نحن محظوظون لوجود أشخاص مثل ليئا في العالم

لا تختلف ليئا تسيمل اليوم عما كانت عليه في التسعينيات. ما زالت عيناها الخضراوان ترى تفاصيلا تعلمنا أن نغض أبصارنا عنها وهي ما زالت تؤمن بكل قلبها أن بإمكان الجهاز أن يبرّئ نفسه. لكن نجاح الفيلم الوثائقي عنها يثير أملاً ضئيلاً في أن شيئا ما قد تغير ربما
دافنا بارعام

 

أعادني الفيلم الوثائقي “ليئا تسيميل، محامية” إلى سنوات التسعين، تحديدا النصف الثاني من الانتفاضة الأولى، عندما عملت كطالبة ثم متدربة في مكتب ليئا تسيميل في القدس الشرقية. يظهر الفيلم بعض اللقطات المضحكة، لكنني ضحكت أكثر من كل المشاهدين في قاعة كينغس كروس في لندن، خلال مهرجان الأفلام اليهودية لأن ليئا لم تتغير على الإطلاق: لا تزال عيناها الخضراوان متقدتان، ما زالت تتعامل مع العالم بالصراخ، وما زالت تحاول إقناع متدربها على قراءة مواد قانونية بعد ساعات العمل الطويلة. ما زالت ليئا تشتم عندما يسقط القلم من يدها حتى لو جلست أمامها امرأة مسنة، ما زالت تعتقد أن بإمكانها الفوز وأن علينا التجربة على الأقل. ما زالت تدندن أغنية دوري بن زئيف “ليئا، ليئا، ليئا” دون أن تعرف كلماتها منذ ثلاثين عامًا، وأنا “بموت عليها” حتى اليوم.

لا شك في أنني بكيت أكثر من غيري أثناء مشاهدة الفيلم أيضا، لأن ليئا هي ليست الوحيدة التي لم تتغير، لم يتغير الاحتلال والعنصرية النظامية والانغلاق أيضا، ولا مراحل الحداد التي تمر بها عائلات السجناء: الإنكار، الدهشة والغضب. تقول ليئا في أحد مشاهد الفيلم: “لم يسبق لي أن واجهت قضية كهذه لولد يبلغ من العمر 13 عامًا”، وأدركت أنها بالفعل لا تتذكر. ربما كانت تقصد محكمة في إسرائيل وليس محكمة في الأراضي المحتلة، أو ربما كانت تقصد قضية طرحت في الأدلة وليس صفقة ادعاء، ولكنني تذكرت فورا الطفل البالغ من العمر 13 عامًا الأول الذي رأيته قيد المحاكمة، لأن تلك كانت المرة الأولى التي زرت فيها المحكمة العسكرية في بيت إيل.

ذهبت إلى المحكمة مع ليئا. لم يكن لديها حقيبة مع عجلات عندئذ، ولم يكن هناك طريق معبّد يؤدي مبنى المحكمة على أي حال. هطل مطر خفيف وحملت حقيبتين كبيرتين مليئتين بالملفات سقطتا من يدي طوال الوقت. غضبت ليئا في النهاية وأخذتهما مني. كانت تبلغ من العمر ما أبلغه أنا من العمر اليوم، وأنا كنت ابنة 21 عامًا، مهمَلة، ثقيلة الحركة، مصممة على إنقاذ العالم. كانت الملفات مليئة بملاحظات كتِبت بخط يدي الذي كان مرتبا وجميلا آنذاك، إلى جانب ملاحظات معلمة باللون الأصفر: تناقضات في الشهادات، أقوال في مذكرات الشاباك تدل على تعذيب المعتقل قيد التحقيق، وسابقات قانونية. عندئذ، كما اليوم، حاولت ليئا الاعتماد على سابقات محاكمات المستوطنين الذين اعتدوا على فلسطينيين وتمت تبرئتهم، أو أدينوا بأحكام مخففة وحكم عليهم بعقوبات سخيفة – هذا إذا كانوا قد حكِموا أساسا – كما لو أن القضاة سيقتنعون فجأة أن اليهودي والفلسطيني يخضعان لقانون واحد.

كانت تقول لي: “لا يريد القضاة الاعتقاد بأنهم عنصريون. صورتهم الذاتية مهمة لهم”. لا زلت أحاول تصديق ذلك حتى اليوم، مع أنني أعلم جيدا أن ذلك غير صحيح.

