ما بين الصّحّة النّفسيّة وعنف الشّرطة: قصّة شيرئيل حبّورة

قُتِل الشّاب شيرئيل حبّورة (30) رميًا برصاص شرطيّ في ساحة منزله قبل قرابة أربعة أشهر، بعد أن كان في حالة صحّيّة نفسيّة مُترديّة. كيف حصل هذا؟ وكيف يتمّ التّعامل مع من يواجه صعوبات نفسيّة وذَويه من قبل دوائر الصّحّة الإسرائيليّة الرّسميّة؟
آفي بليخرمان

 

قديمًا قيل في المثل العربيّ الفلسطينيّ “إلّي ما لُه كبير، ما لُه تدبير”، أي أنّ المستضعف الّذي لا يلقى ظهرًا يسنده فلن يستطيع الوقوف لوحده أمام معارك الحياة. ولعلّ أكثر المواضيع الّتي لا تلقى علاجًا وتعامُلاً صحيحًا من قبل السّلطات والمسؤولين في إسرائيل هي موضوع الصّحّة النّفسيّة والتّأهيل لمن يعانون من الاضطراب النّفسيّ. وفي هذا المجال، فإنّ المنظومة تفشل مرارًا وتكرارًا في إيجاد السّبل والميزانيّات والمُخطّطات الّتي من شأنها أن تدعم هذه الفئات المُستضعفة في المجتمع، والّتي تعاني بالإضافة إلى هذا كلّه من التّهميش والآراء المسبقة ولا تلقى دعمًا كافيًا لكي تحصل على القليل من العيش الكريم.

في هذا التّقرير الّذي أجراه مراسلنا آفي بليخرمان، سوف نلقي الضّوء على المأساة الّتي حلّت بعائلة حبّورة من مدينة روش هعاين المجاورة لكفر قاسم في أراضي 1948، والّتي فقدت ابنها شيرئيل ابن الثّلاثين عامًا الّذي يعاني من مُعضلة الفصام النّفسيّة، بعد أن أطلق عليه شرطيّ النّار في ساحة منزله وأرداه قتيلاً يوم الثلاثين من أبريل/نيسان 2020. عبر هذا التّقرير سنقوم بتتبُّع الإخفاقات في التّعامُل مع هذا الإنسان الّذي واجه صعوبات نفسيّة وكان بحاجة إلى المساعدة، ولكنّ النتيجة المأساويّة كانت هي أنّه فقد حياته وأضحى رقمًا آخر في تاريخ العنف الشّرطيّ المتأجّج في صفوف شرطة إسرائيل.

شيرئيل حبّورة ونداء الاستغاثة

آفي بليخرمان 

منذ قرابة ثلاثة أشهر، فقدت عائلة حبّورة ابنها شيريل (30 عامًا)، الّذي عانى من معضلة الفصام النّفسيّة (سكيزوفرينيا) وقُتل رميًا بالرصاص في ظروف مروعة برصاص الشّرطة. في يوم الحادث، قامت الأسرة باستدعاء الشرطة إلى منزلها في روش هعاين، أملاً بمساعدتهم بالسيطرة على شيرئيل الّذي كان في حالة انهيار نفسيّ حرجة. وخلافًا لإجراءات الشرطة في التعامل مع من يواجهون مشاكل نفسيّة، حضر إلى المكان شرطي واحد وبمفرده لأجل التعامل مع الحدث. تدهورت الأمور في إحدى المراحل وقام شيرئيل بمطاردة ذلك الشّرطيّ حاملاً بسكين وطعنه في ساقه على حدّ قوله، ما دعاه للردّ بإطلاق عدّة رصاصات على شيرئيل فارق على إثرها الحياة. 

وعلى عجل، قامت وسائل الإعلام بتناقل الخبر ونشر معلومات أوّليّة عن ما حصل في روش هعاين، وكان مُجمل التّقارير يصف ما جرى بأنّه “حادث إطلاق نار من شُرطيّ على مواطن حاول أن يطعنه”، وهو الأمر الّذي سوف أقترح له في مقالي هذا تفسيرًا يلقي مزيدًا من الضّوء على هذا الحادث المُفجع.

