مسيرة الشرموطات تلفظني من صفوفها

كتب الكثير في الشبكات حول الاسم الذي تم اختياره للمسيرة ولكن يبدو بأنه ما زال هناك عدم فهم عميق للإقصاء الذي ينتج عن اعتماد هذا الاسم الذي يتسبب بصدمة كبيرة للمجتمع العربي.
آيات ابو شميس

 

انطلقت “مسيرة الشرموطات” يوم الجمعة الأخير في القدس، كما ستنطلق يوم الجمعة القريب في دولة تل أبيب. وتنجح هذه المسيرة في اثارة الأصداء بالسنوات الأخيرة حيث يقوم الاعلام بتغطيتها وتجري نقاشات حثيثة في وسائل الاعلام الاجتماعية بفضلها. قبيل المسيرة، امتلأ ال”فيد” الخاص بي بمنشورات حول المسيرة ومشاركات من صفحة المسيرة التي امتلأت بالمعلومات والشرح المقدم بأربع لغات: العبرية، العربية، الانجليزية والروسية، مع العلم بأن هذا ليس بالأمر المفروغ منه في هذه الدولة. قد بدى جلياً بأن المنظمات يحاولن التوجه لأكبر عدد من النساء من مجتمعات وشرائح مختلفة.
الهدف المعلن للمسيرة هو التبرؤ بشكل علني من الخزي والشعور بالمسؤولية او بالأدق الذنب الذي يلقيه المجتمع على النساء المتضررات من عمليات الاغتصاب والاعتداء الجنسي. وتجري المسيرة في أماكن كثيرة في العالم منذ 2011، تحت عنوان slutwalk بالانجليزية، وقد انطلقت بداية، بشكل غير مفاجئ، اثر تصريحات لشرطي أمام جمهور من الطالبات في تورونتو. ففي كندا، كما في إسرائيل وفي كل مكان على ما يبدو، هناك ميول لالقاء اللوم او المسؤولية عن التحرش الجنسي على عاتق النساء المتضررات، من ضمن أمور أخرى، بسبب الملابس التي لبسنها عندما تم الاعتداء عليهن. في حينه، قالت منظمات المسيرة الاولى: “لقد ضاقت النساء ذرعاً بالقمع بسبب ال-slutshaming (نعتهن او التعامل معهن كزانيات): لقد ضقنا ذرعاً بالحكم علينا بحسب جنسانيتنا والشعور بعدم الأمان بسبب هذا الحكم”. انطلقت مسيرة الشرموطات الإسرائيلية الأولى بعد ذلك بعام في 2012، وهي تجري منذها في كل عام حتى أصبحت بمثابة حيز جماعي نسائي يمكن ويقوي ويعمل على قلب الموازين حتى.

الطريقة التي تجري فيها المسيرة تتجاهل المجتمع العربي، الثقافة السائدة فيه وعلاقات القوة التي نحاول قلبها. أنا أؤمن بأنه اذا ما أردنا تغيير الأمور فيجب القيام بذلك بصورة مراعية أكثر لا تتسبب بالنفور والصدمة.

