أكتوبر 2000: أمر "سحر اللحن" وقنص المواطنين العرب

عشرون عامًا مرّت على الأحداث في هبّة أكتوبر 2000، ولم يلتئم الجرح المفتوح في مجتمعنا الفلسطيني في الداخل، بل ولا يزال موقف الشرطة الإسرائيلية والحكومة تجاه الجمهور العربي يتسم بالعداء وعدم الثقة
ياسر أبو عريشة

 

كان عام 2000 مليئًا بالأحداث والتوترات السياسية وكانت ذروته مع اندلاع الانتفاضة الثّانية الّتي قضى فيها الآلاف، غالبيتهم من الفلسطينيين. كنت في الرّابعة عشرة من عمري حين اندلعت الانتفاضة ومعها هبّة أكتوبر في الدّاخل، ولا أتذكر حقًا تسلسل الأحداث في اليوم الذي انضمت فيه قريتي الهادئة، الفريديس، إلى موجة الاحتجاجات الغاضبة التي اجتاحت البلاد في الأول من أكتوبر. ومع ذلك، بإمكاني أن أتذكر صورًا فردية وومضات من أحداث متقطعة من ذلك اليوم، كالدخان الكثيف الذي اجتاح القرية بسبب استخدام الشرطة للغاز المسيل للدموع، وحافلة تابعة لشركة المواصلات الإسرائيلية “إيجد” أضرمت فيها النيران من قبل الحشد خلال الاشتباكات على أبواب القرية.

أتذكر أيضًا مشاهدة الأحداث من نقطة بعيدة عن الخط الأمامي للمتظاهرين الّذين وقفوا أمام رجال الشرطة، الذين كانوا يحاولون بدورهم تفريق الحشد الغاضب وفتح طريق حيفا – تل أبيب القديم (طريق 4) لمرور المركبات. مشاهد الدخان والحجارة والنار والعنف – التي لم أرها حتى ذلك الحين إلّا عبر شاشات التّلفاز -، أصبحت حقيقة ملموسة وواقعًا حيًّا وقريبًا أمام ناظريّ وفي عقر منزلي.

على العكس من الأماكن الأخرى، التي شهدت اشتباكات مميتة داخل الخط الأخضر أودت بحياة 13 شابًّا أصيبوا بالرصاص الحي جرّاء إطلاق النّار من قبل الشرطة، لم تقع إصابات مميتة في الفريديس، على الرّغم من استخدام الشرطة للنيران الحية في فضّ الاحتجاج، الأمر الّذي أدى إلى إصابة ستة من أبناء القرية بجروح بفعل إطلاق النار على أقدامهم، ذلك بحسب تقرير لجنة “أور” التي تم تشكيلها للتحقيق في اشتباكات أكتوبر بين الشرطة والمواطنين العرب، ونقلاً عن شهادة المفتش دانيال من مركز شرطة زخرون يعقوب، الذي قام حسب تقرير لجنة التّحقيق – بعد أن أذن له قادته – بإطلاق النار على أرجل المتظاهرين الّذين اقتربوا إليه مسافة نحو عشرين مترًا.

مواجهات في رام الله، أكتوبر 2000 (Nadav Ganot (נדב גנות) / IDF Spokesperson’s Unit, CC BY-SA 3.0)

استمرت الأحداث في القرية يوماً واحداً وتفرق المتظاهرون في وقت متأخر من المساء. إذ أنّه بعد إطلاق النار عليهم، طرأ تراجع بطيء في الحشود، كما ساهمت في ذلك مساعي الحوار الّتي أجريت بين قيادة الشرطة وشخصيات عامة من القرية بهدف الحدّ من التّوتّر وتفريق الجموع سلميًّا، وبهذا لم يحصل انزلاق أكثر في دائرة العنف والاحتكاك بين الأطراف. وفي صبيحة اليوم التالي، تم بالفعل فتح الطريق رقم 4 أمام حركة مرور السيارات وعادت القرية إلى حالة من الهدوء النّسبي، بينما استمرت التوترات في جميع أنحاء البلاد حيث حصدت نيران الشرطة المزيد والمزيد من الضحايا الفلسطينيين مواطني الدّولة، إلى أن انتهت المواجهات في 10 أكتوبر.

