إنّ ما أصابني يصاب به أطفال فلسطينيون بين الحين والآخر، حين نقتلع نحن الإسرائيليّون عيونَهم

بعد سنوات من إصابته بجروح بالغة وفقدان إحدى عينيه في عمليّة تفجيريّة انتحاريّة في القدس، د. أساف دافيد يروي قصّته ويسرد رؤياه كضحيّة من ضحايا الصّراع
د. أساف دافيد

 

في مثل هذا اليوم قبل خمسة وعشرين عامًا أُصبت بجروح بالغة في عملية انتحاريّة نُفِّذت داخل حافلة أثناء مرورها في حيّ “رامات إشكول” بالقدس، ففقدت إحدى عينَي وأصيبت ذراعي.

إنّ عبارة “إعادة التأهيل” بعد الإصابة هي باللّفظ فقط، فمن الإصابات الّتي عانيتُ منها ما هو خارجّي ويظهر للعيان، ولكن منها ما تركَ أثرًا نُقِشَ في نفسي ولا يزال يرافقني ويرافق عائلتي وأصدقائي. مات شخصان كانا واقفين إلى جانبيّ ميتةً غريبة يعجز عن وصفها اللّسان، وإنني، وإن لم أكن أعرفهما شخصيًّا، إلا أنني أتذكر اسميهما، كما وأذكر اسم  مُنفّذ العمليّة الّذي كان ينتمي لحركة حماس. ذاك اليوم حملني بعض الجالسين في الجزء الخلفي من الحافلة وساعدوني في الخروج من الحافلة المُدمّرة كُلّيًا. كان الأشخاص الّذين قاموا بتخليصي قد أصيبوا ببعض الشّظايا في أيديهم، وكان أحدهم قد زارني في المستشفى ليروي لي أن ما شهده قض مضجعه بالمعنى الحرفي لهذه العبارة لشهور وشهور، أما أنا فقد كان حظّي أننّي سقطتُ على أرضية الحافلة، ما وفّرَ عليّ رؤية الفظائع.

وعندما تراودُني الأفكار عن ذلك اليوم، تعود الى ذهني ومسامعي وأنفي تلك الصدمة وذلك الصمت الّذي يخترقه الصراخ والألم والرائحة المُرَوّعة، ولذلك فإنّني أبذلُ ما في وسعي محاولاً تَجنُّب الذكرى. سقط عدد آخر من القتلى وعدد كبير من الجرحى في الحافلتين اللتين كانتا تسيران الواحدة بمحاذاة الأخرى. وأوضح الأطباء آنذاك أن إصابات الأطراف في الصيف تختلف عن طبيعة الإصابات الناشئة عن دوي الانفجار في الشتاء، حيث تكون نوافذ الحافلات مغلقة. كانت هذه واقعةً أدّت إلى تغيير هائل طال حياة عدد كبير من العائلات، والى الأبد.

د. أساف دافيد (تصوير: إيبي بوسمات)

أكاد لا أمر من ذلك المكان المشؤوم، فأنا اسلك بشكل دائمٍ طريقا آخرإلى مكان عملي في الجامعة العبرية في القدس, ولكن حين يحصُل وأن أفعل ذلك، أي أن أسافر من موقع العمليّة، فإنّني أرى من جديد حجر الرّصيف الذي أقعدوني عليه بعد إخلااجي من الحافلة، والسور المصنوع من الحجر المقدسي الذي ما زلت أتخيل آثار السّخام عليه، والنّصب التّذكاريّ المتواضع لضحايا العمليّة، فتغمرني الذّكرى ويفوّت قلبي عليّ نبضةً، ليفلت مني كل هذا “التأهيل” عبر نافذة السيارة المغلقة، حتى لو كان الموسم صيفا.

كان العام 1995 بداية عصر العمليات الانتحارية في الحافلات، ولم تكن إسرائيل بأجهزتها الأمنيّة قد اكتسبت الخبرة الكافية في هذا المضمار آنذاك، إذ تلت تلك العمليّة عملياتٌ مروّعةٌ غيرها داخل الحافلات والأماكن المكتظّة بالنّاس، حيث بات إحصاؤها أمرًا يتعذّرُ فعله، ناهيك عن تلك العمليّات التي سبقتها بيومين أو أسبوعين أو سنتين، إذ تبدو الصور جميعها متماثلة، ولكنها لا تُظهر شيئا.

