لا يمكنكم محو التاريخ

تعمل دولة إسرائيل بشكل فعال و”مَحْسوب” على تشكيل وجهات النظر من خلال الرقابة، المحو، وإعادة كتابة التاريخ وتغييره. علينا الاستمرار في التفتيش عن المواد المخبأة في الأرشيفات والنضال من أجل كشفها على الملأ.
رونا سيلع

دعوني أستهل كتابتي بقصة حصلت معي. كنت قبل حوالي عشر سنوات على اتصال بصحافي يعمل في إحدى الصحف الناقدة في إسرائيل. كان من المقرر أن ينشر مقالا عن افتتاح معرض بإشرافي في “منشار للفنون” ونشر كتابي “لمُعاينة الجُمهور – الفلسطينيّون في الأرشيفات العسكريّة الإسرائيليّة”. تناول كل من المعرض والكتاب قضيتين رئيسيتين: الأولى، طريقة جمع الأنظمة العسكرية في إسرائيل لمعلومات عن الفلسطينيين والتي تشمل النهب والغنائم الفلسطينية طوال القرن العشرين بالإضافة إلى جمع معلومات استخبارية عن الفلسطينيين قبل عام 1948 بهدف الاحتلال والسيطرة المستقبلية على السكان. والثانية هي إدارة المواد الفلسطينية – أو المهمة للفلسطينيين – في الأرشيف الإسرائيلي بما يشمل الرقابة، تقييد إتاحة الوصول أو إخفاء المواد، التصنيف، تغيير وإعادة كتابة مغرضة والتمييز بين “باحثينا” الذين يروون القصة الإسرائيلية وبين الباحثين الآخرين.

مثلا، بعد النضال القانوني الذي قمت به – الذي استمر أكثر من عشر سنوات – ضد أرشيف الجيش وجهاز الأمن من أجل فتح الأرشيف المنهوب من بيروت في العام 1982، وبعد أن أنكروا وجود المواد لديهم لعدة سنوات، تم فتح المواد للمعاينة. خلال هذا النضال، وفي إحدى الرسائل التي تلقيتها من نائب المستشار القانوني لجهاز الأمن في تشرين الأول 2008 (أنظر أدناه) كتب أن المادة “محظورة” بموجب القانون الإسرائيلي، وبالتالي “لسنا مخولين لإتاحة المواد للمراجعة العامة في هذه المرحلة.” لقد سعى الكتاب والمعرض إلى الطعن في ذلك وفتح “المعاينة العامة” لما تقوم الدولة بإغلاقه، حيث أنهما موثقفان لنضالاتي المستمرة ضد الأرشيفات لفتح المواد مع التحليل لآليات المحو المختلفة التي تقوم بها. لم ينشَر المقال في الصحيفة بتاتا. بعد شهرين ومحاولات لا حصر لها للوصول إلى الصحافي نفسه، أبلغت أن المقال قد حذف.

“مواد محظورة”, 2008

تعطينا هذه القصة لمحة ما عن التغييرات الحاصلة في السنوات العشر الأخيرة. من قبل نشر “لمعاينة الجمهور” (2009)، قدمَت الالتماسات (مثل التماس غيرشوم غورنبرغ وجمعية حقوق المواطن في العام 2005 بشأن الوثائق المتعلقة بالمستوطنات اليهودية في يهودا والسامرة وقطاع غزة بين عامي 1967 – 1977)، ونشرت مقالات أخرى كتبها باحثون وباحثات (مثل “صمت الأرشيفات” ليوسي بن آرتسي (2011)، في العام 2017 صدر فيلمي Looted and Hidden الذي تناول هذا الموضوع (بالإضافة إلى مواضيع أخرى) وقد انضم للنضال من أجل فتح مواد الأرشيف “عكيفوت” – معهد لبحث الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الذي يقوم بالتوثيق، البحث والنهوض بحقوق الإنسان.

دعيت قبل أسبوعين إلى حلقة نقاش استضافها معهد “عكيفوت” في مؤسسة روزا لوكسمبورغ في تل أبيب تحت عنوان “الملماب (المسؤول عن الأمن في جهاز الأمن) في الأرشيف: حلقة نقاش عن أعمال الملباب لإخفاء الوثائق التاريخية” حول إخفاء المعلومات من قبل جهاز الأمن. تم تنظيم حلقة النقاش في أعقاب مقال هجار شيزاف في ملحق “هآرتس”، والذي حقق في إخفاء وزارة الأمن للأدلة على النكبة من أرشيفاتها. طرح المقال – الذي حظي بصدى كبير – الخطاب العام فيما يخص هذا الموضوع المهم مجددا. ناقش المتحدثون الآلية والجوانب التقنية والقانونية للحذف – مسألة مهمة للغاية في حد ذاتها – لكنهم لم يتحدثوا عن الجوانب الأكثر أهمية التي تعكسها هذه الظاهرة، وهي الطريقة “المحسوبة”، الواعية والمركبة التي تسعى بها الدولة للسيطرة على تشكيل وعي وإدراك مواطنيها.

