عندما تُغازل تل أبيب العرب

في الوقت الّذي لا تزال بيروت تُحاول استيعاب حجم الضّرر الّذي لحقَ بها إثر انفجار المرفأ، مسؤولون في السّلطات الإسرائيليّة يعتبرون الموقف فرصةً سانحة للتّرويج لإسرائيل في العالم العربيّ بصورة متسامحة ومتعاطفة تُغطّي على ممارساتها وانتهاكاتها لحقوق الإنسان في المنطقة
ياسر أبو عريشة

 

تباهت بلديّة تل أبيب بتزيين مبناها بألوان العلم اللّبنانيّ كخطوة “للتّضامُن” مع الشّعب اللّبنانيّ “ومواساته” على حدّ تعبير مسؤولين في البلديّة، وذلك عقب انفجار مرفأ بيروت أوّل أمس الثّلاثاء. وجاءت هذه الخطوة بعد أن قامت دُول أخرى في المنطقة بإنارة مبانيها المُميّزة بألوان العلم اللّبناني، كأهرام الجيزة في مصر وبرج خليفة في أبو ظبي. وقد صفّق البعض وسحّجوا لهذه اللّفتة الاستثنائيّة الّتي قامت بها بلديّة تل أبيب، بوصفها عملأ يُعبّرعن تراحم القلوب رغم أنّ كلا الدّولتين – لبنان وإسرائيل – تعتبرُ إحداهما الأخرى دولة عدوّ. أمّا على الصّعيد العربيّ فقد وصف الكثير من النّشطاء عبر منصّات التّواصل الاجتماعيّ هذه الخطوة بأنّها نفاق من العيار الثّقيل، وعبّر لبنانيّون كُثُر عن امتعاضهم من هذه الخطوة واعتبروها استهتارًا واستخفافًا باللّبنانيين.

ومن جهة أخرى فقد لاقت هذه الخطوة ردود فعل اتّهمت القائمين على هذا العمل بالخيانة، جاءت من طرف سياسيّين من قبل أحزاب يمينيّة إسرائيليّة متطرّفة. اتّهامات الخيانة هذه لبلديّة تل أبيب تأتي في وقت يحتدم فيه الجدل بخصوص مكانة رئيس الوزراء نتنياهو، الّذي تقفُ ضدّه لوائح اتّهام بتلقّي الرّشاوى، خيانة الأمانة والاحتيال. حيث تشهد إسرائيل موجة احتجاجات ضدّ السّلطة والطّبقة السّياسيّة هي الأكبر منذ الاحتجاجات الّتي شهدتها البلاد في صيف العام 2011، حين اندلعت حركة الاحتجاج الاجتماعي الّتي أطلقتها النّاشطة دفني ليف آنذاك مع عدد من رفاقها في مدينة تل أبيب، وسرعان ما تفشّت الاحتجاجات لتطال جميع أنحاء البلاد ذلك العام.

وفي خضمّ الاحتجاجات الحاليّة في إسرائيل، تلعب مدينة تل أبيب دورًا بارزًا في استضافة الاحتجاجات والمظاهرات والاستعراضات الفنّيّة المُناوِئة للسُّلطة، وتقوم بتوظيف إنشاءاتها ومواردها لهذا الغرض، بما في ذلك مبنى البلديّة وميدان رابين المحاذي له والّذي يُعتبر مكانًا ذا طابع رمزيّ كبير للكثير من الإسرائيليين، إذ كان منصّة اغتيال رئيس الحكومة السّابق إسحاق رابين عام 1995، والّذي جمعته خصومة سياسيّة حادّة مع بنيامين نتنياهو في تسعينيّات القرن الماضي. ومن أبرز العروض الّتي استقبلها ميدان رابين مؤخّرًا، عرض لمُجسّم بشخصيّة رئيس الوزراء نتنياهو، يجلسُ وحيدًا بالقرب من مائدة تعُجُّ بالأطعمة والمشروبات، وإلى جانبه اثنا عشر كرسيًّا فارغًا، كتشبيه للوحة العشاء الأخير للسيّد المسيح.

وإذا لم يكُن هذا كافيًا للتّعبيرعن عمق الشّرخ بين تل أبيب والقائمين على بلديّتها وبين الحكومة، فإنّ رئيس البلديّة رون خولدائي بنفسه خرج بتصريحات حادّة ضدّ حكومة نتنياهو وغانتس، بُثّت في لقاء أجرتهُ معه صحيفة هآرتس. وهو دليل آخر على وجود خلاف واضح ما بين مندوبي البلديّة واسعة النّفوذ والّتي تُعتبر الأغنى في إسرائيل، وما بين الحكومة الإسرائيليّة. ولكن شتّان ما بين الاعتراض على السّياسات والمُمارسات الدّاخليّة، وما بين رفع علم دولة تربطُها العداوة مع إسرائيل منذ عقود. إذ لم تمضِ أيّام على التّوتّرات والصّدامات الّتي شهدتها الحدود بين لبنان وإسرائيل، وأعادت إلى الذّاكرة حروبًا مُدمّرة هي ليست ببعيدة.

