الاقتصاد ما بعد النيو-ليبراليّة

يتحرّر الاقتصاد المعاصر، أخيرًا، من تقديسه الأعمى للسوق، ويقدّم عدّة أدوات يمكننا استخدامها لتحويل المجتمع إلى مجتمع أكثر احتواءً
سوريش نايدو، داني رودريك وغابرييل زوكمان

قامت مجموعة من الاقتصاديّين- شبكة خبراء الاقتصاد من أجل الازدهار الشامل(EfIP)- التي تضمّ محاضرين بارزين في مجال الاقتصاد، بتوجيه نقدٍ قاسٍ على المفهوم النيوليبراليّ التبسيطيّ والمسيء والمهيّمن منذ الثمانينات، والذي ساهمت المواقف النابعة منه الداعمة للسوق والرافضة للتدخّل الحكوميّ، ولرفع القيود، ولسيطرة الأسواق المالية على الاقتصاد، ولتدمير دولة الرفاه، وتفكيك مؤسسات سوق العمل، وتقليص الضرائب على الشركات، وللضرائب التدريجيّة، والسعي للعولمة المفرطة، كلها ساهمت في ازدياد اللامساواة وخلقت فوضى اجتماعيّة وسياسيّة عالميّة.

يقترح مؤلفو هذه الوثيقة، وهم أعضاء الشبكة الاقتصاديّون؛ سورش نايدو وداني رودريك وجابريئيل زوكمان، مفهومًا جديدًا للازدهار الاقتصاديّ-الازدهار الشامل، الذي لا تتجمّع ثماره عند أقلية صغيرة من الناس بل تصل إلى عموم المجتمع. تقدّم الوثيقة توصيات سياسيّة لتحقيق الازدهار الشامل في مختلف المجالات، من بينها: أسواق العمل، التمويل الجماهيريّ، الاقتصاد الدوليّ والرؤية الشاملة للسياسة الاقتصاديّة التي تشكّل بديلًا فعليًا لتطرّف السوق بحسب المفهوم النيوليبراليّ الذي يتمّ ربطه-من غير وجه حق- بمجال الاقتصاد.

*

يتّسم العصر الذي نعيش فيه بمستويات مذهلة من اللامساواة، إذ وصلت الفجوات في الدخل والثروة في الولايات المتّحدة إلى مستويات لم نشهدها منذ “العصر المذهّب”، وهو من أعلى المستويات في العالم المتقدّم، حيث يعاني الراتب المتوسّط للعمّال في الولايات المتّحدة من ركود طيلة خمسين سنة. مع مرور السنوات، من المتوقّع أن يقلّ عدد الأمريكيّون الشباب الذين يتحسّن حالهم عن حال ذويهم. لا تزال الفروق بالثروات والرفاه بين الأعراق المختلفة على حالها دون أي تغيير يذكر، كما انخفض معدّل الحياة المتوقّع في الولايات المتّحدة للسنة الثالثة على التوالي، ويبدو أنّ تخصيص الرعاية الصحيّة أمرٌ غير مجدٍ وغير عادل. يهدّد التطوّر في الأتمتة والرقمنة بحدوث اضّطرابات أكبر في سوق العمل في السنوات المقبلة، وتعرقل الكوارث التي يتسبّب بها التغيير المناخيّ الحياة اليوميّة.

نحن نؤمن أنّ هذه كلّها مشاكل قابلة للحلّ، وأنّه بإمكاننا، على الأقلّ، إحراز تقدّم كبير فيها. ولكن، من أجل تناول هذه المشاكل، علينا أن نناقش بشكلٍ عام وواسع وعميق أفكارًا جديدة حول السياسات. تقع على عاتق الاختصاصيّين في العلوم الاجتماعيّة مسؤوليّة المشاركة في هذا النقاش، وهناك دور لا غنى عنه لخبراء الاقتصاد، وخصوصًا أولئك الذين يعملون في مراكز أكاديميّة رائدة في الولايات المتّحدة. لقد بدأ خبراء الاقتصاد بالفعل بأخذ الدور المتوقّع منهم، فالاقتصاد في حالة حراك خلّاق، عادةً ما يكون غير مرئيّ من الخارج. وفي الوقت الذي تتعارض فيه عادةً سوسيولوجيّة المهنة مع الانخراط بعالم السياسات، كالحوافز المهنيّة وقواعد العمل وأنماط التنشئة، وخصوصًا في حالة خبراء الاقتصاد الأكاديميّين الأصغر سنًا، إلا أنّ إحساسًا بالمسؤوليّة الجماعيّة يشدّهم لخوض غمار هذه المسألة.

