على حافّة كارثة إنسانيّة: غَزّة بين مطرقة الحصار وسندان الجائحة

العقوبات الإسرائيلية الأخيرة تزيد من استحالة السّيطرة على الوباء في ظروف هي أقسى ما يكون في غزّة. على إسرائيل أن ترفع الحصار والعقوبات عن غزة وبأن تقوم بتزويد القطاع بكل ما يلزم لمواجهة الوباء
غادة مجادلة

 

كسر الحصار ورفع العقوبات عن قطاع غزة كان وما زال المطلب منذ 14 عامًا، لكن مع تفشي وباء الكورونا داخل القطاع، الأمر الّذي لطالما كان يخشاه الكثيرون على مدى الاشهر الماضية، بات أمرُ كسر الحصار المفروض على غزّة ورفع العقوبات عنها أمرًا إلزاميًّا وضرورياً لتفادي تدهوُر القطاع الى كارثة انسانيّة، صحية واقتصادية قد تُضاعف من حجم المعاناة لسُكّان القطاع.

يشهد قطاع غزة إغلاقًا تامًّا منذ ليلة الاثنين الماضي وذلك عقب تأكيد وجود عدد من الإصابات بفيروس كورونا لأوّل مرّة داخل المجتمع الغزّي، إذ في الفترات الماضية منذ بدء تفشّي الوباء حول العالم، دار الحديث فقط عن إصابات تمّ التّأكُّد منها في مراكز الحجر الصحي للعائدين من معبر رفح ومعبر بيت حانون.

وتكمن الخطورة في تفشي وباء كورونا داخل القطاع والإغلاق التًام في أمرين اثنين أساسيّين: الوضع الصحي المتردي في قطاع غزة في ظل الحصار الإسرائيلي والإجراءات العقابيّة المفروضة على سُكّانه من جهة، والأزمة الاقتصادية الخانقة المتمثلة بنسبة بطالة تتعدّى ال-45% من جهة أخرى.

مخيم المغازي، غزّة (أحمد المغاري)

 

وبغضّ النّظر عن تداعيات فيروس كورونا، فإنّ النظام الصحي في غزة يعاني شُحّ الموارد بشدّة حتّى من قبل الجائحة ويواجه صعوبات بالغة سعيًا لتقديم خدمات الرعاية الصحية للمرضى، وذلك نتيجة الحصار الإسرائيلي والعقوبات المفروضة في إطاره ما جعل سُكّان قطاع غزّة معزولين في حبسهم الجماعيّ، بالاضافة لتشكيلة من الظّروف الصعبة التي ترسم الحالة الصحية مثل تردّي مستوى مياه الشرب أو انعدامها، عدم توفّر الكهرباء والطاقة إلّا لسويعات قليلة خلال اليوم، البطالة وصعوبة كسب الرّزق.

هذا ويعاني القطاع الصحي في غزة من نواقص مزمنة وحادّة كالنّقص بالمعدّات والاجهزة والخبرات الطبية كما الأدوية، بحيث تفيد وزارة الصّحّة في غزّة أنّه ومنذ بداية أزمة كورونا يوجد نقص حادّ بنسبة 50% من مخزون الأدوية، من بينها أدوية لعلاج الكلى، السّرطان، السّكري وغيرها من الأمراض المزمنة. هذا النّقص المذكور هو تفاقُم لما كان قبل ازمة كورونا، ففي السنوات الاخيرة كان هناك نقص بنسبة 40-42% بشكل جارٍ.

يعاني القطاع الصحي في غزة من نواقص مزمنة وحادّة كالنّقص بالمعدّات والاجهزة والخبرات الطبية كما الأدوية

إنّ الحصار الّذي تفرضه إسرائيل منذ 14 عامًا على غزّة، يتمثّل بتقييدات صارمة على حركة سكٌان القطاع، والتي طالت الطّواقم الطبيّة وأدّت لمنعهم من التعلم وكسب المعرفة بما يتعلق بالتحديثات في المجالات الطبيّة. ونظرًا لهذه النواقص، فإنّ دائرة شراء الخدمة في وزارة الصحة في غزة تقوم بتحويل ما يقارب 2000 من المرضى شهريًا لتلقي العلاج خارج القطاع، في اغلب الاحيان لمستشفيات الضفة الغربية وشرقي القدس. ومنذ أزمة كورونا ومرورًا بوقف التنسيق بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، والآن الإغلاق التام (والذي يشمل إغلاق المعابر ومنع خروج المرضى للعلاج, باستثناء الإسعافات للحالات الحرجة, وعدد هذه قليل جدًّا)، فإنّ عدّة مئات فقط من الحالات الصعبة والانسانية تغادر القطاع للعلاج الطبّي. معنى ذلك أنّ المستشفيات في غزة مضطرة لإيجاد حلول لمرضى لا تتوفر علاجاتهم في القطاع، وهذا يثقل كاهل الطّواقم الطبيّة المتعبة، وفي أحيان كثيرة يعني هذا أنّ ما يزيد عن 1500 مريض لا يتلقون العلاج منذ أشهر، من بينهم مرضى السرطان.

وعلى صعيد الأطقم الطّبيّة الّتي تقف في الخطّ الأماميّ لمواجهة الوباء، فهنالك خطر على صفوف العاملين والعاملات في القطاع الصحي بسبب نواقص حادة في المعدّات الوقائية، كما وان الكثافة السكانية والظروف المعيشية تجعل الحفاظ على الإجراءات الاحترازية والوقائية أمرًا شبه مستحيل. هذا بالاضافة كما ذكرت سابقًا إلى نقص باللوازم والمعدات الاساسية اللازمة لمعالجة مرضى الكورونا مثل اجهزة التنفس التي لا يتعدى عددها ال- 90 جهازًا في القطاع كلّه الّذي يسكنه ما يقارب مليوني إنسان، وذلك بعد تأمين 10 أجهزة جديدة منحتها منظمة الصحة العالمية لقطاع غزّة.

إنّ القطاع الصحي في غزة بحاجة للأجهزة الطّبية، للطّواقم المُدربة والمختصّة، للّوازم والمعدات الأساسية للوقاية، والواقع المتمثّل في أزمة الكهرباء والوقود والعقوبات الإسرائيلية الأخيرة إنّما يزيد من استحالة السّيطرة على الوباء في ظروف هي أقسى ما يكون. وبسبب كل ذلك، يجب على إسرائيل أن ترفع الحصار والعقوبات عن غزة. كما وعليها، ككيان مُحتَلّ، وكمن تحتفظ لنفسها بغالبيّة القوّة، الصلاحيات والسّيطرة، بأن تقوم بتزويد القطاع بكل ما يلزم لمواجهة الوباء.

 

غادة مجادلة هي مديرة قسم الأراضي الفلسطينيّة المُحتلّة في مُنظّمة أطبّاء لحقوق الإنسان

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.