في حوزة العائلة سجلّ يوثّق الحدث بأكمله منذ لحظة وصول الشرطيّ إلى الطّريق المؤدّي إلى المنزل وحتى اللحظة التي قُتل فيها شيرئيل رميًا بالرّصاص بعد 11 دقيقة من بداية الأحداث. وبحسب الأسرة، فقد ارتكب الشرطي خلال هذا الوقت الثمين كل الأخطاء المهنيّة المحتملة، وتجاهل التحذيرات المتكررة من جانبهم بخصوص خطورة وحساسيّة الموقف. بعد حادث إطلاق النّار، سارع أحد الجيران بتسليم العائلة نسخة من الفيديو الّذي التقطته إحدى كاميرات المراقبة من بيته، قبل أن تضع الشرطة يدها عليه. تم نشر بعض هذه الموادّ من قبل الشرطة ولكنّ النسخة الكاملة في يد العائلة، وهي لا تقوم بنشرها بعد لأسباب قانونية. وعلى الرغم من عدم وجود صوت في الفيديو، يشرح لنا الوالدان أرييلا ويوئيل والأخوة يهالوم وسابير ما نراه وما يقال هناك بطريقة تتناسب مع لغة الجسد ومع ما تتمّ مشاهدته في الفيلم.

مجريات الأحداث

في السّاعة 14:39 يحضر شرطيّ إلى المنزل ويرفض الدّخول بسبب جائحة الكورونا، وبعد دقيقة ونصف يخرج شيرئيل لمقابلته ويديران حوارًا يبدو هادئًا.

في السّاعة 14:42 ينضمّ والد شيرئيل إلى الإثنين ويستمرّ الحديث بموجب ما يصفه أبناء العائلة، حول أنّ شيرئيل ينوي طعن قطّته، وهنا يشرح الأب يوئيل أنّ هناك أمرٌ سيّء قد يحدث وبأنّ الأمور قد تنحدر نحو الخطورة. لم يكترث الشّرطيّ بالأمر مُدّعيًا أنّ تهديد الحيوانات لا يعتبر عنفًا يستلزم تدخّلًا من الشّرطة.

في السّاعة 14:45 شيرئيل يدخل إلى المنزل ويبقى الأب يوئيل في الخارج مع الشّرطيّ.

في السّاعة 14:46 تنضمّ الأخت يهالوم إلى الحديث بعد عودتها من عملها وتشرح هي أيضًا الموقف لكن دون جدوى.

في السّاعة 14:47 يتوجّه يوئيل إلى شرفة المنزل ويجلس لمراقبة ابنه شيرئيل، الّذي دخل المطبخ وبدأ بإعداد الطّعام، وبحسب الأمّ أرييلا فإنّ هذا كان من علامات وجود ابنها في ضائقة شديدة يحتاج فيها للمساعدة.

في السّاعة 14:48 كاميرا المراقبة تُوَثّق الأخت يهالوم وهي لا تزال تحاور الشّرطي وتفشل بإقناعه بالقيام بعمل ما لمساعدة أخيها.

في السّاعة 14:49 الشّرطيّ يتقدّم نحو المنزل ويتحدّث مع قائده بغضب قائلاً أنّ ليس لديه ثمّة ما يفعله هنا.

عند السّاعة 14:50 يخرج شيرئيل حاملاً سكّينًا ويبدأ بالرّكض نحو الشّرطي. يقول الأب يوئيل: “شيرئيل جلس إلى جانبي وبعدها دخل إلى المنزل وبحث عن أداة ما قد يستخدمها بالاعتداء على أحد. عندما رأيته يخرج مع السّكّين صرخت باتّجاه الشّرطيّ ‘لديه سكّين، لديه سكّين!’، وكان لديه متّسع من الوقت لإخراج المُسدّس الكهربائيّ أو إطلاق النّار نحو قدمي ابني، ولكنّهُ تصرّف بتغطرُس تامّ”.

منذ تلك اللّحظة تتفاقم الأمور خلال ثوانٍ معدودة منذ السّاعة 14:50:40 ولمدّة 11 ثانية، كانت نهايتها مصرع شيرئيل.

