المؤسّسة الإسرائيليّة لا تكترث بفلسطينيي الدّاخل والجريمة تتفشّى

معدّل جرائم القتل في إسرائيل نسبة لعدد السّكان يعتبر من أكثر المعدّلات انخفاضًا في العالم، ومع ذلك، فإنّ المعطيات في مجتمع الدّاخل مقلقة وتتعدّى ضعف ما هو في المجتمع اليهودي
ياسر أبو عريشة

أمس وصلتني رسالة عبر واتساب من أحد أصدقائي، أرفق لي فيها مقطعي فيديو قصيرين: الأوّل لشرطيّ إسرائيلي يطارد بدرّاجته النّاريّة شابَّا عربيًّا في النّقب، حيث تنتهي المطاردة في هذا الفيديو بعد عدّة دقائق حين يقوم الشّرطي بالتّقبّض على الشّاب الّذي فقد سيطرته على مركبته بالقرب من مدينة تل السّبع. أمّا الفيديو الثّاني، فهو لجريمة إطلاق نار في مدينة يافا، تبيّن لي لاحقًا في ذلك اليوم أنّ ضحيّتها كان الشّاب راشد دويكات (35)، الّذي لقي مصرعه أمس (الجمعة) في يافا بالقرب من أحد حواجز الشّرطة المقامة على مداخل المدينة. والمثير للاستغراب في هذا الفيديو تواجد الشّرطة في المكان ساعة وقوع الحادث، حيث أنّ شرطيًّا كان بجوار مسرح الجريمة قام بإطلاق النّار على مشبوه لاذ بالفرار بعد أن أطلق عدّة عيارات ناريّة على المغدور، وهو الضّحيّة الخامسة في صفوف عائلته في السّنوات الأخيرة بحسب مصادر محليّة.

ويأتي مقتل الشّاب راشد دويكات بعد مرور أربعة أيّام فقط على جريمة قتل أخرى وقعت في المجتمع الفلسطيني في الدّاخل، راح ضحيّتها منهل أمّون (62) والّذي قُتل هو أيضًا إثر إطلاق النّار عليه في قرية يركا. وبهذا ترتفع حصيلة القتلى في المجتمع الفلسطيني في الدّاخل إلى 63 منذ مطلع العام الجاري، وهو تقريبًا العدد ذاته في الفترة الموازية من العام الماضي، حيث وصل عدد القتلى إلى 94 شخصًا نهاية العام، بحسب ما يفيد مركز أمان لمكافحة العنف.

ولا تزال قضيّة العنف المستشري وانعدام الأمن في مجتمع الدّاخل على رأس المشاكل الاجتماعيّة الّتي تضرب المجتمع دونما رادع من قبل السّلطات الإسرائيليّة، حيث لا يتمّ تقديم أيّة حلول ملموسة لأجل مكافحة الجريمة الّتي تهدم النّسيج المجتمعيّ الفلسطيني وتزيد من عدم الاستقرار لدى المواطنين في البلدات والمدن العربيّة. فبالرّغم من افتتاح محطّات للشّرطة في البلدات والمدن العربيّة في السّنوات الأخيرة، إلّا أنّ هذا لم يُحدث تغييرًا ملموسًا في الحدّ من تفشّي العنف والقتل في مجتمعنا ولم يتمّ طرح مُخطّط من شأنه أن يُحقّق هذا المطلب.

ولا يبدو أنّ هذا الأمر سيكون محلّ اهتمام المسؤولين في الحكومة الإسرائيليّة، إذ أنّ إسرائيل تتمتّع بموقع مرموق في مستوى الأمن الدّاخلي الإجمالي مقارنةً بدول أخرى في العالم. فبموجب معطيات وزارة الأمن الدّاخلي، عدد ضحايا جرائم القتل في إسرائيل هو 2 من كلّ 100 ألف من السّكّان، ما يجعلها تُعتبر دولة آمنة جدًّا بحسب مؤشّر الجريمة العالمي. ولكنّ الأمر المقلق هو أنّ الفلسطينيّين يُشكّلون السّواد الأعظم من الضّحايا، فعلى سبيل المثال، تفيد معطيات شرطة إسرائيل أنّه في العام 2018 قُتل 116 شخصًا، 35 منهم من اليهود و- 81 من العرب، أي أنّ أكثر من ثلثي القتلى كانوا من العرب، وفي العام 2019 كانت النّسبة مشابهة مع عدد قتلى أكبر، كما ذكرت أعلاه مع نسب متدنيّة من تحليل الجرائم مقارنةً لما يحصل في المجتمع اليهودي.

