احتجاجات عين العاصي في مرج بيسان: ما بين الفلسطينيّ والشّرقيّ

تتصاعد حركة احتجاجيّة نظّمها فتيان من مدينة بيسان (بيت شان – بالعبريّة) يطالبون بفسح المجال أمامهم وأمام جميع المواطنين في إسرائيل للوصول إلى إحدى عيون الماء الطّبيعيّة المُسمّاة “عين العاصي” في منطقة المرج، والّتي تسيطر عليها القرية التّعاونيّة الصّهيونيّة “كيبوتس نير دافيد”، ما أهمّية هذا النّضال ودلالاته على الفلسطينيّين
ياسر أبو عريشة

 

بينما يستمرّ رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باحتفالات السّلام والتّرويج للمعاهدة التّاريخيّة مع دولة الإمارات العربيّة المُتّحدة، لا تزال السّاحة الإسرائيليّة تشهد موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات على جميع الأصعدة، والّتي انطلقت قبل عدّة شهور بسبب الجدل الدّائر حول صدقيّة استمرار نتنياهو بتولّي منصبه كرئيس للحكومة، على الرّغم من تقديم لائحة اتّهام ضدّه تشمل الرّشوة، الاحتيال وخيانة الأمانة.

وقد ازدادت حدّة هذه الاحتجاجات مع ازدياد الضّائقة الاقتصاديّة الّتي يُعاني منها المواطن الإسرائيلي جرّاء تفشّي فيروس كورونا، إذ تُشير التّقديرات إلى وجود ما بين نصف مليون إلى مليون شخص عاطل عن العمل في إسرائيل. كما انهارت العديد من المصالح التّجاريّة في شتّى المجالات وفقد الكثيرون من أصحابها مصادر رزقهم، وهم يلقون باللّوم على الحكومة الّتي لا تملك مُخطّطًا واضحًا لإخراج البلاد من هذه الأزمة.

هذا الاضطراب الّذي تشهده إسرائيل جعل الكثيرين يطرحون أسئلة ثاقبة حول أمور جوهريّة تخصّ نظام الحكم في إسرائيل وسياسات الحكومة الّتي يرأسها نتنياهو منذ أكثر من 10 أعوام على التّوالي، فبالإضافة إلى الاحتجاج ضدّ الفساد، اندلعت عدّة نضالات أخرى بمواضيع مختلفة، ولكلّ منها منحاه الخاصّ ولكنها تخلُص إلى مكان واحد: فساد المنظومة وتردّي القدرات الإداريّة في أجهزة الدّولة.

أحد هذه الاحتجاجات جاء من الهامش الاجتماعيّ والجغرافيّ في إسرائيل، وبالتّحديد منطقة مرج بيسان غربيّ نهر الأردنّ، الّتي يسكنها عدد كبير من اليهود الّذين ينتمون لعائلات تعود جذورها للبلاد الإسلاميّة والعربيّة، حيث تتصاعد حركة احتجاجيّة نظّمها فتيان من مدينة بيسان (بيت شان – بالعبريّة) يطالبون بفسح المجال أمامهم وأمام جميع المواطنين للوصول إلى إحدى عيون الماء الطّبيعيّة المُسمّاة “عين العاصي” والّتي تسيطر عليها القرية التّعاونيّة الصّهيونيّة “كيبوتس نير دافيد” والمقامة على أراضي قرية السّاخنة الفلسطينيّة المهجّرة.

مظاهرة في عين العاصي 14.8.2020 (ياسر أبو عريشة)

ويلقى هذا الاحتجاج دعمًا كبيرًا من فئات متنوّعة من المجتمع اليهوديّ (الشّرقيّ خاصّةً) والفلسطيني في الدّاخل على حدة، تجمعهم مقاومة الغطرسة الكيبوتسيّة في الاستيلاء على الموارد الطّبيعيّة وجني الأرباح الطّائلة من استخدامها التّجاريّ لموارد تُعتبر من الحقّ العامّ. قانونيًّا، لدى جميع مواطني إسرائيل الحقّ في الوصول إلى العين، ولكنّ القرى التّعاونيّة الصّهيونيّة، الّتي تُعتبر النّواة الصّلبة للمؤسّسة الصّهيونيّة، ترفض أن تفتح أبوابها أمام أهل المنطقة بادّعاءات غير مبرّرة كحماية العين من التّلويث أو الحفاظ على النّسيج المُجتمعي للقرية التّعاونيّة الّتي يسكنها من تعود أصولهم إلى أوروبا بغالبيّتهم، ولكنّ الحقيقة الّتي لا لُبس فيها، أنّ هنالك دوافع تشوبها العنصريّة والكراهيّة تجاه أهل مدينة بيسان/بيت شان، بل ويلقى كيبوتس نير دافيد حمايةً خاصّة من الشّرطة في محاولة كسر المحتجّين والمحتجّات. ولكن على عكس ما توقّعه الكيبوتس الّذي سكب أموالاً طائلة باستئجار شركة للعلاقات العامّة سعيًا لتشويه صورة الاحتجاج والمحتجّين، فإنّ الاحتجاج يتّسع يومًا بعد يوم كالنّار في الهشيم.

