الاحتجاجات الرّاهنة في إسرائيل وعواقبها على النّظام الاستعماري

تشهد إسرائيل موجة من الاحتجاجات الموجّهة ضدّ الحكومة ورئيسها بنيامين نتنياهو الّذي يواجه تُهمًا بالفساد، ما هي مآلات هذه الاحتجاجات وعواقبها في ظلّ تفشّي الوباء وتردّي الأوضاع الاقتصاديّة في البلاد؟
محمد قعدان

“نحارب الجائحة، بينما اليسار يحارب الحكومة. إنّ المظاهرات يُحرّكُها داعمو الـ ” لا سُلطة ” – وليس أولئك الذين تضرّروا حقًا بفعل الجائحة، ولا من فقدوا أعمالهم وأملاكهم”.

رئيس الحكومة الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، جلسة الكنيست، 5 آب/أغسطس 2020.

تمهيد

تظاهرات حاشدة في الأسابيع والأشهر الأخيرة فجّرت جميع الأزمات التي تواجهها دولة إسرائيل في وجهِ رئيس الحكومة نتنياهو. أزمة سياسية وأزمة صحية وأخرى اقتصادية، حفّزت العديد من المواطنين اليهود للتظاهر والخروج ضدّ سياسات هذا الأخير، مهددةً وجودَه  السياسيّ في إسرائيل، ما يقودنا إلى نقاش مقولة المتظاهرين “نتظاهر إلى أن يستقيل الفاسد نتنياهو”، والّتي تحملُ في طيّاتها مركبّات معرفية وسياسية واقتصادية. وهذا يعيدنا إلى الاقتباس في مقدمة النصّ؛ إذ أنّ إشارة نتنياهو إلى اليسار وما أسماهم داعمي اللّا سُلطة تبيّن لنا معالم الصراع، وإن كانت شعاراتُه للتحريض، فإنّ هذا لا يتعارض مع حقيقة أنها أصبحت جُزءًا من ثقافةٍ سياسية قائمة، أو قالبًا يتم من خلالهِ استهداف المتظاهرين. 

حينما ننظرُ إلى الواقع الإسرائيليّ، الذي أنتجتهُ وتعيد إنتاجَه مؤسسات الدولة وأجهزتها في العقود الأخيرة، نعي أن الشروخات في المجتمعِ الإسرائيلي لم يعد بالإمكان حجبها، فقد تقدّمت إلى المشهد السياسيّ العامّ، في الانتخابات، في الكنيست وفي الحياةِ اليومية، وبالتالي علينا أن نقف على ما يجري مؤخرًا على أساسات التغيّرات الاقتصادية والسياسية النيوليبرالية منذُ بدايات حُكم اليمين في السبعينيات من القرن الماضي.

قبل الحديث عن التظاهرات، أودّ أن أشير إلى السياق السياسيّ التاريخيّ الذي تقف فيهِ إسرائيل اليوم من منظورها لذاتها؛ فمع بدايات تأسيس الدولة والمجتمعِ السياسيّ، أقام بن جوريون الثقافة السياسية التي جمعت اليهود من مختلفِ الثقافات والشعوب والعوالم، من خلال ما أسماه بـ”الدولانية” أي مركزية الدولة في المجتمعِ السياسيّ (statehood) وبأنّ الدولة هي مركز الخطاب والممارسة السياسيّ من جهة، والعملِ العسكريّ والاستيطاني من جهةٍ أخرى. وباختصارٍ شديد، مع احتلال باقي الأرض الفلسطينية في عامِ 1967، وحرب أكتوبر عام 1973، وبروزِ مشكلات الهوية والأرض والأمن، تقدّم اليمين إلى الساحةِ السياسية ومن هُنالك بدأت الثقافة السياسية “الدولانية” بالانكسار، وهذهِ النقطة بالذات ما زالت مستمرة وفق بروفيسور يديديا شتيرن في مقالتهِ “الدولانية في الوقتِ الحاضر” (ממלכתיות בעת הזאת) والتي نشرت في “المعهد الإسرائيليّ للديمقراطية”، وفي هذا السياق يرى شتيرن أن الأزمة ما زالت مستمرة، والاحتجاجات الأخيرة وضعت إسرائيل في حالة “ديمقراطية في أزمة”. منطلقًا من هذا السياق، سأحاول تحديد الاحتجاجات الجارية، جذورها ومآلاتها.

