رصاصة في الرأس؟ هوية المعتدي تحدد خطورة الجريمة(!)

يتضح بأن الأهم من خطورة الجريمة في إسرائيل هو هوية المعتدي. اذا كان المعتدي عربياً مثلاً بإمكانك بسهولة أن تخرج شعب إسرائيل مع لافتات الى الشوارع او تجعلهم يملؤون ساحات الفيسبوك بصرخات “بنت يهودية بعمر 7 سنوات اغتصبت، أوقفوا كل شيء في الحال!”. 
نتنئيل ازولاي 

 

في عالم سليم ومثالي لم تكن هوية المعتدي لتشكل فارقاً بالمرة ولم تكن لتلعب دوراً في تحديد مدى خطورة هذه الجريمة أو غيرها. فالاغتصاب هو اغتصاب والقتل هو قتل، وبشكل طبيعي نتوقع بأن يتم إظهار التعاطف مع من وقعوا ضحية جرائم من هذا النوع. 

لكن ليس هذا هو الحال في المجتمع الإسرائيلي. كما يبدو فإن خطورة الجريمة لدينا- إن كان الحديث عن اغتصاب، قتل أو اعتداء بالضرب المميت في وضح النهار بدون سبب- لا تأخذ بعين الاعتبار عندما نأتي لنحدد الى جانب أي طرف نقف ومدى التعاطف الذي نشعر به تجاه الضحية. ما يهم بحق ويثير الفضول هو ليس كذلك حجم الضرر الذي لحق بالضحية او في اي مستشفى انهت حياتها انما أولاً وقبل أي شيء آخر هو هوية المعتدي. اذا كان المعتدي عربياً مثلاً بإمكانك بسهولة أن تخرج شعب إسرائيل مع لافتات الى الشوارع او تجعلهم يملؤون ساحات الفيسبوك بصرخات “بنت يهودية بعمر 7 سنوات اغتصبت، أوقفوا كل شيء في الحال!”. 

فكل ما يحتاجه الأمر لإيقاف دوران العالم هو بأن يكون المجرم عربياً أو احد هؤلاء الذي يعتبرون من أدنى المخلوقات في السلسلة الغذائية. ولكن لحظة، ماذا يحصل عندما يكون المجرم مغني محبوب او جنرال منح 30 سنة من حياته من أجل حماية الوطن أو مجرد شرطي في شرطة إسرائيل؟ في هذه الحالة، من الأفضل إدخال الامل الى آلة اتلاف الورق الماضية حيث تلقى الكثير من الملفات حتفها بسبب “عدم وجود أدلة” أو عدم وجود “مصلحة للجمهور” وفق النيابة. الجمهور لا يعنيه إن اغتصبت او إن قتل أحد أفراد عائلتك، ما يهمه أكثر هو من القاتل وما هي هويته، وهذا يلعب دور كبير في المعادلة. أي بأن الضغط على الزناد، مهما كان سهلاً، غير مهم بتاتاً، المهم من ضغط على الزناد ومن كان هدف الرصاصة، وتبعاً لذلك يحدد مستوى التعاطف الجماهيري مع الضحية المناوبة. 

لا وقت ولا مصلحة لدى غالبية الجمهور في إسرائيل الفتاكة للتعامل مع الحقيقة المرة- بأننا جميعنا نعيش في مجتمع عنصري جداً يفترض بأن هناك أناس لهم قيمة وأناس حياتهم أقل قيمة. 

هكذا على سبيل المثال، عندما تحرك يونتان هيلو الذي كان ضحية اغتصابات مستمرة لحماية نفسه، تم الالقاء به في السجن. لون بشرته لم يكن في صالحه. كذلك دلال داوود، المرأة العربية التي لم تسعفها عشرات الشكاوى التي تقدمت بها للسلطات حول العنف الذي لقيته من زوجها، والتي القي بها هي الأخرى في السجن مدة 18 عاماً، وقد أطلق سراحها مؤخراً فقط بفضل حملة جماهيرية ناجحة. 

في إسرائيل 2019، هناك درجات ضريبية مختلفة للجريمة وهي تحدد بحسب رأس مال المجرم. في هذه الحالة فإن رأس المال هو العرق ولون البشرة. وكما في سلطة الضرائب كذلك في السلطة القضائية- الأفضل يحصلون على تسهيلات ضريبية والأدنى في السلسلة الغذائية يدفعون الحد الأقصى من الضرائب. هكذا تسري الأمور في الحالة العسكية كذلك ليس فقط عندما يكون المجرم محظوظاً او متدنياً بل كذلك عندما تتمتع الضحية بمرتبة عالية في السلسلة الغذائية.  

بإمكاننا النظر إلى أكثر الحالات تطرفاً- عندما يطلق الشرطيون النار بسهولة لا تطاق باتجاه أشخاص ذوي بشرة غامقة أي- هؤلاء المتواجدين في المرتبات الدنيا من السلسلة الغذائية. اذا حصل وألح الجمهور على التدقيق في حيثيات القضية، يكون ذلك فقط على أمل بأن يتضح بأن اليد لم تكن سهلة على الزناد وبألا ينكشف على الملأ واقع السلسلة الغذائية العبثية المر. فلا وقت ولا مصلحة لدى غالبية الجمهور في إسرائيل الفتاكة للتعامل مع الحقيقة المرة- بأننا جميعنا نعيش في مجتمع عنصري جداً يفترض بأن هناك أناس لهم قيمة وأناس حياتهم أقل قيمة. 