تملك الأدوات الاقتصاديّة أهميّة بالغة في تطوير الإطار السياساتيّ الذي نسمّيه: “الازدهار الشامل”. ففي حين كان الازدهار دومًا هو الشغل الشاغل لخبراء الاقتصاد، إلا أنّه كي يكون هذا الازدهار “شاملاً” يتطلّب الأمر أخذ أمرين بعين الاعتبار: توزيع كامل المخرجات، وليس أخذ المعدّل فقط بعين الاعتبار (“الطبقة الوسطى”)، وكذلك أخذ الازدهار البشريّ بمفهومه الواسع، أي بمفهوم يشمل الموارد غير الماليّة للازدهار، مثل الصحّة والتغيير المناخيّ والحقوق السياسيّة. بهدف تحسين جودة النقاش العام حول الازدهار الشامل، قمنا بتنظيم مجموعة من الخبراء الاقتصاديّين، شبكة خبراء الاقتصاد من أجل الازدهار الشامل (EfIP)، من أجل تقديم توصيات سياساتيّة حول مجموعة متنوّعة وواسعة من المواضيع، تشمل أسواق العمل والتمويل العام والتجارة العالميّة والشؤون الماليّة. لا يقتصر هدف هذه المجموعة الناشئة على تقديم قائمة بوصفات لمجالات سياساتيّة مختلفة، إنّما تهدف أيضًا إلى توفير رؤية عامّة لسياسات اقتصاديّة يمكنها أن تكون بديلاً أصليًا للأصوليّة في السوق، والتي يتم إيعازها في كثير من الأحيان، بشكلٍ خاطئ، للاقتصاد.

لقد رأينا بأمّ عيننا قوّة هذا التطابق في بداية عام 2018، عند اشتراك ثلاثة منّا في ورشة حول “تفكير جديد ما بعد النيو-ليبراليّة”. أجمع المشاركون في الورشة، من مؤرّخين وخبراء في العلوم السياسيّة وعلم الاجتماع والقانون والاقتصاد، أنّ إطار السياسة النيو-ليبراليّة قد أفشل المجتمع، ونتجت عنه لامساواة هائلة وآخذة في الازدياد. لقد شعرنا جميعًا بالرعب بشأن التحوّل غير الليبراليّ والأصوليّ في السياسة الأمريكيّة، والذي تغذّيه جزئيًّا هذه الفجوات الاجتماعيّة. لقد كان هناك إجماع حول حاجتنا لبديل حقيقيّ، أي، إلى مجموعة من السياسات الناجعة والشاملة في آن واحد، والتي تستجيب لمظالم شرعيّة دون أن تعمّق الانقسامات المجتمعيّة.

على الرغم من أنّنا نتبنّى هذه الأهداف بشكلٍ كامل، إلا أنّنا وجدنا أنفسنا في موقف الدفاع. يعتبر الكثيرون أنّ التحوّل نحو النيو-ليبراليّة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأفكار الاقتصاديّة. لقد كان خبراء اقتصاديّون بارزون، مثل فريدريش فون هايك وميلطون فريدمان، من بين مؤسّسي جماعة “مونت بيليرين”، وهي مجموعة مؤثّرة من المثقّفين، كان لمناصرتها للأسواق ومعارضتها للتدخّلات الحكوميّة تأثير كبير على إعادة تصميم المشهد السياساتيّ بعد عام 1980. تبدو ممارسات مختلفة مثل إزالة القيود الإجرائيّة، والتمويل، وتفكيك دولة الرفاه، وإلغاء مأسسة سوق العمل، وتخفيف ضرائب الشركات، والضرائب التدريجيّة، والسعي نحو عولمة مفرطة- المتّهمة الرئيسيّة بارتفاع نسبة اللامساواة- أنّها جميعها ممارسات متجذّرة في العقيدة الاقتصاديّة التقليديّة، كما يبدو أنّ تركيز الاقتصاد على الأسواق والحوافز، والفردانيّة المنهجيّة والصوريّة الحسابيّة هو الذي يقف حاجزًا أمام الإصلاح الاقتصاديّ والاجتماعيّ الجدّي على نطاق أوسع. باختصار، تبدو النيو-ليبراليّة مجرّد اسم مرادف للاقتصاد.

نتيجة لذلك، ينظر الكثيرون إلى المنهج الاقتصاديّ نظرة عدائيّة مطلقة، فهم يؤمنون أنّه يجب إصلاح تعليم وممارسة الاقتصاد بشكلٍ جذريّ كي تحوّل المنهج الاقتصاديّ إلى قوّة بنّاءة. بالفعل، هناك أسباب شرعيّة للاستياء من طريقة ممارسة وتعليم الاقتصاد بشكلٍ عام، فقد احتكرت مؤسّسات وهيئات بحثيّة محافِظة راية الاقتصاد في الدوائر السياساتيّة، ودفعت الرؤية التي تقول بأنّ هناك مفاضلة حادّة ما بين النجاعة والجودة، ولذلك يجب إعطاء الأولويّة للنموّ الاقتصاديّ. ينهي الطلّاب في كثير من الأحيان مساقات المدخل في الاقتصاد معتقدين أن “الأسواق تعمل دائمًا”، ويميل المحافظون إلى استغلال “الاقتصاد” كمبرّر لسياساتهم المفضّلة، في حين يُنظر إلى الليبراليّين على أنّهم غير حسّاسين لمتطلّبات الازدهار.

