الوجه الثاني لعملة "مكافحة الجريمة"

علاج “القصور في عمل الشرطة” في البلدات العربية في إسرائيل هو أمر ضروري وملّح لكنه قد يخلق مشكلات ليست أقل خطورة
جاي بن بورات

لقد أصبحت الحاجة إلى تكثيف عمل الشرطة وإنفاذ القانون في البلدات العربية في إسرائيل محط إجماع في مواجهة موجة العنف المتصاعدة. يناقش “قصور عمل الشرطة” والحاجة إلى إنفاذ القانون بشكل متساوٍ كل من وزير الأمن الداخلي (جلعاد أردن)، الشرطة، السياسيون من اليمين ومن اليسار، الجمعيات والأكاديميين (من ضمنهم كاتب هذه السطور). ترغب الجماهير العربية – بمن فيهم القادة ورؤساء البلديات – التي يئست من العنف المستمر برؤية الشرطة تقوم بعملها وتوفر الأمن للمواطنين العرب كذلك. على الرغم من أن هذا الإجماع الشامل من جميع الأطراف يبعث الأمل والاعتراف بالحاجة إلى الأمن وفي مواجهة جرائم القتل وارتفاع معدل انتشار الأسلحة غير القانونية، فإن زيادة تواجد الشرطة في البلدات العربية هو أمر مرغوب فيه، ولكنه يثير أسئلة ومخاوف كثيرة.

حتى لو استبعدنا من النقاش مسألة دوافع السياسيين – مثل أردان – الذين قلما يعبرون عن اهتمامهم بالمواطنين العرب والتزامهم بالمساواة، لا تزال هناك أسئلة مهمة تتعلق بزيادة إنفاذ القانون. كما ذكرت أعلاه، فإن الحاجة إلى الحفاظ على الأمن والأمان هو أمر واضح ومفهوم ومطالبة المواطنين العرب بالتغيير هي شهادة قاطعة على الحاجة إلى التغيير والإصلاح. مع ذلك فإن التجربة في أماكن أخرى تستدعي سؤالين مثيرين للقلق: أولاً، هل من المهم إنتاج آليات مراقبة موازنة إلى جانب منح الصلاحيات والموارد للشرطة تحت شعار “مكافحة الجريمة”؟ وثانيا، هل يمكن وضع النقاش في إطار أسئلة حول كفاءة الشرطة أن يحوِّله عن أسئلة جوهرية أخرى تتعلق بعدم المساواة؟ أو، بكلمات أخرى، هل تتوفر (أو ينبغي أن تتوفر) للشرطة الأدوات اللازمة لمعالجة المشكلة؟

يبحث جيمس فورمان (.James Forman Jr) – بروفيسور للقانون في جامعة ييل ومحام سابق في مكتب محامي الدفاع العام في واشنطن – في كتابه الحائز على جائزة بوليتسر “Locking Up Our Own” دعم السود في الولايات المتحدة لزيادة إنفاذ القانون. يبدأ فورمان كتابه بقصة نموذجية عن فتى اسمه براندون، يَمثُل أمام القاضي بتهمة حيازة الأسلحة والمخدرات. فورمان، وهو محامي الفتى، يريد أن يمنحه فرصة أخرى. في ادعاءه، جلب فورمان رسائل من معلمي براندون ومدربه لكرة القدم ليثبت أن للفتى شخصية إيجابية وقدرة على تحسين تصرفاته وطريقه. لم يتأثر القاضي بادعاءات المحامي وحكم على براندون بالسجن لمدة ستة أشهر. “عندما وقفت إلى جانب عائلة الصبي”، يكتب فورمان، “لاحظت الواقع العنصري. لم يكن براندون والشبان الآخرين في الزنزانة السود الوحيدين هناك – جميع من كانوا في المحكمة كانوا من السود – وليس القاضي وحده. بل كذلك مسجل المحكمة والمدعي العام. كذلك الشرطي الذي اعتقل براندون كان أسودًا، ناهيك عن ضابط الشرطة ورئيس البلدية”.

لماذا يدعم الأمريكيون الأفارقة زيادة العقوبة؟ تساءل فورمان. يوافق 64% من السود في الولايات المتحدة (مقارنة بـ 73% من البيض) على أن “المحاكم ليست صارمة بما يكفي في معاقبة المجرمين”. قد تكون الرغبة في رؤية المجرمين وراء القضبان أمرا مفهوما، وهي تذكرنا حتى بالسيرورات الحاصلة لدينا، فقد أحدث العنف والجريمة الفوضى والدمار في المجتمعات السود في جميع أنحاء الولايات المتحدة، حتى أدى الشعور بانعدام الأمان إلى المطالبة المفهومة بتكثيف تواجد الشرطة في الشوارع. الغالبية العظمى من الضحايا هناك أيضا كانت من السود (ما يدعى Black on Black)، والغضب على مهربي المخدرات الذين اعتبروا مدمري المجتمع من الداخل، كان يتطلب إنفاذ القانون والعقوبة.