بكيت مرتين بسبب تلك العملية، كانت أولاهما خلال رقودي في قسم جراحة الرأس في مستشفى هداسا عين كارم المقدسي، حيث كان الممرض  عُمَر يقوم بتغيير العصابة الّتي على  عيني وبتنظيف الجرح وتعقيمه عددًا لا يُحصى من المرّات. وظل عُمَر يتمتم بضع كلمات حول القسوة والعنف وكانت عيناه تفيض من  الدّمع ، ولم يكُن لي إلاّ أن أذرِفَ معه الدّموع. أما المرة الثّانية فكانت بعد ذلك بسنين، وخلال زيارة أجريتها في الأردن، بعد أن كنت قد “تأَهّلت” للعودة إلى حياة “طبيعيّة”. كنت برفقة مجموعة من المزارعين والمرشدين الإسرائيليين الذين كانوا يدرّبون نظراءهم الأردنيين ضمن دورة خاصة حول التخلُّص من الحشرات والقوارض بواسطة طيور البوم. وروى صديق أردني حميم لصديق أردني آخر كنت قد تعرفت عليه في اليوم ذاته أنّني أصبت بجراح إثر عملية انتحارية وفقدت عيني جرّاء ذلك، فتقدم الأخير مني وسألني: “من الّذي أصابك بأذى؟، أهُوَ فلسطينيّ؟”، فأجبته قائلا: “نعم، ومن يكون إن لم يكن فلسطينيًّا؟” فاقترب مني مشيرًا إلى عينه قائلا: “هي لك عوضا عن عينك”، فتذكرت أنّ أبي قال لي العبارة ذاتها بعد إصابتي ليواسيني ويُخفِّف عنّي.

وعلى مر السنين كدت لا أحدّثُ أحدًا بقصّتي سوى  قلّة قليلة، رغبة منّي في الفصل بين الماضي والحاضر والعيش حياة عادية، تلك الّتي يعيشها الناس العاديّون الّذين يواجهون تحدّيات شخصية ومهنية يوميًّا، ليحمل كلٌّ حمله. وكثيرا ما كنت أحضر اجتماعات ونقاشات أكاديمية ومهنية حول الصّراع والإرهاب أدارها أكاديميّون وباحثون،  وكنت أريد النّهوض لأصرخ في وجوههم: “ماذا تعلمون عن هذا كله؟” ولكنني التزمت الصمت.

وقبل خمس سنوات تصدّعَ صمتي لأول مرة، ضمن تقرير لصحيفة “هآرتس”، حيث فكرت مليًّا لأتوصّل إلى أنه من المناسب الربط ما بين مبادرة “منتدى التفكير الإقليمي” الذي أترأسه وما بين الواقع بهذا الشكل بالذات. وسرّني أن الصحفيّ الّذي قابلني، هيلو غلازر، تطرّق إلى هذه الفقرة بشكل مقتضب وبحساسيّة ليحسن ربطها بموضوع التّقرير، ألا وهو المنتدى. كنت قد قلت ضمن التحقيق الصحفي الممهّد للتقرير وفي مقابلة أو اثنتين بعد أن نُشر، إنّ ما أصابني يصاب به أطفال فلسطينيون بين الحين والأخر، حين نقتلع نحن الإسرائيليّون عيونَهم وأحيانا حياتهم، بواسطة العيارات المطاطية أو الرصاص الحيّ أو حرقًا أو قصفًا، إذ لا دولة من ورائهم ولا مؤسساتٍ قويةً تمدّ إليهم يد العون مثلما مُدَّت إلي، ليظلوا قابعين في منازلهم بلا هدف ولا امل ولتكون حياتهم قد أصابها الدمار التام. إنّ هؤلاء لم يكونوا إرهابيين عند تعرّضهم للإصابة، ولكنّهم قد يصبحون كذلك نتيجة لتعرّضهم للعنف والأذى – هم أو ذويهم – عندما يكبرون.

وفي أعماق نفسي، فكّرت في أنني لو رويت ما حدث لي، فقد تفسح روايتي المجال أمام البعض للحصول على صورة مغايرة وقد تلقي ظلالا من الشك في أذهان الناس حول الصّراع والإرهاب.

إنّ محاربة الإرهاب تشمل محاربة المواقف والمعتقدات والأعمال العنصرية ضمن المجتمع الإسرائيلي وتستدعي وضع المرآة القاسية أمامه، علمًا بأن الوجهين هامّان وقابلان للتحقق ولا يناقض أحدهما الآخر. ولعل قصتي حين تُجمع بالأمور التي نكتب ونتحدث عنها ضمن المنتدى (منتدى التّفكير الإقليمي) ستؤدى إلى التّفكير لا فيما يسبّب  لنا الفلسطينيّون من معاناة وحسب، بل أيضا فيما نسببه نحن لهم من معاناة، والّذي يوقع الأبرياء من الجانبين يومًا بعد يوم في دائرة لا تنتهي من الدّماء والعنف المتبادل والثأر.. وعلى الرّغم من عدم تفاؤلي بقدرتي على الإقناع وتغيير سلوكنا وممارساتنا، إلا أنني أحاول أن أكون متفائلا، بل من واجبي أن أكون متفائلا.

 

د. أساف دافيد هو رئيس موضوع إسرائيل في الشرق الأوسط في معهد ڤان لير في القدس والمؤسِّس المشارك لمنتدى التفكير الإقليميّ والمدير الأكاديميّ للمنتدى وأستاذ غير متفرغ بقسم العلوم السياسية في الجامعة العبرية في القدس

الترجمة من اللغة العبريّة: يتسحاق شنيبويم

 

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.