ردّنا مختلف كلّيًّا.  لم تحصل الكثير من الأفكار السياساتيّة المهيمنة في العقود الأخيرة لا على دعم المنهج الاقتصاديّ المتين ولا على دعم الأدلّة المثبتة. ليست النيو-ليبراليّة- أو أصوليّة السوق، أو تقديس السوق وما إلى ذلك- تطبيقًا متّسقًا للاقتصاد المعاصر، وإنّما هي تشويه بدائيّ ومبسّط له. الاقتصاد المعاصر مليء بالأفكار الجديدة لإنشاء مجتمع أكثر احتواءً، ولكن، تقع على عاتقنا، كخبراء اقتصاد، مسؤوليّة إقناع جمهورنا بحيثيات هذه الادّعاءات، وهذا هو سبب انطلاقنا في هذا المشروع. لقد قمنا بتخطيط مجموعة من الملخّصات السياساتيّة (النُسخ الكاملة متوفّرة هنا)، والتي نأمل أن تُحفّز وتسرّع مشاركة خبراء الاقتصاد الأكاديميّين بأفكارهم الإبداعيّة لتحقيق رفاهيّة شاملة.

*

ولكن، وقبل أن نبدأ بطرح المقترحات السياساتيّة، علينا أولاً تناول موضوع كيفيّة إقناع غير الاقتصاديّين بأنّ الاقتصاد هو جزءّ من الحل، وقد أصبح الحديث عن سبب سوء فهم ما هو الاقتصاد، وما هو دور خبراء الاقتصاد، من عادات الاقتصاديّين، وخصوصًا عند مشاركتهم في النقاشات العامّة.

يدرس خبراء الاقتصاد الأسواق (من بين أمور أخرى)، ونشعر، طبعًا، بالفخر عندما نقوم بشرح طريقة عمل الأسواق لمن يفتقر إلى المعرفة التي نختص بها. الأسواق التي تعمل بشكل جيّد، هي الأسواق التي تُجيد جمع البيانات وتخصيص الموارد الشحيحة. إنّ مبدأ الأفضليّة المقارنة، والذي يكمن من وراء التجارة الحرّة، هو أحد أبرز مبادئ المهنة، لسببين: لأنّه يفسّر جوانب مهمّة في الاقتصاد العالميّ، ولأنه، ظاهريًّا، مبدأ غير فطريّ إلى حدٍ كبير. كذلك، يؤمن خبراء الاقتصاد بقوّة الحوافز، ولدينا أدلّة بأن الناس يستجيبون للحوافز، كما أنّنا شاهدنا فشل عدد هائل من البرامج، كانت لديها نوايا حسنة، لكنّها لم تنتبه للطرق الإبداعيّة التي يتصرّف بها الناس من أجل تحقيق أهدافهم الخاصّة بالقدر الكافي.

مع ذلك، يعتقد عدد كبير من خبراء الاقتصاد بأنّ أدواتهم الكميّة وعدساتهم النظريّة هي الأدوات والعدسات الوحيدة التي يمكن اعتبارها “علميّة”، ممّا يدفعهم إلى استبعاد تخصّصات تعتمد بشكلٍ أكبر على التحليل النوعيّ والتنظير الكلاميّ. حتّى عندما يدرك بعض الخبراء الاقتصاديّين إخفاقات السوق، فهم يخشون من أن تؤدّي الإجراءات الحكوميّة إلى جعل الأمور أكثر سوءًا، ويكنسون الكثير من التحذيرات المتّبعة في المجال تحت السجّادة. لذلك يتم اعتبار خبراء الاقتصاد من أكثر مشجّعي الأسواق الحرّة والعولمة المفرطة.

يغرق خبراء الاقتصاد في كثير من الأحيان بحُبّ النماذج التي تركّز على مجموعة ضيّقة من المواضيع، وفي تحديد حلول تتّبع نظريّة أوّل-أفضل (first-best) في مجالات محصورة، على حساب تعقيدات محتملة وإسقاطات معاكسة. على سبيل المثال، قد يحلّل خبير في النمو الاقتصاديّ السياسات التي تعزّز التكنولوجيا والابتكار دون أن يأخذ عواقبها على سوق العمل. أمّا خبير الاقتصاد المتخصّص بالتجارة، قد يوصي بتخفيض التعريفات الجمركيّة، ويفترض بأنّه تقع مسؤوليّة إنشاء آليّات لتعويض الأشخاص الذين يخسرون عملهم على أشخاص آخرين. أمّا الخبير الماليّ، سوف يصمّم إجراءات تضمن حماية البنوك، دون أن يأخذ بعين الاعتبار تفاعل هذه الإجراءات مع الدوائر العامّة للاقتصاد. تعكس العديد من الإخفاقات في السياسات، ككثرة إلغاء الإجراءات والعولمة المفرطة والتخفيضات الضريبيّة والصرامة الماليّة، منطق نظريّة أوّل-أفضل. يتعيّن على خبراء الاقتصاد، كي يكونوا مفيدين في النقاش الدائر حول السياسات الحقيقيّة، أن يقيّموا هذه السياسات بموجب مجمل السياقات التي سيتم تطبيقها فيها، كما يتحتّم عليهم فحص مدى صلابة هذه السياسات في الكيانات المؤسّساتيّة المحتملة، وفي الأحداث السياسيّة الطارئة.

