من المسؤول الحقيقيّ عن الإخفاق في التّعامل مع الجائحة في إسرائيل؟

في مقال مقتضب في صحيفة هآرتس، ادّعى أحد كُتّاب الصّحيفة أنّ الفوضى في تصرّف العرب والحريديم في ظلّ الجائحة، أدّت إلى فرض إغلاق على العلمانيين على حدّ قوله. ولكنّه نسي أو تناسى دور النّظام في الإخفاقات المتتابعة في مواجهة الوباء.
ياسر أبو عريشة

 

دخلت إسرائيل يومها الأوّل من الإغلاق الّذي فرضته الحكومة على المواطنين، عقب ارتفاع حادّ في عدد الإصابات بفيروس كورونا، وبعد فشل مخطّط مكافحة الوباء المعروف باسم “الشّارة الضّوئيّة” (الرامزور)، والّذي عمل على إعداده البروفيسور روني جامزو، مُتعهّد مشروع مكافحة الكورونا والمُعيّن من قبل حكومة بنيامين نتنياهو. فبموجب المخطّط، يتمّ اعتماد ثلاثة عوامل يتم دمجها حسابيًّا – هي نسبة المرضى الجدد، نسبة النّتائج الإيجابيّة للفحوصات وعامل إضافي صُنّف كـ “وتيرة تضاعف الإصابات”، وبموجب النّتيجة للعمليّة الحسابيّة يتم تصنيف البلدات لأربع فئات: بلدات خضراء، بلدات برتقاليّة، أخرى صفراء، والدّرجة القصوى هي الحمراء والّتي تستدعي إجراء إغلاقات محليّة والحدّ من حركة السّكّان. وفور بداية العمل بالمخطّط، تمّ إدراج عشرات البلدات العربيّة في الدّاخل والتّجمعّات السّكنيّة لليهود الأورثوذكس (الحريديم)، في فئة البلدات الحمراء.

لكنّ مخطّط البروفيسور جامزو لم ينل سوى الفشل، إذ لم يكن البرنامج متلائمًا مع احتياجات البلدات وسكّانها، ولم يقدّم البدائل لهم، إذ كانت تشوبه الضّبابيّة وعدم الوضوح إلى جانب عدم إيصاله بشكل يسهل فهمه من طرف المواطنين والمواطنات. وليس أنّ الإغلاقات الّتي فُرضت استطاعت في الحدّ من الإصابات، مثلما حصل في مسقط رأسي، الفريديس، بل إنّ المرض تزايد مع استمرار عدم الحفاظ داخليًّا على قواعد التّباعد والتزام الكمامات، خصوصًا في حفلات الزّفاف الّتي استضافت أعدادًا كبيرة من المشاركين.

في نهاية المطاف، غدا مُخطّط الإشارة الضّوئيّة قطعة أرشيفيّة، لا فائدة منها، وبحث قادة أركان مكافحة الكورونا عن سبيل للتّغطية على إخفاقهم، فلجأوا إلى الحلّ الأبسط، وهو فرض الإغلاق على جميع المواطنين مُجدّدًا، ومرّةً أخرى في فترة الأعياد اليهوديّة. وعقب نيّة الحكومة بتنفيذ مخطّطها تصاعدت أصوات كثيرة مؤيّدة وأخرى معارضة لهذه الخطوة الّتي من شأنها أن تلحق خسائر فادحة في اقتصاد البلاد واقتصادات الأفراد، ناهيك عن الثّمن النّفسي الّذي سيدفعه الكثيرون، وخصوصًا المستضعفون، الفقراء، ذوي الاحتياجات الخاصّة ومن يعانون من المعضلات النّفسيّة، والّذين يدخلون إلى هذا الإغلاق وهم في حالة تامّة من عدم اليقين والخوف من المجهول.

ومن الأصوات الّتي تصاعدت أيضًا، ظهر أيضًا من حاول أن يبحث عن مُتّهمين تسبّبوا فيما وصلنا إليه من حال في الجائحة، كما جاء في مقال في جريدة هآرتس العبريّة للكاتب الصّحفي أوري مسجاف، والّذي يكتب مرارًا وتكرارًا عن السّلام وأهميّة المشاركة في الاحتجاج ضدً حكومة نتنياهو في القدس. ففي مقال مقتضب نُشر أمس الخميس، ادّعى مسجاف أنّ الإغلاق الجديد فُرض على “العلمانيين” بشكل خاص، وبأنّ السّبب وراءه هو “الفوضى الّتي سبّبها كلّ من الحريديم والعرب”، دون أن يُسهب في شرحه، ولكنه قصد ما تمّ نشره في وسائل الإعلام عن التّجاهل للقواعد خلال أعراس أقيمت في البلدات العربيّة وفي بيوت الصّلاة اليهوديّة لدى الحريديم والمتدينين اليهود.

