دولة إسرائيل تربّي أطفالا دون مأوى

أول المتضررين من انعدام توفر مساكن جماهيرية مناسبة تمنح الاستقرار والأمن للسكان الذين يعانون من الفقر هم الأطفال الذين تنقطع استمرارية مسار حياتهم في كل مرة ينتقلون فيها لشقة جديدة مما يتسبب بقلق وخوف مستمرين • صوت الفقر – زاوية جديدة 
ريكي كوهن بن-لولو

منذ اللحظة التي قرِّر فيها أن أكتب في موقع اللسعة مرة كل أسبوعين، كان واضحا لي أن أول من سأكتب عنهم هم الأطفال دون مأوى. أعرف هذا الموضوع عن قرب كمقيمة في مساكن جماهيرية وكأم تعاني من الفقر، لكن كناشطة مخضرمة في هذا المجال في الأساس، حيث تعرفت على أسر كثيرة تعاني من ضائقة سكنية صعبة ومريرة بينما تتجاهلها المؤسسات بوقاحة.

لا شك في أن لأزمة السكن تأثير كبير على حياة الأسرة بأكملها، لكن الأطفال هم أكثر المتضررين منها. لذلك تأثير حاسم على الأطفال في سنوات الطفولة المبكرة وكذلك في مرحلة البلوغ – مثلما يظهر في دراسة حديثة أجراها مركز تاوب: “عدم المساواة في مرحلة الطفولة المبكرة: الفقر والإنجازات التعليمية المستقبلية“، التي تشير إلى أن تنقل الأسر الفقيرة بين بيوت مختلفة خلال وقت قصير يؤثر على الأطفال الرضع بأنها تزيد من المواقف العصيبة (الضغط)، التي من الممكن أن تؤدي إلى تعطيل نمو المخ الطبيعي وأنها تؤثر بحدة على قدرات التعلم لديهم.

تتماشى نتائج هذه الدراسة مع ما نقوله أنا وزملائي في النضال منذ سنوات: عادة ما لا يتذكر الأطفال الذين يتنقلون بين أكثر من تسعة بيوت حتى جيل الإعدادية أصدقاءهم من الأطر المختلفة أو حتى بأي رياض أطفال أو مدارس التحقوا. القلق والخوف من فقدان المأوى حقيقي وحاضر في حياة هؤلاء الأطفال، وكذلك القلق والخوف من الانتقال إلى شقة أخرى – وهي أمور لا تضر بإنجازاتهم التحصيلية فحسب، بل بصمودهم الاجتماعي، ثقتهم بأنفسهم وقدرتهم على بناء العلاقات الاجتماعية. يعاني الكثير من هؤلاء الأطفال من اضطراب قلق الانفصال.

القلق والخوف من فقدان المأوى أو الانتقال إلى شقة أخرى يضر بإنجازات الأطفال التحصيلية، بصمودهم الاجتماعي، وبقدرتهم على تكوين العلاقات الاجتماعية

يؤدي هذا الوضع أيضًا إلى عدم ثقة الأطفال بجميع الأطر العلاجية، حيث أن كل انتقال إلى شقة أخرى يقطع التواصل العلاجي في أطر وأجهزة الصحة، الرفاه والتربية. يعني ذلك، أننا حتى لو افترضنا أن الدولة تستثمر ميزانيات في هذه الأطر العلاجية، من المرجح أن تروح هذه الميزانيات سدى في الانتقال القادم.

كذلك، فإن لعبور الشقق المتكرر ثمن اقتصادي باهظ لا يأخذه معظم الاقتصاديين بالحسبان: يكلف نقل الأغراض من شقة إلى أخرى الكثير من المال، بالإضافة إلى تضرر الممتلكات (إن وجدت أصلا) – إذ كم مرة يمكن تفكيك الأثاث وبناءه من جديد؟ وكم من الصعب العثور على شقة ملائمة عندما لا تسمح الأوراق في أيدي هؤلاء المستأجرين الفقراء بأن يكونوا لاعبين متساوين في سوق المسكن؟ يفتقر معظم هؤلاء للضمانات والشيكات وغيرها من الشروط لاستئجار شقة في السوق الخاص، هذا بالإضافة إلى أن ديونهم آخذة في الازدياد، كما أشرت مسبقا.