وكشف تقرير لجنة التّحقيق الخاصّة بهبّة أكتوبر عن إخفاق الشرطة في تعاملها مع الاحتجاجات التي شهدتها البلدات والمدن العربية، ما اضطر الكثير من أصحاب المناصب إلى الاستقالة أو التنحّي. أحد الأمور الّتي كشفت عنها اللجنة حول كيفيّة التّعامل مع المواطنين العرب في إسرائيل هو وجود أمر داخلي خاص في الشرطة أطلق عليه اسم “سحر اللحن” (קסם המנגינה)، والذي سمح باستخدام القناصين وقوات الشرطة الخاصة ضد المتظاهرين العرب. وقد تمّت صياغة هذا الأمر من قبل شرطة إسرائيل في عام 1998 حين كان بنيامين نتنياهو رئيسًا للحكومة في ولايته الأولى، ووفقًا لشهادة شلومو تورجمان من مقر عمليات وزارة الأمن الداخلي، فإن “أمر ‘سحر اللحن’ يُعِد الشّرطة في حالة الإعلان [عن إقامة دولة] من جانب واحد من قبل السلطة الفلسطينية، واندلاع اضطرابات كبيرة تمتد إلى الأراضي الإسرائيلية”.

وفي وثيقة صادرة عن قسم عمليات حرس الحدود في لواء الشمال بتاريخ 14 كانون الثاني 1999، بعنوان “أمر سحر اللحن” يتم وصف هذا الأمر على النحو التالي: “… هو خطة احتياطيّة لشرطة إسرائيل سيتم تنفيذها في حالة إعلان دولة فلسطينية – من جانب واحد – من قبل السلطة الفلسطينية في شهر أيّار/مايو عام 1999 أو في تاريخ ما بعده وتدهور الوضع الامني خارج وداخل الخط الاخضر”. وتنص هذه الوثيقة أيضًا على أن موضوع العملية هو الاضطرابات في صفوف المواطنين العرب، الاستعداد أمامهم، ومنع انزلاق الأحداث نحو التجمعات اليهودية، وذلك باستخدام القناصة والرُّماة.

وكما نعلم، فإنّه لم يتم الإعلان عن قيام دولة فلسطينية على الإطلاق، لكنّ ما حدث فعلاً هو الاستفزاز الذي قام به أريئيل شارون، زعيم المعارضة في الكنيست الإسرائيلي عن حزب الليكود حينها، والذي صعد إلى الحرم القدسي للصلاة في 28 سبتمبر 2000، وأثار المنطقة بأكملها بفعلته تلك. حيث قُتل بدايةً سبعة فلسطينيين برصاص الشرطة خلال اشتباكات مع المصلين بعد صلاة الجمعة في اليوم الّذي تلا زيارة شارون، ثم كانت المشاهد التي جاءت من غزة ووثقت مقتل الصبي محمد الدرة بنيران الجيش الإسرائيلي والّتي بُثت بتواصل على شاشات التلفزيون في 30 سبتمبر، ما زاد من التهاب الموقف واستعار المواجهات الّتي سرعان ما وصلت إلى كل بلدة عربية تقريبًا داخل الخط الأخضر.

وتنبأت الشرطة باندلاع الاحتجاج العنيف، حيث قامت قبل وقت قصير من اندلاع الانتفاضة بتدريبات تحاكي اندلاع الاحتجاجات، وفقًا لما أفاد الصّحفي زئيف شيف في صحيفة هآرتس في العدد الصادر في 6.10.2000، حيث يشرح التّقرير بأنّ لعبة حربية أقيمت في مركز شرطة شفاعمرو يوم 6 سبتمبر 2000 بمشاركة من قيادة الشرطة، ممثلين عن الجيش الإسرائيلي، جهاز الأمن العام (الشاباك)، شرطة الحدود، مصلحة السّجون، قيادة الجبهة الداخلية، وزارة الأمن الداخلي ومجلس الأمن التابع لرئيس الوزراء آنذاك إيهود باراك، الّذي أجري التدريب بناءً على طلبه.

بعبارة أخرى، فإنّ الشرطة والدولة كانتا على استعداد للتعامل مع الاحتجاجات بأساليب خاصّة، لا سيما تلك التي قد تنشب في صفوف الجمهور العربي في الدّاخل، وهو استعداد يتم فيه قمع الاحتجاجات بيد من حديد وبطريقة الشرطة الفريدة و”الساحرة” الّتي يُنظر إليها كسيمفونية، أو كتلك المعزوفة الّتي استخدمها الزّمار في قصّة “زمّار هملين” حيث اقتاد الفئران إلى خارج البلدة المنكوبة مستخدمًا ألحان النّاي، ما يكشف عمق استحقار القائمين على الشؤون الأمنيّة في إسرائيل للمواطنين العرب، عبر اختيار اسم “سحر اللحن” لأمر شرطيّ مميت، والّذي يشبه المواطنين العرب بكونهم ليسوا أكثر من فئران يجب التّخلّص منها. وعندما حان وقت إنفاذ الأمر وازدادت حدة الاحتجاج في التجمّعات والبلدات العربية، أُعطي الضوء الأخضر ونفذ الأمر بشكل لا تشوبه شائبة من قبل قناصة الشرطة ورماتها الذين حصدوا أرواح ثلاثة عشر مدنياً.