كانت تقول لي: “لا يريد القضاة الاعتقاد بأنهم عنصريون. صورتهم الذاتية مهمة لهم”. لا زلت أحاول تصديق ذلك حتى اليوم، مع أنني أعلم جيدا أن ذلك غير صحيح. ذكرني “ليئا تسيميل، محامية” أن ليئا ما زالت تؤمن بذلك وليس بذلك فحسب: تؤمن ليئا أن الجهاز الذي تحاربه منذ خمسين عامًا يستطيع أن تتغير، أنه يحاول تبرئة نفسه. أنه قد يكون هناك ادعاء قانوني يستطيع هزم العنصرية التنظيمية في الجهاز، في الاحتلال، والأساسات التي ترتكز عليها دولة إسرائيل. لأن داخل البطلة الأكثر معادية للصهيونية في إسرائيل، تكمن “بنت شاطرة” من حيفا، بكت في جنازة رابين، وكانت تغني أغاني البلماح في نزهات حركة مَتسبين.

من وراء الكواليس لتصوير ״ليئا تسيمل، المحامية״ (من اليمين: مخرجي الفيلم: راحيل ليئا جونس وفيليب بلائيش وتسيمل). تصوير: عدي موزس

جلس الولد على المقعد في المحكمة مرتدياً زي الأسرى بني اللون مطويًا عند الأكمام وأسفل البنطال. لم تصل قدميه الأرض. اتبع الولد قبل ثمانية أشهر شقيقه وأصدقائه البالغين من العمر 16 عامًا الذين حاولوا التخلص منه وإرساله إلى البيت، كما يفعل الكبار دائمًا للصغار عندما يذهبون للعب كرة السلة، أو لمشاهدة فيلم، أو للتدخين سراً. لكن هؤلاء الفتيان كانوا في طريقهم للـ “تحقيق مع متعاون”. أصر الولد على اتباعهم والتصق بهم. عندما وصلوا إلى المنجرة حيث عمل المشتبه بهم، استسلموا. طلبوا من الصبي البقاء في الخارج والصراخ إذا جاء أحد. أصبح الولد بذلك شريكًا في جريمة قتل عندما توفي المشتبه فيه أثناء التحقيق.

حدث ذلك كثيرا خلال ذلك الوقت من الانتفاضة. قتِل حينها عدد كبير من كبار القادة السياسيين أو كانوا معتَقلين إداريا في معسكر كتسيعوت. انتقلت الخلايا المحلية عندها لسيطرة فتيان قاموا بمحاسبة أعداء من القرية بحجة أنهم متعاونين. لم يقصد هؤلاء الفتيان القتل عادة، وعادة ما كانوا يقتلون من باب الذعر، لكن العنف أصبح كما في فيلم من إخراج تارانتينو – باستثناء الجماليات.

ينطبق القانون الجنائي في المناطق المحتلة على الأطفال بدءًا من جيل 12 عامًا. لم تكن هناك فائدة من إجراء المحاكمة. اعترف الجميع. بقي فقط عقد صفقة ادعاء بإدانة الولد بالقتل غير المتعمد والاتفاق على أن كلا الطرفين قادران على إسماع الادعاءات بالنسبة للعقوبة. طالبت ليئا بعقوبة السجن لمدة خمس سنوات – أن يطلق سراحه عند بلوغه سن الثامنة عشر ليبدأ حياة جديدة، كما قالت. طالبت النيابة العسكرية بعقوبة السجن لمدة عشرين عاما. حكمت المحكمة عليه بالسجن لمدة تسع سنوات. أقسمت لنفسي أنني لن أنسى اسم الصبي الذي مشى بتثاقل نحو زنزانة الاحتجاز التي طالما فاحت منها رائحة بول الجنود وسجائر المحتجزين. أقسمت، ولم أتذكر اسمه أو عيناه حتى. كل ما استطعت تذكره كانت سيقانه المتأرجحة على المقعد، دون أن تصل الأرض.

تقول ليئا دائمًا أنها تشعر بالذنب بأني تخليت عن المحاماة. “عنجد لقطة” تمتمت نحوها بصمت أثناء الفيلم – كنت “سأحظى” بعد ثلاثين عاما بأن أخطو وراءك أو بالقرب منك إلى المحكمة المركزية، مع حقيبة بعجلات هذه المرة، لآكل نفس الخرا، لأكون “محامية خاسرة” – مثلما تسمين نفسك – مع رخصة. أنا مرتاحة في يأسي.