تقوم دولة إسرائيل بالكثير لتحسم كيفية تسجيل التاريخ، وهي تسيطر (أو تحاول أن تسيطر) لذلك على حيزات كثيرة: أرشيفية، إعلامية، تربوية، اقتصادية، قانونية ثقافية وغيرها. تتعاون المؤسسات اليهودية من قبل قيام الدولة، مؤسسات الدولة فيما بعد، بالإضافة إلى عملاء مستقلين وغيرهم، مع آليات المحو والصمت وتعمل لدعم الرواية الإسرائيلية الرسمية بواسطة محو وإعادة كتابة كل ما لا يتماشى معها أو ما يتماشى مع كتابة التاريخ الفلسطيني.

مثلا، فإن صور خليل رصاص، أحد آباء الصحافة الفلسطينية المصورة، التي نهبت من الاستوديو الخاص به على يد ضابط إسرائيلي، مصنّفة في الأرشيف بشكل محرّف تحت اصطلاحات صهيونية، هي عكس عالم مفاهيم المصور نفسه. وثّق رصاص نضال المقاتلين الفلسطينيين قبل عام 1948 ورافق كذلك قوات عبد القادر الحسيني. يطلق على هؤلاء في الأرشيف الإسرائيلي اسم “أعضاء العصابات” بشكل يهدف إلى بناء صورة سلبية وشيطانية للمقاتلين الفلسطينيين عن طريق طمس هويتهم وما سعى المصور لإظهاره من خلال تصويرهم – المدافعون عن بيوتهم، أرضهم والحق في العيش في وطنهم.

رافق رصاص قوات عبد القادر الحسيني الذين أطلق عليهم في الأرشيف اسم “أعضاء االعصابات”، لإظهارهم بصورة شيطانية

يتناقض هذا الاصطلاح حتى مع تعريف منظمات المقاتلين اليهود الذين أطلق عليهم في ذلك الحين: “التنظيمات السرية”. يمجد الاصطلاح “تنظيم سري”، بمشتقاته، المقاتلين الذين عملوا بظروف سرية وتخفٍ معرضين حياتهم للخطر، والذين لا يزالوا يحظون بتقدير كبير في المجتمع الإسرائيلي. كذلك، يتجاهل الأرشيف عمليات النهب ويوصفها على أنها “عثور”، كما لو أن الصور لم تنهب أثناء الحرب بل عثر عليها ببراءة. 

صورة منهوبة للخليل رصاص في أرشيف الهاجاناه. “أعضاء عصابة” مقابل “مقاتلي المنظمات السرية”

مثال آخر هو أرشيف بيت الشرق (Orient House). قابلت في نهاية سنوات التسعين فدوى شاهر، مديرة أرشيف التصوير في بيت الشرق. عملت شاهر في ذلك الوقت على إنشاء أرشيف صور فلسطيني يوثق الحياة الفلسطينية قبل عام 1948. في آب 2001، أغلقت الحكومة الإسرائيلية مؤسسات فلسطينية كثيرة في منطقة القدس، بما في ذلك بيت الشرق. نهبت قوات الأمن الإسرائيلية غنائم من من أرشيف الصور الذي عملت شاهر بجد لإنشائه، إلى جانب أرشيف المؤسسة بأكمله. في رسالة تلقيتها في العام 2008 من المحامية حموتال صباغ (ضابطة وحدة شكاوي الجمهور في شرطة إسرائيل في مكتب المفتش العام) بخصوص أرشيف بيت الشرق الذي تحتفظ به الشرطة الإسرائيلية، كتب: “بشكل عام، لا يحق للجمهور الاطلاع على هذه الوثائق”.

تعمل الدولة إذا بشكل فعال ومحسوب من أجل بناء وجهات النظر وطرق التفكير وبناء هوية جماعية، ليس فيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني فحسب، بل كذلك فيما يتعلق باختفاء ممتلكات المهاجرين اليمنيين، إختطاف أطفال اليمن والبلقان، أو التمرد في وادي صليب. الأرشيفات هي مجرد قناة واحدة من بين مجموعة متنوعة من القنوات. من خلال التحكم والمراقبة والتأثير والإشراف على آليات بناء الوعي، تسعى الدولة إلى إعادة كتابة الماضي، بناء الأجندة، والتأثير سياسيًا وخلق وحدة الفكر، وكذلك بناء ميزة مستقبلية (في مفاوضات مستقبلية مع الفلسطينيين، مثلا). لكن المسؤول عن الرقابة وآليات كتابة التاريخ ينكر ذلك حتى يومنا هذا. رداً على رسالة مجموعة من منظمات المجتمع المدني، المؤرخين وموظفي الأرشيفات لوزير الأمن طالبت بوقف أنشطة الملماب في الأرشيفات فورا، قال رئيس الملماب السابق لصحيفة هآرتس فيما يتعلق بإخفاء وثائق النكبة: “لم نرغب في تشويه التاريخ”.