عندما حان وقت إنفاذ الأمر وازدادت حدة الاحتجاج في التجمّعات والبلدات العربية، أُعطي الضوء الأخضر ونفذ الأمر بشكل لا تشوبه شائبة

في 8 تشرين الثاني (نوفمبر) 2000، وبعد شهر على نشوب المواجهات الّتي استمرّت لعشرة أيام، أعلن المتحدث باسم الحكومة أن رئيس الوزراء حينها إيهود باراك قد أمر بتشكيل لجنة تحقيق حكومية، تم تعيين القاضي المتقاعد ثيودور أور رئيسًا لها لاحقًا. وقد عملت هذه اللّجنة لعدّة سنوات وقدمت استنتاجاتها في سبتمبر 2003، في وقت ولاية أريئيل شارون الّذي كان يرأس الحكومة حينها، وأشارت إلى العديد من الإخفاقات للموظفين العموميين وضُبّاط الشرطة. ومن أبرز الأسماء في استنتاجات اللجنة، ورد اسم ألكسندر (أليك) رون، الذي كان رئيس شرطة المنطقة الشمالية، حيث أقرت اللجنة بشأنه أنه فشل في تأدية واجبه وأنه من غير المحبّذ أن يشغل مزيدًا من الأدوار في مجال الأمن الداخلي، وبالفعل فقد تم تسريحه من الشرطة.

كما أنّه تمت ترقية قادة آخرين أثناء عمل اللجنة، مثل موشيه والدمان، قائد منطقة المروج، وبنتسي ساو، قائد حرس الحدود في المنطقة الشمالية، بناءً على تعليمات من وزير الأمن الداخلي حينها عوزي لانداو، ترقيات أبرزت مجدّدًا حجم الاستخفاف بالمواطن العربي من قبل أجهزة الدّولة. ولكن هذه الترقيات لم تدم طويلاً، إذ أوصت اللّجنة بتسريح والدمان وعدم ترقية ساو لمدة 4 سنوات.

عشرون عامًا مرّت على الأحداث في هبّة أكتوبر 2000، ولم يلتئم الجرح المفتوح في مجتمعنا الفلسطيني في الداخل، بل ولا يزال موقف الشرطة والحكومات الإسرائيلية تجاه الجمهور العربي يتسم بالعداء الواضح وعدم الثقة. ولا يمكن تسوية هذا الخلاف بين المواطنين والدولة إلا بطريقة واحدة، وهي النّظر إلى العرب كبشر بادئ ذي بدء، ذوي حقوق لا تقل عن حقوق غيرهم من المواطنين، وليس بالنّظر إليهم كفئران عبر صياغة أوامر مشبوهة تتيح استهداف المدنيين الأبرياء وقنصهم. ويجب على السلطة ألا تنظر إلى المجتمع الفلسطيني كأعداء داخليين مثلما يتم تسويق الأفكار من هذا النوع بكرة وعشية خاصة من قبل رئيس الوزراء الحالي نتنياهو. إن التئام الجرح يمكن عبر وجود رغبة حقيقية في بناء منظومة عيش مشترك وحياة مدنية وديمقراطية حقيقية في البلاد، ترتكز على المعاملة المتساوية أمام القانون وسلطات الدولة التي ينبغي عليها أن تحترم الإنسان كإنسان. وإلى ذلك الحين، كل ما تبقى هو الأمل في قدوم هذا اليوم وأن نعيش جميعًا في ظل نظام يحترم الإنسان وحريته بأمانة وصدق.

ياسر أبو عريشة هو مُحرّر موقع اللسعة وناشط اجتماعي وسياسي

المصادر المستخدمة في إعداد المقال:

تقرير لجنة أور (بالعبريّة)

تقرير من العام 2003 أعدّته منظمة عدالة حول هبّة أكتوبر (بالعبريّة)

 

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.