 

التظاهرات تفجّر الأزمات

موجة كورونا الثانية (كما أسمتها الحكومة ووسائل الإعلام) كشفت عُمق الصدع في التعاطي مع الجائحة، والتقييدات التي أعقبتها، وسبّب ذلك خروج العديد من الإسرائيليين من سوق العمل، دونَ تقديم دعمٍ حقيقيّ لما يُقدّر بأكثر من نصف مليون عاطل عن العمل، وعائلاتهم. وكانت هذهِ نقطةً مفصليّة توالت الأزمات من بعدها. ومن السّهل ربط الأزمة السياسية التي برزت منذ فتراتِ الانتخابات الأخيرة والمتعلقة بعدمِ إمكانية تشكيل حكومة مُستقرّة، بملفات الفساد لرئيس الحكومة نتنياهو من جهة ومناورات حزب “كاحول لافان” الّذي قاده رئيس الأركان السّابق، بِيني جانتس، من جهة أخرى. 

والأمر يبدو ظاهرًا في حراك “الرايات السوداء” الّذي يُعتبر أحد الأطراف الأساسيّة الّتي بادرت لهذهِ التظاهرات، واّلذي نشأ في خضمّ الأزمة السياسية الموجهة ضدّ “رئيس الحكومة الفاسد وحاشيتهِ”، ويعزو أولئك الّذين يقفون من وراء الحراك بأنّه “من أجل إنقاذ الديمقراطية الإسرائيلية”. وتحديدًا تأسس هذا الحراك  مع ظهور مُبادرة لمجموعة ناشطين دعوا الجماهير للاتّجاه إلى مقرّ الكنيست الإسرائيليّ رافعين الرايات السوداء احتجاجًا على قرار رئيس الكنيست في حينهِ، يولي إدلشتاين (الليكود)، بعدم عقد جلسة لانتخاب رئيس جديد للكنيست بعد الانتخابات مُباشرة، وهو الأمر الذي رأى فيه المُحتجّون انتهاكاً صارخاً للديمقراطية في إسرائيل، بحسب الكاتبة الإسرائيليّة إيلات كهانا، في مقال لها بعنوان “من يقف خلف احتجاجات الرايات السوداء؟”، نشرته في جريدة مكور ريشون، أواسط شهر تمّوز الماضي. وبالتّالي فإنّ تتابُع الأزمات الصحية والاقتصادية، أعطى  زخمًا وكثافةً للنواة الأساسية المعارضة من الجانبين القانونيّ والسّياسيّ.

التّظاهرات أمام نزل رئيس الحكومة في القدس، آب 2020 (حين مسجاف)

 

ومن الجدير يالذّكر أنّهُ ومع بداية الأزمات، فقد تشكّلت تظاهرات مُحددة على أساس مطالب واضحة؛ فعلى سبيل المثال انطلقت تظاهرة باسم الضرائب لأصحاب الأعمال والمستقلّين، والتي اعترضت على سياسات الحكومة إزاء الوباء وعدم اكتراثها أو دعمها لهذهِ الفئة بشكلٍ خاصّ.

وكتب ينون يعوز، أحد المبادرين للتظاهرة أنّ عليهم إجراء تدابير إقصائية وجذرية تجاه الحكومة ومنها عدم دفعِ الضرائب لافتًا إلى أنها “ضروريّة كي يمنعوا الحكومة من أن تقودهم إلى الضياع”، وذكرَ أيضًا أنّ ما دفعه إلى فقدان الثقة بالحكومة هي كلّ الوعود التي لم تفِ بها، الأكاذيب والقرارات الشعبويّة.