تفيد معطيات شرطة إسرائيل أنّه في العام 2018 قُتل 116 شخصًا، 35 منهم من اليهود و- 81 من العرب، أي أنّ أكثر من ثلثي القتلى كانوا من العرب

وإذا قمنا بتسليط الضّوء فقط على فلسطينيي الدّاخل البالغ تعدادهم أكثر من مليون و-800 ألف إنسان، نجد أنّ نسبة ضحايا القتل في مجتمعنا أعلى بضعفين ونصف من المُعدّل العام وتصل إلى 5 ضحايا لكلّ 100 ألف مواطن، وهو رقم مخيف ومزعج في آن واحد، ولكن هل هو مزعج حقًّا لمتخذي القرارات وللمسؤولين في الدّولة؟ لا أعتقد ذلك، فالدّولة لا تسعى حقًّا لإحلال العدل والمساواة لمواطنيها الفلسطينيّين ولا تكترث حقًّا برفاهيتهم وبتقدّمهم، على العكس تمامًا، فنصيب الفلسطينيين في الدّاخل على مدار قيام دولة إسرائيل هو التّهميش، محو الهويّة والتّاريخ، سنّ القوانين العنصريّة، التّمييز المرفوض في تخصيص الموارد والميزانيّات إلى جانب تدنّي البنى التّحتيّة وجهاز التّربية والتّعليم في بلداتنا ومدننا العربيّة، فكيف لنا أن نعوّل على هذا النّظام لينتشلنا من آفة العنف والقتل وتفشّي الجهل والتّجهيل المُتعمّد؟

إذًا في هذه الحال لا يتبقّى امامنا، نحن الفلسطينيّون والفلسطينيّات من مواطني إسرائيل سوى أن نحاول النّهوض بأنفسنا بمعزل عن الدّعم الحكومي ومخطّطاته لنا، والاتّحاد ليس فقط سياسيًّا عبر منصّات كالقائمة المشتركة، وإنّما أن يُفسح المجال لخلق شراكات جديدة في المجتمع المدنيّ يتمّ فيها توحيد الجهود لأجل محاولة النّهوض بالمجتمع الّذي يعاني الأمرّين جرّاء الفقر، تدنّي مستوى المعيشة والفجوات العميقة بينه وبين المجتمع عامّة في الدّولة. وظهرت عواقب هذه الفروقات والتّمييز مؤخّرًا عقب تفشّي جائحة فيروس كورونا، حيث انكشف جليًّا تعامل المؤسّسة مع العرب، وكيف أنّ التّخاذل من جانب السّلطات في التّوعية وتوصيل المعلومات إلى جانب انتشار الأخبار الكاذبة والمُضلّلة، أدّى إلى حصول أعنف موجات التفشّي للفيروس في البلدات العربيّة في الدّاخل، الأمر الّذي جلب، يجلب وسيجلب المزيد من التّدهور في مجتمعنا المنكوب.

مسيرة الأمّهات الثّكلى، آب/أغسطس 2020 (ياسر أبو عريشة)

ومن جهة أخرى هنالك بصيص أمل، إذ تعمل شخصيّات عدّة للنّضال بلا كلل في وجه آفة العنف والقتل في مجتمعنا، وفي عدّة سياقات تُطرح فيها قضايانا في الحيّز العامّ لأجل التّوعية وتسليط الضّوء على آلام فلسطينيّي الدّاخل. فمنها مبادرة الأمّهات الثّكالى اللّواتي توجّهن سيرًا على الأقدام من حيفا إلى القدس، في مسيرة نُظّمت منتصف شهر أغسطس الماضي احتجاجًا على تقاعس الشّرطة في تحقيق العدالة لمصلحة العائلات العربيّة الثّكلى وللمطالبة بمزيد من المجهود من قبل الشّرطة الإسرائيليّة للقبض على الجناة.

كما وقامت مؤخّرًا المخرجة ابتسام مراعنة بإطلاق الموسم الثّاني لبرنامجها “بلا مؤاخذة“، والّذي تطرح فيه قضايا حسّاسة ومُهمّة في مجتمعنا الفلسطيني في الدّاخل، تتناولها بجرأة وبصراحة. وفي بداية هذا الأسبوع تمّ بثّ الحلقة الثانية الّتي تناولت موضوع العائلات الثّكلى الّتي فقدت أبناءها جرّاء حوادث القتل، ومن خلالها يتمّ سرد قصص تقشعرّ لها الأبدان عن المغدورين وعائلاتهم، ترينا حجم الكارثة الّتي يُسبّبها هذا المرض المجتمعي الّذي يحصد أرواح أبناء وبنات مجتمعنا بالعشرات سنويًّا.

مُجتمعنا الفلسطيني في الدّاخل يغرق في همومه وتتفاقم أزماته ومشاكله، من عنف، فقر، انعدام للأمن وتدنّي شامل في جميع المرافق الحياتيّة، لا سيما في التربية والتّعليم والإمكانيّات الاقتصاديّة المتاحة له، وللمؤسّسة نصيب كبير في هذا الحال المتردّي الّي وصلنا إليه، ولكنّ هذا ليس جديدًا، فالسّياسات الممنهجة الّتي تتبعها الحكومات الإسرائيليّة في تعاملها مع المجتمع العربيّ هي ذاتها منذ زمن بعيد ولم تتغيّر كثيرًا، فالعلاقة هي علاقة مستعمر لا يكترث بمصير السّكّان الأصليّين للبلاد، ولا فرق من جانبه بين فلسطينيّ في الدّاخل، في الضّفة، في غزّة أو في القدس، فكلّنا سواء، وكلّنا فلسطينيّون، ولا مكان لنا في ظل نظام لا تعنيه العدالة ولا تهمه المساواة.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.