تنشر في الصفحات المختلفة لميسرة الشرموطات (هناك صفحات لمسيرة حيفا، تل أبيب، بئر السبع والقدس) شهادات لنساء مررن باعتداء جنسي، وصور مؤلمة ومثيرة للانفعال لنساء يخلدن بواسطة اجسادهن لحظات من القوة والتحرر النسوي. نساء جريئات يشاركن قصصهن الشخصية، نساء يدعمن بعضهن البعض ويعززن القاعدة المشتركة والتحالف ضد الامتهان والقمع الذكوري. ورغم أن كل هذه النشاطات تثير الالهام وتبث الأمل إلا انني اواجه صعوبة مع هذه المسيرة.
كتب الكثير في الشبكات حول الاسم الذي تم اختياره- “مسيرة الشرموطات”- ولكن يبدو بأنه ما زال هناك عدم فهم عميق للإقصاء الذي ينتج عن اعتماد هذا الاسم فقط. تؤكد منظمات المسيرة في إسرائيل بأن الاختيار وقع على هذا الاسم لأن نعت “شرموطة” هو أفظع نعت يمكن أن يطلق على امرأة، وهي كلمة تقال لتشعرها بالخزي والمهانة ولكي يتم التحكم بها وتقييد خطواتها. كما توفر هذه الكلمة تبرير للاعتداء الجنسي، فإذا كنت شرموطة فإن ذلك يعني بأنك تستمعين بالجنس ولا يمكن أن تتحدثي عن الاعتداء الجنسي- اذا كنت بطبيعتك شرموطة وتمارسين الجنس بمتعة. هذا هو الادعاء السائد حول هذا التشويه وقذارته. عندما تقوم النساء المشاركات في السيرة بأخذ كلمة “شرموطة” وتطبيق ما يسمى reclaiming عليها، فإنهن يحاولن نخر قوتها والحد من مستوى تأثيرها السلبي على حياة النساء لأنهم يعدن لأنفسهن السيطرة على المعنى الذي تحمله. عليه، فإن هذه المسيرة تهدف الى اخراج السم من هذه الكلمة الفظيعة، وتطمح بأن يأتي اليوم الذي لا يستخدم فيه أحد هذه الكلمة بعد، وتحاول التوضيح لمن يحتاج الشرح بأنه ليس على النساء الاعتذار عن تصرفاتهن او طريقة لبسهن.
لا بد أن أعترف هنا بأنني امتعض من هذه الكلمة ولا أستخدمها بتاتاً. أنا أشعر، كفلسطينية، بأنه يتم استبعادي من هذه المسيرة على الرغم من النشر بالعربية، وبأن هذه المسيرة لا تخاطبني أنا وأخواتي وصديقاتي العربيات. كعربية، لا أستطيع المشاركة في مسيرة تحمل اسماً كهذا لأنه يحمل دلالات سلبية جداً جداً لدينا. هذه كلمة صعبة بدرجات وممكن أن تودي حتى بحياة النساء.
نحن، الفلسطينيات، لا نناضل في هذه المرحلة من أجل التحرر الجنسي. هذا امتياز غير متاح أمامنا. لم نصل الى هذا المكان بعد رغم أن فيلم “بر بحر” يظهر عربية عزباء تقيم علاقات مع رجال وعربية مثلية، وعلى الرغم من بطلة مسلسل |منى” المتحررة جنسياً. النساء ما زلن يقتلن على أمور أقل من ممارسة الجنس قبل الزواج. لهذا، فإن النضال على التحرر الجنسي لا يقف على رأس نضالاتنا، والطريقة التي تجري فيها المسيرة تتجاهل المجتمع العربي، الثقافة السائدة فيه وعلاقات القوة التي نحاول قلبها. أنا أؤمن بأنه اذا ما أردنا تغيير الأمور فيجب القيام بذلك بصورة مراعية أكثر لا تتسبب بالنفور والصدمة. أما مسيرة الشرموطات فتتسبب بصدمة غير بسيطة للمجتمع العربي. هناك الكثير من النساء الفلسطينيات اللواتي يشعرن بأنها كالصفعة المجلجلة التي توجهها لهن نساء يهوديات صاحبات امتيازات.

مسيرة الشرموطات في تل أبيب، 2018 (نقلاُ عن صفحة الفيسبوك الخاصة بمسيرة الشرموطات).

في العام الماضي، طرحت الموضوع بشكل جزئي أمام المنظمات وعرضت بالأساس الاشكالية التي يثيرها الاسم ودلالاته. ولم أكن الوحيدة على فكرة التي انخرطت في محاولة تفسير اشكالية الاسم. تجاهل الاحتجاج الذي يأتي من طرف نساء عربيات هو أشكالي هو الآخر وربما بدرجة أكبر. كانت هناك نساء شرقيات كذلك طرحن ادعاءات شبيهة ولكننا كنا أقلية، وعلى الرغم من النقاش العاصف فلم يكن هناك أي استعداد لتغيير اسم المسيرة.
لا بد أن أذكر بأنني يأعرف منظمات المسيرة وأقدر عملهن واخلاصهم للأهداف الهامة ولكن ليس بإمكاني الامتناع عن ابداء هذا النقد. أعتقد بأنه ما دامت المسيرة تجري بشكلها الحالي على الرغم من ادعاء نساء عربيات وشرقيات بحزم بأن الاسم يحول دون مشاركتهن فإن لدينا كنسويات مشكلة كبيرة. هذا العام، تجري المسيرة في شهر رمضان، الأمر الذي يحول أصلاً دون مشاركة النساء المسلمات في المسيرة حتى ولو بشكل نظري. وربما يعود هذا لنفس المسألة: عدم وجود نساء مسلمات في قيادة هذه المبادرة غير المعدة من أجلهن على ما يبدو. هذه مسألة يجب أن تتغير.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.