مثال آخر هو نضال العاملات والعمال الاجتماعيين الّذي شمل إضرابًا وتظاهرات عدّة، وأوضحت عنبال حرموني، رئيسة نقابة العاملات الاجتماعيات في مقابلة لها مع جريدة الإتحاد، أن هذهِ الإضرابات “حققت نتائج نضالنا حتى الآن. وهي نتائج مرضية وايجابية. وهذا لا يعني أن نضالنا توقف، فمن واجبنا الاستمرار بالنضال حتى نيل جميع المطالب بتحسين شروط العمل في قطاع الخدمات الاجتماعية”، على حدّ قولها. 

وهذهِ نماذج لمطالبٍ واحتجاجات تطورّت وتشابكت مع نواة التظاهر الأساسية في القدس، في شارع بلفور (شارع القناصل قبل النّكبة) أمام بيت رئيس الحكومة الإسرائيليّة، وحقّق ذلكَ؛ أولًا، تداخل أزمات ومطالب واحتجاجات متعددة في سياقِ الأزمة السياسية، والتي تبعتها أزمة صحية واقتصادية وانعكسَ ذلكٍ في حراكٍ جماهيريّ في القدس وتل أبيب ومدن وبلدات أخرى. ثانيًا، صياغة مطلبٍ سياسيّ واضح ضدّ رئيس الحكومة الحالي، والمطالبة بتنحيتهِ لعدمِ قيامهِ بواجبهِ ومسؤولياتهِ وربطِ ذلك في ملفات الفساد. وهذهِ المستحقّات تأتي في لحظةٍ تاريخيّة، تتضحّ فيها معالم الشروخات في الثقافة السياسية الإسرائيليّة، علمًا أن هذهِ الشروخات قائمة منذُ السبعينيات كما يوضّح شتيرن في مقاله، إلا أنّ رقعتها اتّسعت وازداد عمقها، فأصبحت هذهِ الشروخات مهيمنة في المشهد السياسيّ الإسرائيليّ.

 

الشروخات في المجتمع الاستعماري 

في مستهلّ الحديث، يجدر الوقوف عند حقيقة وجود مجتمعٍ كولونياليّ قائم في ذاتهِ، وهو مرتبط  في المعاني والمبادئ التأسيسيّة للمجتمع، والشرخ لن يغيّر في ذلكَ، على الأقل وفقًا للواقع الراهن. نحنُ نعي أن المجتمع الكولونياليّ الإسرائيليّ يبقى إلا أن التغيّرات المتعددة – منها الديموغرافية والهجرات في الخمسينيات والستينيات، ونتيجة الحرب واحتلال باقي الأراضي الفلسطينيّة في عام 1967 أساسًا وغيرها – أحدثت شروخًا انعكست في الواقع السياسيّ والحكومة منذُ سبعينيات القرن الماضي. من هذا المنطلق كانت مقولتي أن الأحداث الأخيرة والتظاهرات والاحتجاجات والأزمات المتتالية أظهرت الشروخات، ووضعتها في مركزِ المشهد السياسيّ.

بالموازاة نجد خطاب المتظاهرين المتعلّق بفسادِ نتنياهو، كأمر ضروريّ ومُلحّ، يعزّز عبارات نتنياهو، ولكن ليسَ بمعنى أن إدعاء نتنياهو صحيح، إلا أنهم يتشاركون بـ”انعدام الثقافة السياسية”

وأنطلقُ من هُنا لنتعمّق في إقتباس نتنياهو، حينما يُبرز تناقضًا ما بينَ “انشغالنا نحن في الجائحة”، وبالمقابل “هم [اليسار وداعمي اللّا سُلطة] ينشغلون بالحكومة والسياسة والتظاهرات”، ويُحدث فصلًا واضحًا بينَ المتظاهرين من جهة، ومصلحةِ العموم من جهةٍ أخرى، وهُنا نتسائل ماذا يُخفي هذا الخطاب، ماذا تحملُ هذهِ العبارات معرفيًا، إزاء ناخبيهِ (اليمين) في المجتمعِ الكولونياليّ، أو بالأحرى ما هي المقولة التي يتأسس عليها خطابه. بالموازاة نجد خطاب المتظاهرين المتعلّق بفسادِ نتنياهو، كأمر ضروريّ ومُلحّ، يعزّز عبارات نتنياهو، ولكن ليسَ بمعنى أن إدعاء نتنياهو صحيح، إلا أنهم يتشاركون بـ”انعدام الثقافة السياسية” وهُنا ما أسماه شتيرن إنكسار “الدولانية” كثقافةٍ سياسية “بن-غوريونية” تأسيسية للمجتمعِ الكولونياليّ في فلسطين التاريخية.