ولكن، إن وضعنا هذه العادات السيّئة جانبًا، نرى بأنّ الاقتصاد المعاصر ليس قصيدة مدح للأسواق وللأنانيّة. يستغرق المساق النموذجيّ في الاقتصاد الجزئيّ وقتًا أكثر في التدريس حول إخفاقات السوق وكيفيّة إصلاح هذه الإخفاقات ممّا يستغرقه التدريس حول سِحر الأسواق التنافسيّة. يركّز المساق النموذجي ّفي الاقتصاد الكليّ على قدرة الحكومات على حل مشاكل البطالة والتضخّم الماليّ وانعدام الاستقرار، أكثر ممّا تركيزه على النماذج “الكلاسيكيّة” التي ترى بأنّ الاقتصاد يقوم بالتكيّف الذاتيّ. كما يتناول مساق الاقتصاد الماليّ النموذجيّ موضوع الأزمات الماليّة، والإفراط في اتّخاذ قرارات تحمّل المخاطرة وأعطال أخرى في المنظومة الاقتصاديّة. في الواقع، تقتصر هيمنة “نموذج التوازن التنافسيّ”، الذي بحسبه الأسواق الحرّة هي الأكثر نجاعة، حتّى إن لم تكن في صالح التوزيع العادل، على المساقات التمهيديّة في موضوع الاقتصاد. أمّا الاقتصاد الرصين (وهناك عدّة أنواع منه) فسرعان ما يبتعد عن هذا النموذج.

لا يزال خبراء الاقتصاد يميلون نحو الحلول السياساتيّة التي تعتمد على الأسواق، وغالبًا ما تركّز المقترحات السياساتيّة التي يتبنّاها خبراء الاقتصاد على معالجة إخفاقات عينيّة ودقيقة للسوق. على سبيل المثال، من الأرجح أن يدعم خبراء الاقتصاد رفع أسعار الكربون بشكل حاد لمعالجة قضيّة الاحتباس الحراريّ. إلا أن علم الاقتصاد لم ينتج من قبل استنتاجات سياساتيّة تم تحدّديها مسبقًا. في الواقع، فإنّ جميع التوقّعات والاستنتاجات في مجال الاقتصاد مشروطة: إذا تحقّقت الشروط x وy، فعندها سنحصل على النتيجة z، وغالبًا ما تكون الإجابة عن أي سؤال في مجال الاقتصاد هي: “هذا يعتمد على…”، يليها تفسير حول ما هو العامل الذي تعتمد عليه الإجابة، ولماذا تعتمد عليه. كتب خبير الاقتصاد كارلوس ف. دياز-أليخاندرو في عام 1975 في مجلّد تمّ تجميعه بعنوان “التجارة العالميّة والاقتصاد: جبهات للبحث” (International Trade and Finance: Frontiers for Research): “الآن، عندما يختار أيّ خرّيج ذكيّ فرضياته… بعناية، قد ينتج نموذجًا متّسقًا يخضع لأي من التوصيات السياساتيّة التي فضّلها في البداية”. لقد أصبح مجال الاقتصاد غنيًّا أكثر في العقود الأربعة الأخيرة، ويمكننا القول، بطرافة نوعًا ما، بأنّه خرّيج الاقتصاد لا يحتاج اليوم حتّى لأن يكون ذكيًّا!”.

علاوةً على ذلك، أصبحت البحوث في مجال الاقتصاد، منذ التسعينيّات، أكثر تطبيقيّةً وامبيريقيّةً. هذا الأمر مهمّ لأن الأدلّة الأمبيريقيّة المنهجيّة هي أداة بنيويّة ضد مقترحات السياسات الأيديولوجيّة. يصعّب التحوّل الإمبيريقيّ الأخير من عبادة الأسواق، لأنّه يصعّب من تجاهل الحقائق المزعجة. على سبيل المثال، وجدت نتائج إمبيريقيّة، مؤخّرًا، أنّ التجارة العالميّة تأتي بنتائج عكسيّة على بعض المجتمعات: الحدّ الأدنى من الأجور لا يقلّص البطالة، والليبراليّة الاقتصاديّة تسبّب الأزمات بدلاً من أنّ تسرّع النموّ الاقتصاديّ.

