توثيق دقيق لأسياد الواقع الإسرائيلي 

فضيحة مسلسل “قضاء القدس” تعكس بدقة كيفية تعامل وسائل الإعلام والمجتمع الإسرائيلي عامةً مع الفلسطينيين: كمعالم جذب سياحي في أحسن الحالات وكتهديد أمني في أسوأها
آيات أبو شميس

 

تخيلوا أنكم جالسون في بيتكم مع العائلة. فجأة، تقتحم الشرطة المنزل مصاحبة بالكلاب والكاميرات وتبدأ بإحداث الفوضى. عندما تسألوهم عما يفعلون ولماذا يصورون، يجيبونكم أنهم في خضم توثيق عملية البحث لإثبات أنها لا تسبب الأذى لأصحاب البيت أو ممتلكاتهم. يثير رجال الشرطة فوضى عارمة في بيتكم ويغادرون بعد إعطائكم وثيقة رسمية تشير إلى أنهم لم يعثروا على شيء.

تمر بضعة أشهر وتكتشفون أنكم تمثلون دور بطولة في “قضاء القدس” – مسلسل دوكو-ريئاليتي على قناة “كان 11″، يوثق عمل الشرطة في قضاء القدس. يتضح لكم أن الشرطة قد خبأت في قبو المنزل – الذي أطلق عليه في المسلسل اسم “أنفاق غزة” – سلاحا، وليس أيما سلاح بل بندقية M16 (كالتي يحملها “نخبة” الجنود الإسرائيليين).

هذا ما حدث لسامر سليمان من العيساوية. أخفى المنتجون وجهه في المسلسل واعتقدوا لذلك أنهم معفيين من إخباره أنه يظهر في المسلسل. لكنهم لم يخفوا المنزل ولا صوت سليمان وقد تعرف عليه، وعلى بيته، كل سكان الحي. غضبت جدا عندما قرأت تقرير نير حسون في هآرتس هذا الأسبوع: هل يعقل أن تقوم الشرطة وشركة إنتاج – أو أي شركة إعلامية – بتصوير شخص دون إذنه، وبدس الأسلحة في منزله وجعله يبدو وكأنه مجرم أو متعاون؟

“حقق المسلسل نجاحًا هائلاً مع ما يقارب مليون مشاهدة لكل حلقة على YouTube وجميع وسائل الـ VOD في إسرائيل”، كتب في صفحة المسلسل على ويكيبيديا، وبعد كشف ما حصل في المسلسل، أضيفت في اليوم التالي الجملة: “بسبب الادعاءات لاختلاق الوقائع في المسلسل تمت إزالته من الإنترنت.” أزالت “كان 11” حلقات المسلسل من الإنترنت حتى إتمام إجراءات التحقيق مع شركة الإنتاج، “كودا للإنتاج” حول سلوك غير قانوني وغير أخلاقي، بعد اكتشاف وجود مشاهد أخرى مفبركة. في الوقت الحالي، تقدم سليمان بشكوى لماحش (وحدة التحقيق مع أفراد الشرطة) للمساس بسمعته، انتهاك خصوصيته وزرع الأدلة.

لكن لهذه الفضيحة جانب آخر: يقع المسلسل تحت جانر الدوكو-ريئاليتي (تصوير في وقت حقيقي أو استرجاع أحداث حقيقية) – جانر يشمل أيضا تدخل الإنتاج في الواقع، لكن يبدو أنهم بالغوا كثيرا هذه المرة. ومع ذلك، فإن المسلسل يقدم توثيقا دقيقا للواقع في إسرائيل حيث أنه كشف للمشاهدين عن الواقع الذي عادة ما ننساه ونتجاهله، الواقع الذي يُحرم فيه الفلسطينيون داخل وخارج الخط الأخضر من حقوقهم بشكل يومي وممنهج، الواقع الذي يفعل به رجال الشرطة ما يحلو لهم، لأن قيمَهم لا تشمل الحفاظ على القانون.

يعكس المسلسل بذلك بدقة كيفية تعامل وسائل الإعلام والمجتمع الإسرائيلي عمومًا مع الفلسطينيين، كمعالم جذب سياحي في أحسن الحالات وكتهديد أمني في أسوأها، وهي مزيج من الاثنين في الحالة أدناه: برنامج تلفزيوني يعرض عربيًا لا اسم له من القدس الشرقية في حوزته سلاح غير قانوني، يقف أمام شرطي “بطل” يجد السلاح داخل “نفق إرهابي”. قصة “أمنية” مقدمة في إطار برنامج ترفيهي، كمنتج يهدف إلى ترفيه الجمهور الإسرائيلي اليهودي وتحفيز غدده الوطنية والقومية بينما هو جالس بأريحية على الأريكة في بيته.

رد الشرطة هو أمر آخر مثير للاهتمام: “نعتذر عن أي ضرر قد ألحق بالمواطن نتيجة بث المشهد. القضية قيد التحقيق وسيتم استخلاص العبر منها.” ماذا نتعلم من هذا الرد؟ 1. تستخدم الشرطة ببنية المجهول، “ألحق ضرر” – أي أن ليست الشرطة هي التي تسببت فيها، بل شخص مجهول الهوية تمامًا، أو حتى قوى طبيعية. 2. “القضية قيد التحقيق” – أي تحقيق؟ ليس كل ما حدث وكل ما نعرفه يكفي لمعرفة من المسؤول وما الذي حدث بالضبط؟ 3. “استخلاص العبر” – خالفت الشرطة الإسرائيلية القانون ويجب معاقبة شخص ما، لكنها تختار قبل كل شيء أن تقدم ردا عاما ومبهما عوضا عن استخلاص العبر. تُستخلص العبر عند القيام بأعمال قانونية، عادية، طبيعية، يختل مجراهها لسبب ما ودون قصد ولكن ليس هذا ما حدث هنا حيث كان الضرر متعمدا! أي درس أي عبر تلك التي تريد الشرطة استخلاصها؟ ألّا تخالف القانون في المرة القادمة؟ أو ربما الاستمرار في خرق القانون دون توثيق.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.