه بعد الموافقة على مشاركة العربي النيابي قرر اثنان من أعضاء الكنيست التابعين ل”أزرق-أبيض” مقاطعة المظاهرة. هناك أناس في الليكود كذلك، كما أشار الجنرال السابق بوجي يعالون، عادوا أدراجهم عندما سمعوا بأن عودة سيخطب في المظاهرة.

الجنرالات السابقين سمحوا اذاً برحابة صدرهم للعربي بالصعود على منصة الشعب المختار، وقد خطب هذا عن الشراكة العربية-اليهودية ولكن كم من الضفادع كان عليه أن يبتلع لكي ينجح بالقيام في ذلك

الجنرالات السابقين سمحوا اذاً برحابة صدرهم للعربي بالصعود على منصة الشعب المختار، وقد خطب هذا عن الشراكة العربية-اليهودية ولكن كم من الضفادع كان عليه أن يبتلع لكي ينجح بالقيام في ذلك: أي المشاركة في مظاهرة  يهودية صرفة تحمل اسم عملية عسكرية فتاكة. وافتتح الجنرال بيني جانتس خطابه بالقول: “جئت الى هنا الى أول مظاهرة في حياتي لأقول بصوت عالي ما نعرفه جميعاً، بأن “الشعب اليهودي ودولة إسرائيل هم اعجوبة!”. أقوال بائسة لرئيس الأركان السابق، ورغم أن ذلك ليس مفاجئاً حقاً الا أن ما يثير السخط هو أنه اختار اقصاء العرب والتطرق خلال خطابه فقط للأغلبية العددية في المظاهرة التي من المفترض بأنها تسعى الى تعزيز المعسر الديمقراطي ومبدأ المساواة أمام القانون. كما سبق وقال البعض بالماضي- ديمقراطية ليهودها ويهودية لعربها. مع ذلك، اختار أيمن عودة الذهاب الى هناك، الى المظاهرة التي دعي عليها بصعوبة. مخيب للآمال.

كما قال جانتس للجمهور الصهيوني المتنور الذي لبس الطرابيش: “لن نسمح بتحويل اسرائيل الرسمية الى تركة خاصة لعائلة ملكية او لساحة سلطان”. أية أقوال بائسة ومثيرة للشفقة، وأي جهل تاريخي هذا واستهتار بتركيا وبالثقافة العربية. وكأن هناك نقص في الطغاة والمستبدين في الأماكن التي يأتي منها قائد الأركان وأمثاله .الاستملاك الثقافي والاستهتار من على المنصة الهجومية يعكس تماماً الوجه القبيح للدولة: عسكرانية و\أو استهزاء بالثقافة العربية- هذا هو الموجود. أما نحن؟ نحن اليهود المتنورين! انظروا كيف تكرمنا واستضفنا هذا العربي المنقطع عن الواقع الذي يتحدث عن الشراكة اليهودية-العربية بينما يمتد من ورائه بأحرف مقدسة بيضاء عنوان: درع واقي للديمقراطية! يال العار.  

مقابل الاستهزاء بالثقافة العربية الذي عبر عنه المشاركون والمشاركات من خلال الاشارة الى تدهور الديمقراطية الى دكتاتورية على شاكلة تركيا، اختار هؤلاء عمداً تجاهل انتهاك حقوق الانسان الذي يجري هنا تماماً وليس في اسطنبول البعيدة. الانتهاك الذي يعتمد على الفوقية الاثنية البنيوية، وعلى أبناء العرق الذين يعتبرون أمام القانون أفضل من من أبناء العرق الآخر. خسارة، فلو أنهم سافروا مسافة ٥٠ دقيقة الى الضفة لرأوا كيف تعيش هناك مجموعتان تحت نفس الحكم ولكن مع منظومة قوانين مختلفة، ولرأوا كيف يطرد أصحاب الأراضي من أراضيهم الخاصة وكيف يتم التستر على قتل الأبرياء الفلسطينيين. بإمكانهم النظر ايضاً إلى القمع الوحشي في غزة الذي تتحمل دولة اسرائيل مسؤوليته. هذه ليست قيم ديمقراطية، ولم نتحدث بعد عن المساواة المدنية الأساسية. لكن المتظاهرين لم يصرخوا من أجل هذا، لم يصرخوا من أجل غزة. يبدو بأن ديمقراطيتهم تمس فقط عندما يقوم أحدهم بتشريع قوانين حصانة أو الحد من صلاحية محكمة العدل العليا.

بالامكان تقسيم جمهور لابسي الطرابيش الى قسمين. هناك اليائسين الذين يخرجون للتظاهر لحماية الديمقراطية والمعنيين حقاً بالشراكة العربية-اليهودية حتى أنهم ينفعلون عندما يتحدث عربي بهذه اللغة، ولكن ليس من المؤكد بأنهم كانوا سيقاطعوا المظاهرة لو أن عودة لم يشارك في نهاية المطاف. لا شك بأن مشاركته شجعت بعضهم على الذهاب ولكن من المحتمل بأن السياق المحافظ والعنصري حتى (اليهود هم أعجوبة!) للمظاهرة قد غاب عن أعينهم. عدا عن هؤلاء، فإن غالبية المتظاهرين هم من جاؤوا ليدعموا جانتس ولابيد. هؤلاء لا يعنيهم السلام ولا الديمقراطية حقاً انما تنحية نتنياهو عن العرش (من الممكن تفهمهم بهذا الشأن!) واستبدال طاغية بقائد أركان آخر. هم ليسوا معنيين بتغيير أي شيء للعمق، كتغيير طريقة الحكم او اقامة مجتمع عادل ومتساوي، “فقط ليس بيبي”، كما يقولون.  

نحن نعتقد بأنه حان الوقت لنرفع رؤوسنا وألا نكتفي بالفتات الذي يرميه قائدي الأركان على أشكالهم باتجاهنا، وعدم الاكتفاء بالقليل. اما أن نقوم بالأمور كما يجب واما ألا نقوم بها من أصله. لهذا، فقد اخترنا عدم المشاركة في المظاهرة: هذا دون أن ننوه الى صعوبة المشاركة في المظاهرة بساعة الافطار واقامة الصلاة ونحن في شهر رمضان. ولكن، كما قيل، فإن دولة إسرائيل هي أعجوبة! من نحن، عربية من يافا ويهودي عربي من رمات جان، لنشكو ونتذمر.

 

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.