14:50:44 – يخرج الشرطي وشيرئيل من الطريق إلى منطقة وقوف السيارات، بينما شيرئيل يحمل سكينًا في يده ويدفع الشرطي نحو شجرة. بحسب شهادة الأخت يهالوم من حيث كانت تقف، فقد رأت شقيقها بالقرب من الشجرة لحظة لقاء الشرطي، وبيده السكين مرفوعة في الهواء وبأنه كان يضرب فخذ الشرطي بقبضة يده الأخرى.

14:50:46 – يتراجع الشّرطيّ مذعورًا وشيرئيل يلاحقه مُمسكًا السّكّين

14:50:49 – يستلّ الشّرطيّ مسدّسه ويطلق النّار على شيرئيل في الصّدر.

14:50:51 – شيرئيل يسقط أرضًا بفعل إطلاق النّار عليه، ويسقط معه الشّرطيّ أيضًا. تنفي العائلة ادّعاء الشّرطة بأنّ شيرئيل طعن الشّرطيّ، وإن حدث هذا حقًّا، فقد حدث بفعل سقوط شيرئيل على الشّرطي بعد أن أطلق النّار عليه على حدّ تعبيرهم. بعد ذلك بثوانٍ ينهض الشّرطيّ ويفرغ في جسد شيرئيل الغارق في دمه عدّة طلقات أخرى. في الفيديو يبدو وكأنّ الشّرطيّ يحاول شحن مسدّسه مجدّدًا، وحينها يخرج الأب والأخت وتقف يهالوم حاجزًا أمام الشّرطيّ كي لا يطلق مزيدًا من النّار على أخيها الّذي كان يفارق الحياة في تلك اللّحظات.

المرض المُزدوَج: الباحة الخلفيّة والمُهملة

قابلت أرييلا ويوئيل حبّورة، والدي شيرئيل، والأخت يهالوم والأخ سابير في شرفة منزلهم في روش هعاين. لا تزال الصّدمة تلاحقهم ويواجهون صعوبات في المُضيّ قدمًا بحياة طبيعيّة بعد وفاة شيرئيل. جدران الشرفة، وكذلك باقي جدران المنزل، مليئة بكتابات رسمها شيرئيل. بعضُها كُتب بروح الدّعابة، والبعض الآخر مفهوم ولكن بالكاد، لكلّ لوحة أو جملة يقدم أفراد الأسرة تفسيرات بموجب فهمهم لمعاناة شيرئيل، ألمه ووحدته في عالم لا يتقبله، وهي شهادات على روحه المعذّبة وعالمه الداخلي الذي أصبح فيه شيرئيل معزولًا أكثر وأكثر في الأشهر التي سبقت موته المأساويّ.

تُشخّص حالة شيرئيل على أنّها “مرض مزدوج”، فهو يعاني في آن واحد من الفصام (السخيزوفرينيا) إلى جانب إدمانه على استنشاق الصّمغ اللّاصق. وتروي الأمّ أنّ “شيرئيل كان ولدًا عاديًّا حتّى جيل البلوغ. كان خجولاً بعض الشّيء ولكنّه كان تلميذًا متميّزًا ولم تكن ثمّة علامات لما سيأتي مستقبلاً”، وتشهد على أقوالها شهاداته المدرسيّة المليئة بالإطراءات من معلّميه. وتكمل أرييلا أنّه “نحو جيل 14-15 بدأ شيرئيل باستنشاق الصّمغ اللّاصق، ربّما ساعده هذا بالتّغلُّب على الخجل والإحساس بالانتماء. أحبَّهُ الجميع فقد كان اجتماعيًّا ومحبًّا للغير”.

منذ أصبح مدمنًا على استنشاق الصّمغ، حصل تفاقم كبير في حالته ما أدّى إلى تسرّبه من التّعليم المدرسيّ بداية المرحلة الثّانويّة. بعد مدّة من الزّمن دخل شيرئيل إلى مركز لعلاج الإدمان وكان يبدو أنّه سيعود إلى ذاته، فبدأ بالعمل وذهب للجنديّة ولكنّه لم يستمرّ بسبب صعوبات بالتّأقلم. في عمر 21 حصل تدهور في حالته وأصبح عنيفًا وعاد لإدمانه. في هذه الأثناء اضطرّ الوالدان لاستخراج أمر قضائيّ بإبعاده حيث ذهب للسّكن في بيت جدّته.