لكنني أعرف في داخلي أنني لم أملك القوة والالتزام الإيديولوجي وجنون العظمة والتواضع من أجل الذهاب إلى قاعات المحكمة ومباني المحاكم العسكرية والدهاليز الحجرية في محكمة الصلح، أو المحكمة المركزية في “الحصن” في صلاح الدين وممرات المحكمة العليا الرخامية لأحاكم دولة إسرائيل كل يوم.

من بين جميع لحظات هذا العمل الرائع بإخراج راحيل ليئا جونز – التي كانت شريكتي في البيت في تلك الأيام – وزوجها فيليب بلايش – الذي قمت بمقابلته هذا الأسبوع بعد عرض الفيلم في لندن – كانت هناك لحظة قد أدهشت بعض المشاهدين ربما: قُبَيل إصدار الحكم تتبع الكاميرا ليئا التي تجري نحو بوابات المحكمة لإقناع الحارس بإدخال أخت المدعى عليها التي تم تأخيرها في الخارج. ليئا، العدوانية أحيانا، والفظة غالبا، لم تسمح لأي من أفراد العائلة البقاء في الخارج. عيناها الخضراوان ترى تفاصيل تعلمنا أن نغض أبصارنا عنها: ضباط شرطة الحدود الذي يجّرون عاملا فلسطينيا نحو حائط مجاور، شرطي يدفع فتاة، وحارس البوابة الذي يتحدث بوقاحة إلى أم أسير. علمتني ليئا ألا أخجل، أن أتدخل وأن أسأل: لماذا تؤخره؟ ما الذي تريده منه؟ أرني بطاقة.

عندما رأيت مارك ريجيف، سفير إسرائيل في لندن، يستَّل داخل القاعة في الظلام وهرب منها قبل ظهور الضوء، اتضح لي فجأة أن إسرائيل الرسمية تعرف الآن بما عليها أن تخجل حقًا.

نجاح فيلم “ليئا تسيميل – محامية” في إسرائيل وفي الخارج – بعد ضجة مفعال هبايس وإلغاء عرضه الأسبوع الماضي فقط في مهرجان “دوك أفيف الجليل” – أثار في نوعا من الأمل. أسمع وأرى مشاهدين يعارضون محاولات النظام لإسكات ليئا – بمن فيهم معارضون لتوجهها وإرثها السياسي. لم يعد صوتها مسكَتا. عندما سافرت إلى إنجلترا قبل 17 عامًا، قالت لي ليئا: “لا تعطي المقابلات، لا تكتبي مقالات، لا تقدمي محاضرات. تستخدم إسرائيل أشخاصا مثلنا لتظهِر نفسها على أنها دولة ليبرالية”. نعم، قلت، لكن أنا وأنت لن نسكت لأننا موجودات ولأن على صوتنا أن يسمَع. عندما رأيت مارك ريجيف، سفير إسرائيل في لندن، يستَّل داخل القاعة في الظلام ويهرب منها قبل ظهور الضوء، اتضح لي فجأة أن إسرائيل الرسمية تعرف الآن بما عليها أن تخجل بالفعل.

حظي الفيلم باهتمام وإعجاب في الواقع السياسي العالمي الحالي، ليس بسبب التماهي مع القضية الفلسطينية فحسب، بل لأن الظلام قد وصل إلى كل مكان، ومعه الاحتجاج والمقاومة. هناك أشخاص آخرين كثر مثل ليئا في العالم، يناضلون من أجل الأطفال المهاجرين في معسكرات التركيز لدى ترامب، والمعتقلين الإداريين في سجن بِلمارش في بريطانيا، منقذي اللاجئين في إيطاليا، وموزعي الجرائد السرية في المجر. تنتشر الظلال، لكن هنالك من يحمل شموعًا صغيرة في الظلام. ضوء ليئا تسيميل كبير ويمكن رؤيته من بعيد، حتى عندما تخسر.

دفنا بارعام هي محامية سابقا، صحفية، مترجمة وفنانة ستاند أب. عملت في مكتب ليئا تسيمل كطالبة وكمتدربة بين السنوات 1990-1996.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.