سوريش نايدو، داني رودريك وغابرييل زوكمان – EfIP

في طبيعة الحال، هناك مسلّمات في الاقتصاد، مثل أنّ الأسواق تعتمد على الحوافز، أو حقوق الملكيّة الواضحة، أو تطبيق العقود، أو الاستقرار الاقتصاديّ الكليّ، أو الإجراءات الاحتياطيةّ. ترتبط هذه المبادئ العليا بالنجاعة، وعادةً ما يُفترض أنّها تُفضي إلى أداء اقتصاديّ أكثر تفوّقًا. ولكن، تتوافق هذه المبادئ مع عدد لا نهائيّ من الترتيبات المؤسّساتيّة، بحيث ينتج عن كلّ ترتيب مخرجات توزيعيّة مختلفة، ومساهمة مختلفة للازدهار العامّ. بالتالي، تتطلّب الحلول إجراء تحليل مؤسّساتيّ مقارن للأداء الاقتصاديّ، وليس فقط شعارات رنّانة بأنّ “الأسواق تعمل”. توفّر النظرة التجريديّة لخبراء الاقتصاد، التي يدركون من خلالها الرزم المؤسّساتيّة المعقّدة، أدوات للمهنيّين تساعدهم على تصميم بدائل على نطاق واسع، بدءًا من فرض تعديلات دقيقة على قانون الضرائب، وحتّى تطوير رؤى كاملة لمجتمعات ما بعد الرأسماليّة.

لننظر حتّى إلى أبسط وضع اقتصاديّ في اقتصاد يشمل أسواقًا تنافسيّة جدًا. عندما يرسم خبير اقتصاد تخطيطًا للعرض والطلب على اللوح، قد لا تُدرج جميع المتطلّبات المؤسّساتيّة المسبقة التي تكمن من وراء الانحناءين في التخطيط. تملك الشركات حقوق ملكيّة لممتلكاتها، وباستطاعتها فرض اتفاقيّات على مزوّديها. لدى الشركات أيضًا مناليّة للائتمان، ويمكنها الاعتماد على البنى التحتيّة العامّة، كالمواصلات والكهرباء، كما أنّها محميّة من اللصوص والعصابات، ويتقبّل موظّفوها شروط التشغيل ويأتون إلى العمل يوميًّا.  لدى المستهلكين كل المعلومات التي هم بحاجة إليها من أجل اتّخاذ قرارات عقلانيّة، وهم واثقون بدرجة معقولة بأنّ الشركات لا تغشّهم. هناك وحدة قيمة ووسائل تبادل ثابتة لشراء وبيع البضائع.

من الواضح أنّ الأسواق تعتمد على مجموعة متنوّعة وواسعة من المؤسّسات، وهي، كما قد يعرّف كارل بولاني هذه الحالة، “مغروسة” داخل المؤسّسات. ولكن، كيف يجب أن تُصمّم هذه المؤسّسات؟ لنأخذ حقوق الملكيّة على سبيل المثال. بحسب “مقولة كواس” (Coase theorem)، إذا أردنا نجاعة أمر ما، فمسألة كيفيّة توزيع حقوق الملكيّة هي غير مهمّة، طالما كانت تكلفة التحويل هي صفر. ولكن، للتحذيرات دور مهم هنا: فتكلفة التحويل هي أمر مهم إلى حدٍّ كبير. إذًا، علينا اتّخاذ القرارات. هل يجب أن يكون العمل ملكيّة الشركة أم العامل أم دمج بين الإثنين؟ لربّما على الشركة نفسها أن تكون بملكيّة طرف ثالث- كيان حكوميّ محليّ على سبيل المثال- وأن تضمن ببساطة توافق الحوافز للمديرين وللعمّال. قد يبدو هذا أمرًا جنونيًّا لمعظم الأمريكيّين، ولكنّ الصين قد حقّقت نسبة غير مسبوقة من النموّ الاقتصاديّ نتيجة نظام حقوق ملكيّة كهذا. ربّما يجب أن يكون للمشغّلين حقوق ملكيّة (لفترة محدّدة) فقط على الأملاك الجديدة التي ينشئونها، بينما يوزّعون الأملاك الموجودة بين مُطالِبين آخرين. هذا أيضًا يبدو أمرًا جنونيًّا، إلّا إذا فهمنا أنّ هذا بالضّبط ما يقوم به نظام براءات الاختراع، حيث يمنح المبتكرين ملكيّة مؤقّتة على “حقوق فكريّة” جديدة. لربّما على الحكومة المحافظة على جزء من ملكيّة التكنولوجيا الجديدة باسم الجمهور العام، حيث تعتمد العديد من الابتكارات على البنى التحتيّة العامّة (البحث والتطوير العام (R&D) والإعانات والتعليم العالي والنظام القانونيّ إلخ…). يجب أن تأخذ القرارات بعين الاعتبار الاهتمامات التوزيعيّة، وأن تعتمد على أهدافنا النهائيّة وعلى ملاءمتها المحتملة مع السياق المحلّيّ.

بينما نتصدّى للواقع الجديد الذي أنشأته الرقمنة والديموغرافيّة، وأثرهما على أسواق العمل، يُصبح السؤال المتعلّق بتوزيع حقوق الملكيّة بين مختلف المُطالبين سؤالاً حارقًا. لا يوفّر الاقتصاد بالضرورة إجابات محدّدة على ذلك، ولا يوفّر موازين توزيعيّة ملائمة (كيف نزن العائدات على العمّال والموظّفين والحكومة، وما هي التقييدات الإجرائيّة والتقييدات الواجب اتخاذها؟)، ولكنّها توفّر الأدوات المطلوبة لوضع التداول، وبذلك تساهم في خلق نقاش ديمقراطيّ عامّ يستند إلى المعلومات.