على العكس من ذلك تأتي الحالات التي يتمتع فيها المتهمون بمرتبة عالية في السلسلة الغذائية. خذوا مثلاً العميد اوفك بوخاريس. كل هؤلاء الذين صرخوا “بنت يهودية بعمر 7 سنوات اغتصبت” وأظهروا اطلاعاً قانونياً واسعاً وجرأة نسوية لامتناهية لم تعنيهم بالمرة خطورة حالة بوخاريس واستغلال سلطة الرئيس على المرؤوس والتحرشات الجنسية في اطار الجيش. فجأة وجد هؤلاء تفسيراً لكل تفصيل وتفصيل في القصة- فالمتهم هو ضابط بالجيش، “ابن ناس”، منح 30 سنة من عمره لحماية الوطن. طبعاً لو كان بوخاريس عربياً لحصلت الضحايا على دعم منقطع النظير وامتلأ الفيسبوك ب”جندية يهودية تعرضت لتحرش جنسي، أوقفوا كل شيء في الحال!”.  

العالم لم يتوقف من ناحية الجمهور الإسرائيلي كذلك في قضية المغني ايال جولان. أعضاء لجنة بنت السبعة أعوام اليهودية تفرغوا الآن لإجراء نقاش نظري حول سؤال اخلاقية تقاسم بنات الأربعة عشر عاماً مع آبائهم. لو كان جولان اثيوبياً أو عربياً أو حتى مثلياً لوقف الجمهور على رجليه الخلفيتين منذ مدة، ولكنه محظوظ. كل ما تحتاجونه اليوم لاثارة التعاطف وسط شريحة كبيرة من الجمهور الإسرائيلي، هذا ان وقعتم ضحية لجريمة، هو ليس خطورة ما تعرضتم له انما هوية المعتدي. وعليكم أن تفهموا شيئاً او اثنين عن هذه المسألة: مكانة المعتدي في هذه السلسة الغذائية العبثية مهم بدرجة كبيرة وهي يحدد حجم التعاطف الذي ستحصلون عليه من قبل السلطات أو الجمهور. 

الحقيقة بأن اليد سهلة على الزناد عندما يكون الحديث عن أناس تعتبر حياتهم أقل قيمة. ولكن دعوهم يكذبوا فأهم شيء بألا تفضح الحقيقة.

حتى هذه الساعة لم أصادف أحداً في الجمهور الإسرائيلي يطالب بإيقاف كل شيء اثر وفاة سلومون تكا، الشاب الأثيوبي ابن ال- 19 عام الذي قتل في الأمس (30.6) بيد شرطي. في المقابل، تطالب الكثير من الأصوات بانتظار تحقيق الشرطة لتحدد ان كان تصرف الشرطي في مكانه. فببساطة هناك قتل مقبول وقتل غير مقبول. هذا ما يحصل عندما تكون الأخلاق معفنة ولا يعمل القلب. الفيسبوك مليء بتعقيبات بما معناه “تمهلوا قبل أن تتهموا الشرطي، ربما شعر بخطر ولهذا أطلق النار؟”.  فهناك أناس تعتبر حياتهم أقل قيمة، مثل يهودا بيادجه رحمه الله الذي قتل رمياً بالرصاص في بات يام في كانون ثاني هذا العام والذي اغلق الملف في قضيته ضد الشرطي القاتل، يوسف سلامسا رحمه الله، وافرا منجيستو المفقود حتى اليوم أمد الله بعمره. 

لا يوجد من يصرخ ويقول بأن قيام شرطي باطلاق النار على ولد غير مسلح ابن 19 عام يجب ألا يكون منطقياً في أي مكان (كذلك خلف الجدار). اذا اتضح بأنه لم يكن هناك تبرير لاطلاق النار سيختفي هؤلاء ويعودوا الى جحورهم تماماً كما حدث عندما أطلق سراح المتهم العربي في قضية اغتصاب بنت السبعة أعوام. ضحايا الاغتصاب والقتل لا تعنيهم بشكل خاص، ما يعنيهم هي هوية المتهم. صالحون بين الأمم. 

هؤلاء هم الناس الذين سيوقفوا العالم من أجلكم اذا كان المعتدي عليكم عربياً أو اذا كانت الضحية يهودية. أما اذا اخترقت رأسكم رصاصة من شرطي أو مغني أو اذا تحسس مقدم تلفزيوني او ضابط صدركم- فانسوا الأمر. الحقيقة بأن اليد سهلة على الزناد عندما يكون الحديث عن أناس تعتبر حياتهم أقل قيمة. ولكن دعوهم يكذبوا فأهم شيء بألا تفضح الحقيقة. بإمكاننا أن نلخص ذلك بكلمات بيرخت: “من لا يرى الحقيقة هو مجرد أحمق. ولكن من يرى الحقيقة ومع ذلك يسميها كذباً- فهو مجرم”. 

المغدور سلومون تكا قتل رمياً بالرصاص من قبل شرطي وهو في ال-19 من عمره.
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.