في أحد الأيّام، انتهك شيرئيل الأمر القضائيّ وحضر لزيارة بيت والديه، فقامت الأمّ باستدعاء الشّرطة وتمّ اعتقال شيرئيل. في اليوم التّالي مثل أمام قاضي المحكمة وقُدّمت ضدّه لائحة اتّهام بالاعتداء، بما في ذلك الاعتداء على أفراد الشّرطة، ودخل سجن هداريم لمدّة شهر.

“كلّ من يقوم بحبس النّاس ولا يسمح لهم بالخروج، فمصيره الزّوال من هذا العالم” (من كتابات شيرئيل على جدران المنزل)

يروي الأب يوئيل أنّه في إحدى زياراته لابنه في محبسه، كان الابن شيرئيل في حالة يرثى لها، فقد كان في حالة ذعر تامّ وأراد فقط أن يُخرجوه من حبسه. ولكنّ القاضي وقف إلى جانب الشّرطة الّتي ادّعت بأنّ شيرئيل يُشكّل خطرًا ولا يمكن إطلاق سراحه. بالمجمل أمضى شيرئيل شهرين في السّجن، تحوّلت حياته بعدها إلى جحيم.

“كان شيرئيل مجرّد ظلّ” يروي أفراد الأسرة، ففي البيت، كان شيرئيل بحالة خوف تامّة ويصرخ بين الفينة والأخرى “افتحوا الأبواب فأنا لا أقوى على الأماكن المغلقة!”. في إحدى كتاباته على جدران البيت، تظهر صرخة من القلب كتبها شيرئيل بلغته العبريّة ومفادها: “كلّ من يقوم بحبس النّاس ولا يسمح لهم بالخروج، فمصيره الزّوال من هذا العالم”.

عند التّعمّق بلوائح الاتهام ومحاضر الجلسات في مختلف القضايا التي رُفعت ضد شيرئيل في الفترة ما بين الأعوام 2018-2012، يمكن تشخيص نمط التّعامل بأدوات فرض القانون والحبس مع شخص يحتاج إلى الّرعاية النّفسيّة. بعد حوالي عام من المحاكمة الأولى التي أدّت إلى اعتقاله المطوّل، أدركت المنظومة بالفعل أن شيرئيل يعاني من مرض نفسيّ، فتم إرساله لإجراء فحوصات أكّدت إصابتَه بالفصام. عقب ذلك، قضت المحكمة بعدم أهلية شيرئيل للمثول أمام القضاء، فأُمِرَ بدخوله المستشفى قسريًا ليقطن في عنبر مغلق في مستشفى “جيها” للرّعاية النّفسيّة، حيث تمت معالجته دوائيًّا وعاد إلى منزله بعد عدة أشهر دون خطة إعادة تأهيل أو إطار لاستيعابه.

ميخال فولديغر، وهي رئيسة منظّمة العائلات المُتضرّرة من المرض المزدوج، تقول “أنّ دخول السّجن لشخص عاديّ هي تجربة فظيعة ومهوّلة، فكيف الحال بمن يواجه معضلة نفسيّة؟” وتشرح فولديغر أنّه ما من أمّ لتقوم بالشّكوى للشّرطة ضدّ ابنها ليدخل السّجن، “فالحديث ليس عن مُجرم أو سارق، إنّما هي أمّ طلبت النّجدة ولاقت منظومة لا تمتلك القدرة على توفير الرّدود المناسبة”.