يجتاح نفس النوع من اللاحتميّة المؤسّساتيّة كلّ مجالات السياسة. أيّ من مؤسّسات سوق العمل تقلّص انعدام الأمن الوظيفيّ دون تعريض فرص العمل للخطر؟ ما هي أفضل طريقة لتوفير الأمان الاجتماعيّ دون تعريض فرص العمل للخطر؟ كيف نوفّر حماية اجتماعيّة دون إضعاف الحوافز الاقتصاديّة؟ أي إجراءات ماليّة تضمن الاستقرار الاقتصاديّ دون كبح الابتكار المالي؟ ما هي أفضل القواعد النقديّة والماليّة التي تضمن الاقتصاد المفتوح؟ لا يوفّر الاقتصاد إجابات محدّدة لهذه الأسئلة. بدلاً من ذلك، يسلّط الضوء على التداعيات المحتملة للترتيبات المختلفة.

يوجد اليوم مجموعة متنوّعة من الترتيبات المؤسّساتيّة. على سبيل المثال، تختلف الترتيبات التي تهتم بالرفاه وسوق العمل في أماكن مختلفة من العالم المتقدّم اختلافًا كبيرًا. ولكن، لا يقتصر التنوّع المؤسّساتي الظاهريّ على الممارسات الحاليّة. بإمكاننا- وواجب علينا- أن نطوّر مؤسّسات جديدة. لا يضمن أيّ شيء في سياسة عدم التدخّل في الاقتصاد (laissez-faire) بأن يكون النموّ منصفًا أو مستدامًا، وعلينا تصميم سياسات ومؤسّسات تضمن استدامة الازدهار الشامل والعولمة من الناحية السياسيّة والاقتصاديّة. مع وجود آليّة نظريّة قويّة تسمح لخبراء الاقتصاد بالتفكير بمفاهيم مجرّدة حول هذه الأمور، يصبح خيالهم أمرًا حاسمًا لتنفيذ هذه المهمّة.

*

كلّ المشاركين في مشروع الازدهار الشامل، الذي نتناوله هنا، هم خبراء اقتصاد أكاديميّون مخضرمون يعملون في تخصصات فرعيّة مختلفة. عمل بعضهم في الحكومة، ولكن أغلبهم لم يقوموا بذلك في السابق. انشغل بعضهم في الكتابة بتوسّع لجمهور غير أكاديميّ، ومعظمهم لم يفعل ذلك. هم باحثون يؤمنون بأن المنح المتينة هي أمر لا غنى عنه للازدهار الشامل، وجميعهم خبراء اقتصاد يعملون في العالم الواقعيّ ويدركون بأنّنا نعيش في ثاني أفضل عالم تسود سوقه العيوب، وبأنّ السلطة بالغة الأهميّة من أجل تصميم مخرجات السوق.

في عالم من هذا القبيل، نادرًا ما يكون النموذج التنافسيّ هو علامة القياس الصحيحة لفهم المشاكل ولاقتراح الحلول. بدلاً من ذلك، علينا البحث عن نماذج بديلة. هذا يتطلّب أن يكون لدينا توجّهًا عمليًّا ورؤية تجريبيّة وجرعة كبيرة من التواضع لنعترف بحدود معرفتنا.

تعكس السياسات الجديدة المقترحة منطقًا اقتصاديًّا وأدلّة معاصرة لمختلف تجارب السوق الفاشلة، من التجارة العالميّة وحتّى التأمين أو الأسواق الماليّة أو أسواق العمل. نشعر من خلال هذه المقترحات السياساتيّة بأنّ الاقتصاد يعمل من خلال جبهة تسودها النجاعة القضائيّة، وبأنّ هناك سياسات عديدة تحاول دفعنا باتّجاه اقتصاد أخلاقيّ وهميّ أفضل، يمكنه أن يتحقّق دون التضحية بالازدهار الاقتصاديّ، أو حتّى يعد بتعزيز هذا الازدهار.

تتضمّن العديد من هذه المقترحات تدخّلات تعزّز النجاعة والمساواة في أسواق يُعرف عنها بأنّها مليئة بالمحاولات الفاشلة، على سبيل المثال، أسواق العمل والائتمان والتأمينات والابتكارات، في حين أنّ الأسس النظريّة لفشل تلك الأسواق في المجالات المذكورة سابقًا واضحة منذ وقت بعيد، وقد برزت الأهميّة الامبيريقيّة لهذا الفشل مؤخّرًا فقط.