ولكنّ المثير في الأمر، أنّ مبادرة بلديّة تل أبيب بإنارة مبناها بألوان العلم اللّبنانيّ، جاءت بغطاء وترحيب من المؤسّسة المركزيّة وبعد استشارة وزارة الخارجيّة الإسرائيليّة، بحسب أقوال نائبة رئيس البلديّة خين أريئيلي الّتي صرّحت عن ذلك في لقاء تلفزيوني عبر القناة 12 العبريّة. فبعد إعطاء الضّوء الأخضر لإنارة مبنى البلديّة بالعلم اللّبناني، انتشرت صورة المبنى في شبكات التّواصل الاجتماعي عبر العالم وتناقلها المُغرّدون على نطاق واسع، وكانت صفحة “إسرائيل تتكلّم بالعربيّة” من أبرز الصّفحات الّتي شاركت الصّورة، وهي صفحة فيسبوك تابعة للحكومة الإسرائيليّة يتابعها أكثر من 3 ملايين شخص.

ومن المعروف أنّ صفحة إسرائيل تتكلّم بالعربيّة هي صفحة تسعى لتجميل وجه إسرائيل في أعين العرب، وهي تستهدف الجمهور العربيّ برمّته في المنطقة كي تبثّ صورةً إيجابيّةً عن إسرائيل، على غرار ما يفعله أفيخاي أدرعي الّذي شارك هو أيضًا صورة لبلديّة تل أبيب بالأحمر والأبيض والأخضر على صفحته الّتي يتابعها أكثر من مليون شخص. هكذا تغطّي إسرائيل على ممارساتها القمعيّة بمنظومة الحكم العسكريّ المفروض في الضّفّة الغربيّة منذ العام 1967 وانتهاكها المستمرّ لحقوق الإنسان في الحصار على غزّة، أضف إلى ذلك استمرار التّمييز والتّهميش لفلسطينيّي الدّاخل المواطنين في إسرائيل.

هذه الهِبة الإسرائيليّة – التّل أبيبيّة إذًا، رُبّما تكون ممزوجة بدوافع غريبة، مهما كان هناك أناسٌ أخلاقيّون يؤمنون حقًا بالسّلام العادل وبالعدل الشّامل. ولرُبّما هي هبة لا تكترث صدقًا بمصير اللّبنانيّين الّذين لا زالوا يعيشون هول الصّدمة الّتي حلّت بهم، فالشّعب اللّبنانيّ مفجوع بطعنة أصابتهُ هذه المرّة في قلب جسد الدّولة المتهاوي، واقتلعت الكارثة أرواح النّاس وممتلكاتهم ومرفأهم الّذي هو شريان حياة هذا البلد، الّذي شبع من الفساد والحروب والطّائفيّة. يخطئ من يعتقد أنّ اللّبنانيّين الّذين عانوا الأمرّين في النّزاع مع إسرائيل، بحاجة إلى تعاطف من تل أبيب أو وزارة خارجيّة إسرائيل معهم، وكان أجدر بالمبادرين لهذا بأن “يقعدوا ويسكتوأ”، ويتركوا بيروت تتكفّل أمرها بنفسها وبمساعدة أصدقائها في العالم، وعلى ما يبدو لديها الكثير منهم.

هي بيروت مُجدّدًا إذًا، تعصفُ بها المصائب وتنقضُّ عليها الكوارث، تلك الزهرة الشّرق أوسطيّة الجميلة تدوسُها النّوازل على حين غفلة منها. هي بيروت الّتي نعشقُها عن بُعد في تراتيل فيروز ومواويل وديع الصّافي، واليوم نراها تقفُ وقد أعجزها الفساد وأثقل كاهلها، وإذ به ينفجر فيها بأبشع صوره. بيروت الآن تُداوي جراحها، وتُهيئ لمرحلة ما بعد الانفجار، فها هي لجنات التّحقيق الحكوميّة والقضائيّة بدأت تتشكّل، بحثًا عن الجناة. وبين هذا وذاك، وفي وقت وصل فيه عدم الثقة  ما بين المواطن اللّبناني والطّبقة السّياسيّة إلى الحضيض، قد يلقي عدم الثّقة هذا بظلّاله على المرحلة المقبلة الّتي سيشهدها لبنان، وهي مرحلة ثقيلة بلا شكّ، فلذلك كما تقول العرب في العامّيّة “الّي فينا بكفّينا”، واللّبنانيّون أدرى بأنفسهم، فلا داعي أن يحشر أحدٌ ما أنفه في شأنهم إذا لم يدعُه أحد لذلك، خصوصًا إذا كان طرفًا غير مرغوب فيه – بأقلّ حال – من الطّرف اللّبناني.

ألف سلام عليك بيروت.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.