السّيّدة فولديغر هي أمّ لولد يواجه المرض المزدوج ولديها الكثير ما تقوله عن جهاز الرّعاية النّفسيّة في إسرائيل “إذا كان النّظام الصّحيّ في إسرائيل يعتبر الباحة الخلفيّة للدّولة، فإنّ جهاز الرّعاية الصّحّيّة النّفسيّة يقع في أدنى السّلّم، ومن تحتها جميعًا يقبع المرض المزدوج”. فالمنظومة لا تمتلك القدرات الّتي تتعامل مع الرّعاية النّفسيّة والإدمان بشكل فعّال ومُدمج، فمراكز علاج الإدمان لا تعرف التّعامل مع مواجهي المعضلات النّفسيّة، ومراكز الرّعاية النّفسيّة ليست لديها ردود لمن يعانون مشاكل الإدمان.

الصّباح الأخير في حياة شيرئيل

بعد الاعتقال الأول والإقامة المؤلمة في سجن هداريم، خضع شيرئيل لخمسة اعتقالات وإجراءات قانونية أخرى، في الفترة بين 2013-2018. وهكذا، بدلاً من مقابلة مقدمي الرّعاية وموظفي الدعم، وبدلاً من الخضوع لإعادة التأهيل وعملية الشفاء التي كان في أمس الحاجة إليها، قابل شيرئيل ضباط الشرطة مرارًا وتكرارًا، حيث عانى من المزيد والمزيد من العنف الّذي شوّه روحه المعذبة أصلاً وعمق الصدمة التي عانى منها. في نهاية كل إجراء من هذا القبيل، تم الإقرار بأنه غير مؤهّل للمثول أمام المحكمة وتمّت إحالته إلى الحجر القسري في المستشفى، هناك كان يتعافى لعدّة أشهر حتّى تتمّ موازنة حالته طبياً ومن ثم تسريحه للمنزل نحو الانتظار اليائس لتفشي المرض مجدّدًا.

تقول أرييلا: “في الصباح الذي سبق يوم استقلال إسرائيل الأخير، شعرنا أن الوضع يتدهور، فبسبب فيروس كورونا، كان من المفترض أن تخضع الدولة بأكملها لحظر التجوال. قلت لشيرئيل، ‘إذا لم توافق على الذهاب إلى مستشفى “جيها” (مستشفى للرّعاية النّفسيّة) لتلقي المساعدة، فسأقدم شكوى إلى الشرطة’. ووافق على طلبي”. ذهبت الأمّ وابنها إلى الشّرطة ولكنّ الشّرطيّ قال لها أنّه ليس لديه ما يفعل إذا لم يكن شيرئيل عنيفَا، وإن كانت بحاجة لمساعدة لإدخاله للرّعاية القسريّة في المستشفى فعليها التّوجّه إلى المستشفى، فعادت الأمّ خالية الوفاض.

بقي شيرئيل في البيت ذلك اليوم، وكان الجميع يفهمون أنّ خطبًا ما ينذر بالشّرّ يحيط بالأجواء، وفي صباح اليوم التّالي تدهورت الأمور أكثر وأكثر واتصلت الأمّ أرييلا للعيادة ولكنّها لم تتلقّ أيّة مساعدة من الطّاقم. مع مضيّ الوقت ازدادت عوارض المرض وقال شيرئيل أنّه ينوي طعن حيوانات المنزل من كلاب وقطط، وحين تمّ الحديث مجدّدًا مع عيادة الرّعاية النّفسيّة قيل للأم: “إذا كان عنيفًا فاطلبي الشّرطة”. اتّصلت الأمّ بالشّرطة وادّعت أنّ شيرئيل يتصرّف بعنف كي تقنعهم بالحضور لتقديم المساعدة لها قائلةً أنّ شيرئيل يريد أن يقوم بعمليّة طعن. بعد عدّة دقائق حضر الشّرطيّ إلى المنزل، وبعد ذلك بدقائق، انتهت الأمور إلى ما آلت عليه وقُتل شيرئيل.