في مجال الأسواق الماليّة، يشدّد كلّ من عنات أدماتي وعاطف ميان على المخاطرة البنيويّة التي تفرزها المنظومة الحاليّة. يناقش ميان دور اللامساواة، إلى جانب تدفّق الأموال من دول غنيّة بالنفط ومن آسيا في توليد “وفرة” في ادّخارات الولايات المتّحدة، ممّا يؤدّي إلى دفع نسبة الفائدة الحقيقيّة إلى الأسفل وزيادة المخاطرة البنيويّة. يظهر ميان أيضًا كيف أنّ اللامساواة تولّد عدم الاستقرار في الأسواق الماليّة، وكيف يتم إحباط التعاقدات الخاصّة المحافِظة والحذِرة بسبب عدم انتباه المتعهّدين إلى العوامل الخارجيّة، وبسبب هياكل بنيويّة وإجراءات ضريبيّة عينيّة (على سبيل المثال، موازنة المخاطر بحسب إطار بازل III). تظهر أدماتي من خلال استعراض القطاع المصرفيّ بأن البنوك معرّضة أكثر من باقي المؤسّسات الماليّة الأخرى للديون، ممّا يجعلها أكثر عُرضة للإفلاس وللتهديد على الاستقرار. يشير الكاتبان إلى عدّة خيارات إجرائيّة جيّدة، حيث يشدّد ميان على تسديد عقود الائتمان المنوطة بوضع الاقتصاد الحاليّ، بينما تفضّل أدماتي المتطلّبات الماليّة والإصلاحات الضريبيّة التي تجعل الديون تبدو أقلّ جاذبيّة.

تتحدّث بعض مقترحات السياسات بشكلٍ مباشر كيف يمكن زيادة حجم الحكومة بطريقة مستدامة تعزّز من الازدهار. يظهر مقترح دانييل زوكمان بطريقة عبقريّة طريقة للخروج من المنافسة الضريبيّة العالميّة، حيث لا تضطرّ الدول إلى التنافس على الاستثمارات المتعدّدة القوميّات من خلال خفض الضرائب للشركات. يقترح زوكمان فرض الضرائب على الشركات متعدّدة القوميّات من خلال تخصيص أرباحها العالميّة بما يتناسب مع المكان الذي تقوم بمبيعاتها فيه، ففي حين أنّه يمكن للشركات أن تنقل أرباحها أو إنتاجها بسهولة إلى مناطق تفرض ضرائب منخفضة، إلا أنّه من الصعب التلاعب مع المبيعات. يمكّن الإصلاح الذي يقترحه زوكمان من فرض الضرائب على المستفيدين من العولمة، وهي خطوة تبدو ضروريّة لاستدامة العولمة في المدى البعيد.

يستخدم كلّ من ساندرا بلاك وجيسي روطستين أفضل اقتصاد حديث لإعادة صياغة معاصِرة لفكرة قديمة: على الحكومة توفير مخرجات عامّة وتأمين اجتماعيّ. يخفّف التأمين الاجتماعيّ من الفشل المنتشر والمعروف لسوق التأمينات، وينعكس هذا من خلال تأمين البطالة والأمان الاجتماعيّ والتأمين الصحيّ. يتطلّب التعليم دعمًا حكوميًّا، وذلك لأنه عادةً ما يتعلّم الأطفال في المدارس قبل وصول أهاليهم إلى قمّة الدخل، ولأنّه لا يمكن للأهالي الحصول على قروض مقابل عائدات أبنائهم، كما تكون فوائد التعليم في المستقبل البعيد، وهي مربوطة بعوامل خارجيّة في مجالات الجريمة والمواطنة والابتكار. تدعم كلّ هذه العوامل ضرورة الدعم الحكوميّ للتعليم وللتأمين الاجتماعيّ.

يتناول أنطون كورينِك سؤالاً متزايد الأهميّة، وهو كيفيّة تأثير التكنولوجيا الحديثة على أسواق العمل وتوزيع الدخل. يدّعي كورينِك أنّ اتّجاه تأثير التكنولوجيا هو ليس نحو الخارج، وإنّما يعتمد على مجموعة حوافز مصدرها من الأسواق أو من الحكومة. قد يبالغ المبتكرون على وجه التحديد في تقييم الثمن الاجتماعيّ للعمل، ويستثمرون أكثر من اللزوم في التكنولوجيا التي تستبدل العمالة. تتدخّل الحكومات بشكل روتينيّ في مرحلة الابتكار، مثلاً لتشجيع التكنولوجيا الخضراء. يقترح كورينِك بأن يوجّه المبتكرون التكنولوجيا بنفس الطريقة، ولكن في اتّجاه ابتكارات من شأنها أن توفّر خصائص توزيعيّة منشودة. على سبيل المثال، بإمكانهم دعم منظومات ذكاء اصطناعيّ (AI) تتكامل مع قدرات العمّال الذهنيّة وتعزّزها، إلى جانب آليّات تضمن حصول العمّال على جزء كبير من الفائض الناتج.