وتعود جذور التّوتّر المذكور سابقًا إلى طبيعة العلاقة الّتي نشأت بين الطّرفين منتصف الخمسينات من القرن الماضي، حين كانت دولة إسرائيل في بداياتها وكان رئيس حكومة إسرائيل آنذاك، دافيد بن غوريون، يبحث عن حلّ لما دعاه “المشكلة الديمغرافيّة”، إذ كان هدفه الواضح هو أن يكون لليهود أكثريّة مُطلقة تمنع في المستقبل أيّة إمكانيّة لأن تقوم قائمة للشّعب الفلسطينيّ في أرضه، فبعد النّكبة وفرض الحكم العسكريّ على من تبقّى من فلسطينيين في الدّاخل، كانت الخطّة الأساسيّة هي جلب ما يقارب المليون يهوديّ دفعة واحدة من أوروبا، ولكنّ هذا لم يكن ممكنًا بسبب نتائج المحرقة النّازيّة في الحرب العالميّة الثّانية.

على مضض، اضطرّ بن غوريون أن يتنازل عن يهود أوروبا وأن يبحث عن مكان آخر يستطيع من خلاله إحضار عدد كبير من اليهود، فوصل به المطاف إلى يهود المغرب العربيّ والمشرق، فاستقطبت إسرائيل مئات الآلاف من يهود المنطقة الإسلاميّة والعربيّة إبّان النّكبة الفلسطينيّة عام 1948، على عجل وبإيعاز وتدبير من قادة الحركة الصّهيونيّة مثل شمعون بيريس وموشيه شاريت.

مُعظم هذه العائلات الّتي وصلت إلى إسرائيل آنذاك، لم تتلقّ الرّعاية والعناية المناسبة من قبل السّلطات الإسرائيليّة، بل ولقي الكثير منهم معاملة مهينة وعنصريّة، بل ووصل الحدّ إلى اختطاف الأطفال من أمهاتهم خصوصًا اليمنيّات منهن. غالبيّة هؤلاء المهاجرين تمّ توطينهم في مُخيّمات كانت تُسمّى المعابر (מעברות) أقيمت على أنقاض القرى والمُدُن العربيّة المُهجّرة، كمدينة بيسان، ومع مرور الوقت أصبحت هذه المخيّمات حارات سكنيّة لتتطوّر وتصبح اليوم بلدات بأكملها. وبالمقابل فإنّ اليهود من غير الشّرقيّين تمتّعوا بكامل الدّعم من النّظام الحاكم وحصلوا على الامتيازات والتّقدُّم بينما الشّرقيّون يلاحقون لقمة العيش الكريم في وطن الأحلام، ولا تزال الفروقات الاجتماعيّة، الاقتصاديّة والتّربويّة بارزة للعيان في الكثير من البلدات الّتي يقطنها اليهود الشّرقيّون.

إنّ نضال النّشطاء والنّاشطات لأجل تحرير عين العاصي من قبضة الكيبوتس، تحتوي على رمزيّات ودلالات كثيرة، وهي لا تقف فقط عند حدّ فسح المجال للجمهور بزيارة العين، بل فيها كسر لحواجز قديمة بين فئات مختلفة في المجتمع، تضرّرت بفعل سياسات الحكومة وتعاملها العنصريّ مع كلّ من لا ينتمي لفكرها أو يمشي بموجب عقائدها لكي منح الامتيازات للمقرّبين ولذوي النّفوذ. لدى الفلسطينيّن في الدّاخل الآن فرصة ثمينة لتحصيل الحقوق عبر العمل المشترك مع مناضلين ومناضلات لأجل العدل الاجتماعي والحرّيّة وتحسين العيش الكريم للإنسان، ففي اليوم الّذي ستتحرّر عين العاصي فستكون المياه مُتاحةً أمام الجميع، دون تفرقة ودون عنصريّة ما سيؤدّي إلى فتح أبواب جديدة تساعد على تقصّي حقيقة ما حصل تاريخيًّا على أرض فلسطين وإسرائيل والتّغلُّب على الجهل في سبيل بناء مستقبل أفضل لبلادنا وأهلها.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.