أرييلا ويوئيل حبّورة في منزلهما, يوليو/تمّوز 2020 (آفي بليخرمان)

في دُكّان تحف خزفيّة

خلال بحثه، استمع مراسلنا إلى مختصّين ومُختصّات في مجالات ذات صلة بتعامل الشّرطة مع المرضى النّفسيّين، سعيًا لتعميق فهم الصّورة على أرض الواقع. أحدهم كان أ. الدّكتور جاي بن بوراط، وهو باحث في علوم الاجتماع في جامعة بن غوريون في النّقب، والّذي قال بأنّ أحد الأسئلة الواجب طرحها هو: لماذا يتمّ إرسال رجال شرطة لمعالجة هذا النّوع من اللّقاءات ولماذا لا توجد بدائل لدى الشّرطة؟ وسؤال إضافي يطرحه الأستاذ بن بوراط هو حول موضوع الميزانيّات الهائلة الّتي يتمّ إنفاقها على الشّرطة من المال العامّ، وهل على الجمهور بأن يسأل إذا ما كان من المفضّل تحويل الميزانيّات هذه لأمور ملحّة كالخدمات الاجتماعيّة والصّحّيّة خصوصًا تلك الّتي تتعلّق بصحّة النّفس.

ومن جهة أخرى تقول الحقوقيّة دوريت نحماني-ألبك، وهي المُدّعية العامّة اللّوائيّة في قضاء تل أبيب، أنّ قسمًا كبيرًا من الحالات كان من الممكن أن لا تتفاقم إلى حدّ الجنايات إذا ما كانت هناك ثمّة عمليّة علاجيّة-مجتمعيّة تعمل على الصّعيد المدنيّ، وهي تصف مجيء شرطيّ للتّعامل مع شخص يعاني معضلة نفسيّة، مثلها كمثل “إدخال فيل إلى دُكّان للتّحف الخزفيّة” كمثال على الحساسيّة الشّديدة في التّعامل مع حالات الانهيار النّفسيّ والعنف النّاتج عن الاضطراب، وتُشدّد على ضرورة فسح المجال لمُختصّين في النّفس لمعالجة ومتابعة الأمر. وتضيف أنّ تطبيق قانون الجنايات على شخص يتعرّض لصعوبات نفسيّة، هو غير متلائم بأفضل الأحوال.

فالمشكلة هي مشكلة جذريّة وتحتاج إلى تغيير معالم المنظومة بشكل عميق، إذ يتّفق الجميع على أنّ المسار الجنائيّ هو هدر للأرواح والأوقات، وموت شيرئيل المأساوي لم يكن الضوء الأحمر الوحيد الّذي ظهر في جثمان جهاز الصّحّة النّفسيّة المتهاوي في إسرائيل، فلذلك تقوم أرييلا الأم بالبحث عن سبل لمساعدة من تبقّوا ولرفع مستوى الوعي بخصوص التّعامل مع من يواجهون المرض المزدوج.

مرّت أكثر من ثلاثة شهور على حادث مقتل شيرئيل، ولا تزال القضيّة تحت تحقيق الشّرطة في قسم التّحقيق مع أفراد الشّرطة (מח”ש)، وبحسب تعقيب القسم للموقع، فإنّه سيقوم بإحالة الملفّ قريبًا إلى المدّعي العامّ الشّرطيّ لأجل اتخاذ القرارات. وإلى ذلك الحين، فإنّ مأساة شيرئيل وعائلته هي سيناريو متكرّر من إهمال متفشّ في جهاز الصّحّة الرّسميّ، والّذي تحتاجه الطّبقات المستضعفة أشدّ ما تحتاج، ولكن أرض الواقع، تثبت فشل الدّولة وأجهزتها مُجدّدًا في حماية ضعفائها وتقديم الرّعاية لمن يحتاج على مبدأ العدل والإنصاف والعيش الكريم للإنسان، ولا يبقى في هذا الحال سوى محاولة التّعويل على المؤسّسات غير الرّبحيّة والّتي تعنى بتحسين شؤون وظروف المعانين من المعضلات النّفسيّة وشؤون عائلاتهم.

ردود كلّ من وزارة الصّحّة،  الشّرطة وقسم التّحقيق مع أفرادها تظهر بأكملها في النّسحة الأصليّة العبريّة للمقال في موقع هعوكتس – اللسعة باللغة العبريّة.

للمساهمة في دعم العائلة لتحمُّل النّفقات القضائيّة – حملة جمع تبرّعات للتّضامن مع عائلة حبّورة

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.