حتى إذا تم تدمير المواد نفسها أو وضعها وراء القضبان، وحتى إذا أنكرت الأرشيفات العسكرية أو المدنية وجودها، ستبقى هناك علامات تدل على أنها موجودة

أود أن أسلط الضوء على الحالة القاتمة التي وصفتها أعلاه من زاوية أكثر تفاؤلاً وأن أتحدث عما بعد. طرح هذا السؤال في حلقة النقاش في روزا لوكسمبورغ أيضا. لقد أوضحت في عملي أنه من المستحيل أن نمحو المحو وأن علامات أو آثار آلية الإخفاء لمحو المادة أو حرقها (انظر أدناه) ستظهر دائما. حتى إذا دمرت المواد نفسها أو وضعت وراء القضبان ولم يكن بالإمكان كشفها أو الاطلاع عليها، وحتى إذا أنكرت الأرشيفات العسكرية أو المدنية وجودها، ستبقى هناك علامات تدل على أنها موجودة في أيدي آلية الأرشيف الإسرائيلي أو في حوزته. بحسب تجربتي فإنه من الأسهل المحاربة من أجل فتح واكتشاف المواد عندما نعرف ما هو المخفي وما هو الموجود. يعني ذلك أن الصراع الأولي يدور حول الحصول على معلومات عما هو مخفي.

الصورة محفوظة في أرشيف الجيش الإسرائيلي. الصراع الأولي هو على الحصول على معلومات عما هو مخفي

كذلك، فهنالك حاجة لتطوير أنظمة بحثية تتجاوز آلية المحو والإخفاء القمعية التابعة للدولة. من غير الممكن مثلا، إسكات شهادات الجنود والضباط الذين شاركوا في أعمال الطرد، التطهير العرقي، السيطرة، القمع، انتهاكات حقوق الإنسان وغيرها من المظالم التي تخفيها الدولة حتى اليوم، بل ستبقى هذه على قيد الحياة طالما يعيش الناس وما دام هناك من يريد أن يسمَع ويُسمِع.

بكلمات أخرى – من غير الممكن أن تمحى المواد بشكل تام وشامل. حتى إذا بذلت الدولة جهودًا كبيرة لإخفاء ما هو غير مناسب لها (أو بلغة القانون الجاف “المعلومات التي قد تضر بالعلاقات الخارجية إذا تم الكشف عنها” (قانون حرية المعلومات، 1998 ، القسم 9، أ، 1)، فهي لن تتمكن من فعل ذلك.

ليس من الممكن إسكات شهادات الجنود والضباط الذين شاركوا في أعمال الطرد، التطهير العرقي، السيطرة، القمع، انتهاكات حقوق الإنسان التي تخفيها الدولة حتى اليوم

مثلا، كانت تلك شهادات الجنود الذين قابلتهم التي جعلت أرشيف الجيش يعترف في النهاية بأن الأرشيف المذكور أعلاه – الذي احتجزته إسرائيل في بيروت في عام 1982 والذي منعت فتحه “لاطلاع الجمهور” – كان بحوزتهم. أدت هذه الشهادات كذلك إلى إزالة الرقابة عن أجزاء منه. سمح باستخدام هذه المواد في البداية للمخرجين الذين يروون القصة الرسمية لإسرائيل والذين عرضوا بشكل متحيز في المسلسل “تكوما”. حذفت أسماء الفنانين في كل من المسلسل وأرشيف الجيش الإسرائيلي، قسم الثقافة والفن التابع لقسم الإعلام والتدريب الوطني في منظمة التحرير الفلسطينية، على الرغم من أن المعلومات تظهر في الأفلام نفسها. مثال آخر هو مشروع “نحو أرشيف مشترك” (إيال سيفان وذاكرات) الذي يعرض شهادات مصورة لمحاربين صهاينة من الـ 48، مثل بنيامين عيشت، وهو جندي في البلماح، والذي يروي قصة مجزرة في مسجد في اللد.

أدعو من هذا المنبر إلى الاستمرار في الكشف والنقاش اللذان تحولا في الآونة الأخيرة إلى عمل حقيقي وإلى تعزيز نظم العمل البديلة – الأرشيفية، البحوث الثقافية وغيرها – مما يتيح بناء بديل للخطاب الرسمي. ستكشف هذه الأنظمة البديلة معلومات قيمة في الماضي والحاضر والمستقبل وتكشف آليات انتهاكات حقوق الإنسان، المحي، أو السيطرة القمعية على المعلومات. أعتقد أن هذا دور كل من العاملين على تغيير الخطاب، السعي وراء المصالحة والاعتذار والتصليح وبناء الأساس لمستقبل مقبول.

د. رونا سيلع هي قيّمة وباحثة في التاريخ البصري الفلسطيني والإسرائيلي وآليات السيطرة الاستعمارية من الجوانب الثقافية، اللغوية والبصرية، بما في ذلك النهب، الغنائم والسيطرة على كتابة التاريخ – الرقابة، المحو، إعادة الكتابة والحد من إتاحة المواد الأرشيفية. نشر كتابها “لاطلاع الجمهور” (المدار للنشر، رام الله، 2018) باللغة العربية، بالإضافة إلى نسخة محدثة بالإنجليزية في هذه الأيام. 

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.