وذكرَ الناشط في التظاهرات سادي بن شتريت، وهو ابن عمّ وزير الأمن الدّاخلي في حكومة نتنياهو، أن محاولات “الفاسد وحاشيتهِ للتحريض على قمعِ التظاهرات، تزيد من غضبهم بل وتكثّف الأعداد”، كما جاء في مقابلات مع الناشطين على موقع “سيحا ميكوميت” العبريّ، مما يبيّن أن الحدّة والتناقض بينَ التيّارات والفئات، تشتدّ من خلال تحريض نتنياهو على التظاهرات، وبروز الانقسامات في المجتمعِ الكولونياليّ، أي أن الثقافة السياسية التي تعلو؛ هي المناكفة وفقدان أساسات سياسية قانونية، تمّ الإجماع عليها تاريخيًا ويحتكم إليها الجميع. فاليوم تبرز في المجتمعِ الكولونياليّ مقولتان واضحتان؛ من الجهةِ اليمينية، نجد مقولة “حُكم الأغلبيّة يقرّر بخصوصِ المجتمع، القانون، الاقتصاد والسياسة”، بمعنى أن تاريخيّة الممارسات الكولونيالية السابقة جميعها فاقدة للشرعيّة راهنًا، وتحتاج لتعديلات وإصلاحات في القانون والمحاكم والقضاة والاقتصاد والسيادة والهوية وغيرها، جميعها تحتاج لإعادة هيكلة، نحو تحقيق المشروع الصهيوني بالمعنى المجردّ، وذلك يتضح من خلالِ خطاب وبرامج الأحزاب اليمينية وأيضًا خطابات نتنياهو ضدّ المؤسّسة القضائيّة وأجهزة فرض القانون. 

أما عن الجهةِ اليسارية نجدها أيضًا تنحو لتحقيق المشروع الصهيوني في معناهُ المجرد، من خلال إضفاء معاني أخرى، ليبرالية، وهي المهيمنة تاريخيًا، إثر تأسيس الدولة ضمن معانٍ يسارية صهيونية والمرحلة الثانية، التي كرسّت وأوسعت هذهِ المفاهيم والمعاني في فترةِ التسعينيات حين سيطر حزب العمل على الحكم في بداية العقد وحتّى اغتيال رئيس الحكومة الأسبق يتسحاق رابين.

إنّ غياب الثقافة السياسية يعبّر عن تحوّل اجتماعي آخذ بالتّبلور في الساّحة السّياسيّة الإسرائيليّة بخصوص غايات المشروع الاستيطاني الكولونيالي الصهيوني، ويتمّ طرح العديد من التّساؤلات عن مدى نجاعة النّظام القائم ومدى عنايته بتقديم الخدمة للجمهور الإسرائيليّ الّذي لم يخرج بأعداد مثل هذه الّتي نشهدها اليوم منذ ما يقرب عقدًا من الزّمان، حين انطلق ما يُسمّى بالاحتجاج الاجتماعيّ في فترة ولاية نتنياهو أيضًا، وما يمكن رصده هو أنّ الثقافة السياسية لمشروع يطمح للهيمنة الإقليمية ولغايات ومصالح مغايرة عمّا كان في بداياتهِ، من المرجّح أن تكون سببًا في انحلال ثقافته سياسية.

 

محمد قعدان متحصّل على بكالوريوس متعدّد التخصصات؛ علم اجتماع ،علوم إنسانيّة وتاريخ الشّرق الأوسط، من جامعة تل أبيب (المقامة على أراضي قرية الشّيخ مونّس الفلسطينيّة المهجّرة)، وهو عضو مؤسس، سابق، في منتدى إدوارد سعيد.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.