لا يمكن بأيّ شكل من الأشكال أن يدافع المرء عن التّصرّفات غير المسؤولة من طرف بعض المجموعات أو الأفراد، لا في أمّ الفحم ولا في تل أبيب

لا يمكن بأيّ شكل من الأشكال أن يدافع المرء عن التّصرّفات غير المسؤولة من طرف بعض المجموعات أو الأفراد، لا في أمّ الفحم ولا في تل أبيب، ولكنّ أوري مسجاف – الكاتب في هآريتس – تجاهل في ادّعاءاته نقطتين غاية في الأهميّة. أولاهما أن تلفيق تهمة لمجتمع بأكمله ووصمه بصفة الفوضى في مقولة بائسة، هي خطأ فادح لصحيفة ولصحفيّ يعتبران نفسيهما دعاة إلى السّلام ومكافحة الفساد. إنّ التّطرّق للعرب والحرديم بهذا الشّكل الّذي تنم عنه الكراهية والعنصريّة هي شيء ليس بجديد، إذ أنّ هذا الأسلوب من الحديث العنصري والإقصائي أصبح جزءًا من البيئة السّياسيّة والاجتماعيّة، يستخدمه كبار الموظفين والمسؤولين، اسألوا بنيامين نتنياهو كيف يستطيع النّجاح في الانتخابات مرّة تلو الأخرى، مستخدمًا الحديث الإقصائي ضدّ العرب.

خطأ السّيد مسجاف الثاني كان أنه نسي أو تناسى المسؤول الأساسي عن الإخفاق في مواجهة الفيروس، وهو الحكومة الّتي يرأسها نتنياهو وشريكه جانتس، وهم يتحمّلون غالبيّة المسؤوليّة عمّا يجري في المجال الصّحيّ والمجال الاقتصاديّ، وهم فقط مسؤولون عن الفشل الذّريع الّذي وصلت إليه البلاد في إيجاد حلول لمنع تفشّي الوباء وقطع سلاسل العدوى. إنّ فشل المؤسّسة في التّعامل مع الوباء يظهر جليًّا في شتى المرافق الحيويّة في البلاد، فها هو جهاز التّعليم غير مستعدّ لتنفيذ التّعليم عن بعد عبر الوسائل الرّقميّة، وتسوده فوضى عارمة اختلط فيها الحابل بالنّابل، وهاو هو الجهاز الصّحيّ يتراكم فيه المرضى ولا يوجد مخطّط واضح لكيفيّة مواجهة أعداد المصابين الكبيرة المتهافتة على أقسام الكورونا في المستشفيات، وها هم العاطلون عن العمل، أعدادهم تقدّر بمئات الآلاف ولا أفق أمامهم، ولكن الأهمّ أنّ نتنياهو وقّع اتّفاقيّات سلام “تاريخيّة”.

كان الأجدر بالسّيّد مسجاف أن يتعلّم القليل عن ممارسات الدّولة طيلة عقود لخلق الفجوات بين المجتمع الفلسطيني في الدّاخل وبين بقيّة شرائح المجتمع منذ تأسيس إسرائيل.

لعلّه كان من الأجدر بالسّيّد مسجاف أن يتعلّم القليل عن ممارسات الدّولة طيلة عقود لخلق الفجوات بين المجتمع الفلسطيني في الدّاخل وبين بقيّة شرائح المجتمع منذ تأسيس إسرائيل. كان من الأجدر به عوضًا عن تلفيق التّهم، بأن يقرأ قليلاً عن الكارثة الإنسانيّة الّتي سبّبها لنا – نحن فلسطينيّو الدّاخل – الحكم العسكريّ الّذي فُرض علينا ما بين 1948-1966، أو عن نظام التّربية والتّعليم الضّعيف والّذي ينتهج التّمييز المرفوض بحقّ العرب في توفير الميزانيّات، ما يؤدّي لخلق صدع لا يمكن رأبُه يضرّ بالمواطن العربيّ ويقلل من فرص ارتقائه، ناهيك عن البنى التّحتيّة المتهاوية في بلداتنا وقرانا الفلسطينيّة في الدّاخل. رُبّما أيضًا لو درس السّيّد مسجاف قليلا عن معاناة العائلات الّتي تعيش مع أطفالها تحت خطّ الفقر في المثلّث، والنّقب، لكان باستطاعته أن يصل إلى المذنبين الحقيقيّين وتوجيه اصبع الاتّهام نحوهم: مندوبو الشّعب في القدس.

إنّ جائحة كورونا حلّت على البشريّة أجمع دون سابق إنذار، وهي لا تفرّق بين دم ودم، أو بين شعب وآخر، هي لا تعرف لونًا ولا عرقًا ولا نسبًا، والفيروس قد يصيب أي شخص، وتزداد الفرص إذا لم تكن هنالك محافظة على قواعد التّباعد والسّلامة والنّظافة. هنالك شعوب في أرجاء المعمورة، تواجه الفيروس بنجاح، وذلك بالشّراكة مع حكوماتها الّتي تعمل بشفافيّة وحرص على سلامة الجمهور، صحّته ومصالحه. وهنالك دول، من بينها إسرائيل، تتعامل بفوضويّة وبدون خطط مدروسة مع الجائحة، ما يدفعها للبحث عن المنفذ الأسهل للتّغطية على الفشل، وهو سجن المواطنين في بيوتهم إلى أجل غير مسمّى. وفي هذه الحال، بدلاً من توجيه التّهم، ليس أمام المرء سوى أن يهتمّ بنفسه وبالضّعفاء من حوله، والتّضامن في مكافحة العنصريّة، الجهل والوباء، وأن نفكّر في كيفيّة إيجاد السّبل للعمل بشراكة وتعاون لخلق مستقبل أفضل.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.