عندما تحدث الأمريكيون الأفارقة والسياسيين الداعمين للمساواة عن “القانون والنظام”، اعتبرت الشرطة الفعالة جزءًا من التغيير الاجتماعي والاقتصادي الأوسع نطاقًا ومعالجة المشاكل الجذرية، الفقر والتمييز. لكن استغلال القوة في الولايات المتحدة، خاصة – ولكن ليس حصرا – في ظل الحكومات الجمهورية، طالما كان في المقدمة. الحل لمشكلة الجريمة، كما أوضح الرئيس ريتشارد نيكسون (وكما يقتبسه فورمان في كتابه)، هو ليس رفع الميزانيات “لبرامج حكومية متنوعة لمكافحة الفقر”، إنما “إدانة المزيد من المجرمين”. وهكذا، وخلال وقت قصير أصبح الخطاب السياسي يصور أحياء السود كساحات قتال أملها الوحيد هو شرطة عنيفة، بينما همشت معظم البرامج والخطط الأخرى المبنية على الاستثمار في الموارد وتقليص عدم المساواة والتمييز. لسياسات الإنفاذ والعقاب تأثير دائم على الشباب السود الذين توقفهم الشرطة، تمارس ضدهم المزيد من العنف والذين تفوق احتمالات دخولهم للسجن عليها لدى الشباب البيض.

الحل لمشكلة الجريمة، كما أوضح الرئيس ريتشارد نيكسون، هو ليس رفع الميزانيات “لبرامج حكومية متنوعة لمكافحة الفقر”، إنما “إدانة المزيد من المجرمين”

المفارقة هي أن القادة والنشطاء الأمريكيون الأفارقة هم من شارك في العملية، وغالبًا ما اتخذوا قرارات استراتيجية دون أن يدركوا معناها. وهكذا، على سبيل المثال، نالت مكافحة المخدرات دعم السياسيين السود الذين رأوا الدمار الذي أحدثته المخدرات على المجتمع، دون التمييز بين المخدرات الخفيفة والثقيلة. لذلك، كما هو الحال اليوم، فإن سياسات التفتيش والاعتقالات متحيزة ضد السود، وقد أظهرت الأبحاث مرارًا وتكرارًا أنه من المرجح أن يتم القبض عليهم وإدانتهم وسجنهم بسبب جرائم المخدرات – رغم أن معدل استخدام المخدرات لدى السود ليس أعلى منه لدى البيض.

سجن في نيو أورلينز، 2012. تصوير: Bart Everson, cc by 2.0

تعتبر الأسلحة غير القانونية آفة يجب محاربتها دون رحمة، أكثر من المخدرات حتى. كما هو الحال في المدن العربية في إسرائيل، فإن معظم ضحايا الجرائم في أحياء السود الفقيرة في الولايات المتحدة كانوا من السود أنفسهم. وفي أمريكا كما في أمريكا، لم تكن العقوبة المفروضة على امتلاك أسلحة غير قانونية مصحوبة بأي قيود مفروضة على الأسلحة القانونية، وهكذا فإن غالبية المتعرضين للعقاب في هذه الحالة كانوا من الأمريكيون الأفارقة. النتيجة، كما يشير فورمان، هي أن العنف الذي ينطوي على استخدام الأسلحة النارية استمر في التوسع، في حين أن الذين أرسلوا إلى السجون لحيازتهم أسلحة نارية غالبا ما كانوا من السود.

إن تصوير المشكلة كجريمة يكمن حلها عن طريق ممارسة قوة الشرطة قد أسقط من الأجندا أسئلة إضافية، حلولا أخرى، والتزاما حقيقيا بالمساواة

خاض الأمريكيون الأفارقة صراعات مستمرة لدمجهم في الشرطة. كان هذا منطقي أيضًا: الرغبة في التأثير من الداخل وإحداث التغيير في السياسة العنصرية داخل الشرطة التي عارضت انضمام السود إلى صفوفها بشدة كانت تتطلب عزيمة وشجاعة كبيرتين. إن قتل المدنيين السود على أيدي أفراد الشرطة (ما أطلق عليه “شك منطقي” إذا كانت هناك حاجة لمبرر) زاد من الطلب لدمج شرطيين سود، الذين اعتقد داعمو هذه الخطوة أن سلوكهم سيكون مختلفًا عن زملائهم البيض وأنهم سيقللون من عنف الشرطة تجاه السود. نجحت هذه الخطوة في دمج رجال الشرطة السود، الذين لهم تمثيل في غالبية فروع الشرطة اليوم، لكنها فشلت في إحداث تأثير. تدل أبحاث مختلفة على أن رجال الشرطة السود لم يكونوا مختلفين كثيرا عن زملائهم البيض أو كانوا أكثر صرامة فيما يتعلق بمكافحة الجريمة السوداء. تبنى رجال الشرطة السود، بمن فيهم ذوي الرتب العالية، التوجه الصارم لمكافحة الجريمة.

كان مطلب ورغبة الأمريكيين الأفارقة في أن يكون عمل الشرطة صارما وفعالا نتيجة واقع عنيف وشعور بالعجز في مواجهة الجريمة المتزايدة. أما بالفعل، فقد أسفرت السياسات الصارمة، عن قصد وفي كثير من الأحيان عن غير قصد، عن نتيجة واضحة: عدد كبير من السجناء – غالبيتهم العظمى من السود – يدخلون ويخرجون من السجون مرارا وتكرار دون أمل. وفي الوقت نفسه، تضاءل العنف قليلاً فقط. الأهم من ذلك، إن تصوير المشكلة كجريمة يكمن حلها عن طريق ممارسة قوة الشرطة قد أسقط من الأجندا أسئلة إضافية، حلولا أخرى، والتزاما حقيقيا بالمساواة. هناك حاجة ماسة لعلاج مشكلة “القصور في عمل الشرطة” في البلدات العربية في إسرائيل، ولكن إذا لم يتم جنبًا إلى جنب مع تمدين الشرطة والإشراف عليها من ناحية، ومعالجة مشاكل المجتمع العربي العميقة، من ناحية أخرى، فقد نجد مشكلة جديدة بدلاً من أن نجد الحل. 

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.