يعتبر اقتراح رودريك مميّزًا لأنّه يوفّر تبريرًا اجتماعيًّا مؤيّدًا وصريحًا للقيود على التجارة، دون أن يحاول أن يموّه الحمائيّة الإنتاجيّة بمصطلحات مثل تحسين بعض الآثار الخارجيّة الأخرى أو الفشل في الأسواق. يشير رودريك إلى أنّه على الاتفاقيّات التجاريّة أن تشمل بنودًا تمنع التنافسيّة على الأرباح “غير العادلة”، وأنّ “الحماية الاجتماعيّة” توفّر للدول استحقاقًا على السلطات التجاريّة، مبرّرة بدعم اجتماعيّ واسع، يفيد بأنّ فرض القيود على التجارة هي أمر ضروريّ للحفاظ على العقد الاجتماعيّ الوطنيّ. يدلّ هذا المقترح على التزام عدّد من أعضاء في EfIP: استعداد لإخضاع فاعليّة كتب الاقتصاد لقيم أخرى، مثل حكم الديمقراطيّة والعلاقات المتساوية بين المواطنين. تأخذ هذه المقترحات كلمات بولاني بعين الاعتبار: من أجل أن تعمل جيّدًا، على الأسواق المهمّة (بما فيها أسواق العمل والأرض والمال) أن تكون مغروسة في مؤسّسات خارجة عن السوق، وعلى الحكومة تحديد “قواعد اللعبة”.

تتناول عدّة مقالات الثيمة ذاتها، وهي كيفيّة تأثير القوّات غير المتناسقة على تصميم اقتصادنا المعاصر. يستبعد العديد من خبراء الاقتصاد دور السلطة في المعادلة، وذلك لأنّهم يعتقدون بأنّه لا يمكن دراستها بدقّة، أو يعتبرون بأنّها تنتمي إلى مجالات أخرى غير الاقتصاد. كما قال نايدو في مقاله: “في ظلّ المنافسة والمعرفة الكاملة، لا يوجد مجال للسلطة”. ولكن، ترجح كفّة عدم التناسق بين المجموعات المختلفة: من لديه اليد العليا في المساومة على الأجور والتشغيل؛ من القوي في السوق ومن يضّطر لأن يتنافس؛ من بإمكانه التحرّك عبر الحدود، ومن العالق في الوطن؛ من يمكنه التهرّب من دفع الضرائب ومن لا يمكنه ذلك؛ من يمكنه فرض أجندة الاتّفاقيّات التجاريّة ومن يُستبعد عنها؛ من يمكنه أن يصوّت ومن حُرم هذا الحق. تعود بعض هذه الجوانب غير المتناسقة لاختلالات سياسيّة تقليديّة، والبعض الآخر هو عبارة عن اختلالات سلطويّة تحدث بشكل طبيعيّ في السوق بسبب عدم تناسق المعلومات أو حواجز الدخول إلى السوق.

السياسات التي تتصدّى لهذه الاختلالات هي منطقيّة ليس فقط من وجهة النظر التوزيعيّة، وإنّما أيضًا من منطلق تحسين الأداء الاقتصاديّ الكلّيّ. تتناول المقالات السياساتيّة هذا الاختلال في المقدّمة، وتقترح طرقًا لإعادة توازن السلطة لأغراض اقتصاديّة. باستطاعة النقابات ومجالس الأجور احتكار القوّة في أسواق العمل (نايدو ودوبي)؛ بإمكان تعطيل عجلة العولمة الاقتصاديّة تحسين القدرة الماليّة للدولة (زوكمان)؛ من شأن فرض الإجراءات على الأموال الخاصّة منع الأزمات (أدماتي وميان)؛ من شأن إعطاء العمّال إمكانيّة تدخّل أكبر باتّفاقيّات التجارة تحسين تصميم الاتّفاقيّات التجاريّة (رودريك)؛ وقد يزيد تحديد مساهمة الحملات وتسهيل التصويت على الأشخاص الأكثر فقرًا من احتمالات مساءلة المنظومة السياسيّة (كابلان).

ولكن، وفي حين تمتدّ هذه الملخّصات السياساتيّة على نطاق كبير من المجالات السياساتيّة، كالسياسة الاجتماعيّة وفرض الضرائب وأسواق العمل والإجراءات الماليّة والاتّفاقيّات التجاريّة والتكنولوجيا والقواعد الانتخابيّة وغيرها، إلا أنّ تغطيتها هي ليست شاملة حتمًا، إذ تبقى نطاقات سياساتيّة مهمّة عديدة غير مطروقة هنا، أو مذكورة بإيجاز، ولا يزال أمامنا الكثير من العمل الذي يتعيّن علينا القيام به. هذه المقالات (ونعد بأن تكون مقالات إضافيّة) هي مقتطفات أوليّة فقط وليست مقولات حاسمة: نقدّم هذه المقالات كدليل على إنتاج الاقتصاد لأفكار سياساتيّة خياليّة ذات صلة، وكتشجيع لخبراء اقتصاد آخرين للمساهمة في نفس المجال. إنّها إثبات للادّعاء بأنه باستطاعة الاقتصاد أن يساهم في بناء مجتمع عادلٍ أكثر، ويعمل بجهد أكبر للارتقاء بطاقته الإنتاجيّة، وبأنّه باستطاعة خبراء الاقتصاد تقديم خدماتهم من أجل تحقيق ازدهار شامل.

ترجمة من الإنجليزيّة: منى أبوبكر

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.