أزمة السكن لدى لأطفال في إسرائيل خطرة وفي انتظار أن نحلها. أي مستقبل هو ذلك الذي نعدهم به بينما نتنافس مع تركيا على المركز الأول بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (الـ OECD) بينما 24٪ من الأسر تعيش تحت خط الفقر؟

ما برحت الحكومات الإسرائيلية خلال العقود الثلاثة الأخيرة تنهش وتدمر المساكن الجماهيرية التي شيدتها خلال السنوات الأولى بعد إقامتها (قامت الدولة ببناء أكثر من 200 ألف وحدة سكنية عندما كانت في غاية فقرها). حدث ذلك في فترة تحملت الدولة فيها مسؤولية الإسكان، دون أن ننسى للحظة أن الإسكان الجماهيري صبِغ بلون إثني واضح، حيث أنه بنِي أساسا ليأوي المهاجرين من شمال إفريقيا. تضاءل عدد الوحدات السكنية في العقود الأخيرة إلى 54000 وحدة سكنية، جميعها مسكونة، معظمها مهمَلة بشكل واضح وحتى تشكل خطراً على حياة ساكنيها. وإن لم يكن ذلك كافيًا، لا توجد حلول سكنية جاهزة لعشرات آلاف المستحقين للمساكن الجماهيرية، بينما تم استبعاد مئات الآلاف من معايير الاستحقاق التي تم تقليصها مع مخزون الشقق.

بدلاً من تخصيص ميزانية مناسبة للإسكان الجماهيري المناسب لإتاحة الاستقرار والأمن السكني وإعادة تأهيل السكان الذين يعانون من الفقر، تم تحويل الميزانيات على مدار الثلاثين عامًا الماضية إلى آلية المساعدات في الإيجار. تنقل هذه الآلية موارد باهظة الثمن من الميزانيات المخصصة لمن يفتقرون المسكن أو أصحابه، حيث أن رسوم مساعدة الإيجار تصل في النهاية جيوب أصحاب الشقق الذين يؤجرون أكثر من شقة واحدة. تتراوح مساعدة الإيجار بين 700 – 1400 شيكل لمن لا يستوفون المعايير الصارمة التي تؤهلهم لاستحقاق السكن في مساكن جماهيرية، بينما المبلغ الذي يتعين عليهم إكماله لدفع الإيجار يتجاوز 50٪ من دخلهم.

ليس ذلك سراً أن الدولة ومؤسساتها لا تؤمن بإنقاذ الأسر القابعة في الفقر منه، بينما تعتقد – فيما يتعلق بالأطفال – أن فصلهم عن الأسرة قد “ينقذهم” منه. يمكنك قراءة شهادات لهذه التصورات المؤسسية في تقرير الفقر، الملحق هـ – التربية الداخلية في إسرائيل كأداة للحد من الفجوات الاجتماعية والفقر في إسرائيل. وبالفعل، هنالك 57 ألف طفل في إسرائيل يترعرعون في إطار التربية الداخلية، 60% منهم هم أطفال فقراء. طالما لا يوجد برنامج طويل الأمد لإنعاش الإسكان الجماهيري الذي يحدد أهدافا طويلة الأمد لزيادة عدد وحدات الإسكان، سيستمر الفقر لدى الأطفال بالتفاقم.

وكلمة شخصية للنهاية. كمن ترعرعت في فقر مدقع وشديد، كنا محظوظين بما فيه الكفاية للعيش في شقة عميدار – حتى لو كان يتسرب من سقفها المطر وكانت تخترق الرياح نوافذها المفقودة. حتى في الحالات التي كانوا يقطعون عنا الكهرباء والماء، كان هذا السقف لا يزال الشيء الوحيد الذي كان بإمكاننا التشبث به بثقة. لا أدري ما الذي كان سيحل بنا لو اضطررنا، في كل هذا الفقر، أن نتنقل من شقة إلى أخرى.

يتناول “صوت الفقر” – زاوية ريكي كوهن بن-لولو – مواجهة المواطنة الصغيرة اليومية لصعوبات البيروقراطية، سياسة الحكومة وإسقاطاتها والحياة في صراع مستمر على البيت

 

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.