أكتوبر 2000: هل تاريخنا محرّم في المدارس؟

كان لأساتذتي في ثانويّة مار الياس الدّور الأساسيّ في توجيهي ومنحي ثقة صاحب الحق التي لم أعرف أني أهل لها. فهل ينجح، وكيف ينجح، هذا النموذج بالوصول إلى كافّة مدارسنا؟ وهل يتوسّع ليشمل كافّة مناسباتنا الوطنية؟
رزق سلمان

 

في هذه الأيام، وعند قراءتي للمنشورات والمقالات ومشاهدتي لمقاطع مصوّرة عن الانتفاضة الثانية عامّة، وعن هبّة أكتوبر خاصّة، يلفتني الدّور المصيريّ الذي لعبته مدرستي في كشفي على هذا الفصل العظيم من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال. فرغم أنني كنت طفلًا في منتصف ربيعي الثامن عند اندلاع الانتفاضة الثانية، ورغم أنّ والديّ قلّما اقتربا من شؤون السياسة والوطن في منهجهما التربويّ، إلّا أن إحياء ذكرى الانتفاضة عامّة وهبة أكتوبر خاصة في كل عام يعيدني إلى صفحتين اثنتين في كتاب ذاكرتي أراهما حتّى اليوم بوضوح، ويذكّرني بدور مدرستي العظيم في حفر ذاكرتي عن هبّة أكتوبر. 

الصفحة الأولى وقعت في مدرستي الابتدائية في قريتي عبلين في صباح الثلاثاء، الثالث من تشرين الأول عام ٢٠٠٠. حينها، كنت طالبًا في الصّف الثّاني الابتدائي في مدرسة مريم بواردي، الأخت الصغرى وحديثة الولادة لثانوية مار الياس في عبلّين، وكنا قد شغلنا طابقا في بناية المدرسة الثانوية لعدم توفّر بناية خاصّة للمدرسة الابتدائية آنذاك. لحظة وصولي المدرسة، شدّ انتباهي سرب من الأعلام السّوداء المرفوعة على أسوار المدرسة، وبضع تجمعات لوجوه قاتمة مكسوّة بخليط من الدموع والصدمة والحزن. قيل لي حينها إن طالبًا في المدرسة الثّانوية يُدعى أسيل عاصلة قُتل، وكان هذا كلّ ما فهمته يومها. أما الصّفحة الثانية فكانت بُعيد وصولي للصف التّاسع في ثانوية مار الياس، وتحديدًا في أوائل تشرين الأول من عام ٢٠٠٨، حيث وردتنا التعليمات في الباكر من الصباح للاجتماع في الأوديتوريوم (قاعة المدرسة الكبيرة) لمشاهدة فيلم وثائقي عن “هبة أكتوبر”.

لم أعلم حينها صراحة الكثير عن هبّة أكتوبر، وقد ملأني إلغاء حصّتين “على هالصّبح” من جدول الحصص الكثيف بشعور من الارتياح سرعان ما تبدد وتبدّل عند مشاهدتي للفيلم (لا أذكر اسمه وتفاصيله اليوم) الذي طرح أحداث هبّة أكتوبر وسط تركيز على الشهيد أسيل عاصلة. نعم أسيل.. نفس الأسيل الذي رُفعت الأعلام السوداء في المدرسة بعد استشهاده. كان اسمه حاضرًا في حرم المدرسة في كلّ السّنين السابقة، فقد أقيم مقام تذكاري ليحمل اسمه وينقل قصته للأجيال اللاحقة، وقد رافقت اسم أسيل وقصّته دومًا صورة له أذكر تفاصيلها بوضوح: ابتسامة خجولة تتوسط وجنتين تميلان للاحمرار، وقميص أخضر زيتوني بارز اللون.

عرفت اسم أسيل لسنين حينها، لكنّني لم أسمع القصة كاملة أبدًا، واسمه لم يرتبط في داخلي بأية صورة كبيرة؛ فأبقيته في رأسي طيلة هذه السنين ضحيّة لا جلّادَ لها. كل هذا تبدّل وانجلى بعد مشاهدتي للفيلم، فبعد لحظات فقط من بدايته، وفي صمت لم أعهد ملاحظته في الأوديتوريوم، وجدتني غارقًا فيما يُعرض، ومتابعًا لكل تفصيل يُحكى. لست متأكدًا إن كانت صورة أسيل بعد استشهاده قد عرضت فعلًا خلال الفيلم، أم أنّ وصفًا دقيقًا لتفاصيل استشهاده هو ما عُرض، ليتركني أترجم الأحداث لصورة في رأسي؛ لكنّ الصورة هذه، سواء كنت رأيتها أو تخيّلتها، لم تخرج من رأسي حتى اللحظة.أسيل، ذلك الشاب الوسيم ذو الابتسامة الخجولة والقميص الأخضر، رأيته شهيدًا للتّو، وابتسامته المُطْمَئنّة والمُطَمْئِنة اختفت خلف فيض من دمائه.

عرفت اسم أسيل لسنين حينها، لكنّني لم أسمع القصة كاملة أبدًا، واسمه لم يرتبط في داخلي بأية صورة كبيرة؛ فأبقيته في رأسي طيلة هذه السنين ضحيّة لا جلّادَ لها

عدت لاستذكر المشهد الأول، صبيحة يوم الثلاثاء اللاحق ليوم استشهاد أسيل، لم يتبدل شيء بالمشهد ظاهريًا، وسرب الأعلام السوداء والوجوه القاتمة ظلّت على ما هي، لكن قراءتي للصورة اختلفت تمامًا؛ فأسيل لم يُقتل، بل استُشهد، والوجوه القاتمة والحزينة ليست لغرباء، بل هي لزملاء أسيل ومعلميه الّذين ما زال قسم منهم يدرّس في المدرسة حتّى يومنا هذا. شعرت بارتباط لا يمكن فضّه بأسيل، وبأحداث أكتوبر، وبالانتفاضة الثانية، وبأبعد صورة ممكنة عن الكليشيهاتية – بالشعب الفلسطيني كلّه، وشعرت أيضًا أن عبثية يد المحتل كانت ستطالني أنا، أو أيًّا من زملائي، لو تبدلت الظروف والأزمان قليلًا.

مسيرة تشكيل هويّتي الوطنية ومراكمتي للوعي السّياسي استمرت لسنين بعد ذلك اليوم، وما زالت مستمرة حتى الآن، لكنّ دور مدرستي في تشكيل نواة لهذا الوعي، وإثارة شعور الانتماء للشعب الفلسطيني ولقضيّته العادلة لدى طلابها، هو حجر أساس كان ضروريًا لمن هم مثلي من الناشئين في البيوت التي تنأى بنفسها وبأفرادها عن السياسة، وهم كثر للأسف. لطالما سعت إسرائيل، ونجحت في محاولاتها في مواقع كثيرة، للتأثير على وعي الطالب الفلسطينيّ بواسطة الجهاز التعليمي، فشكّلت مناهج تعليم مؤسرلة تحجب عن الطالب كل ما يتعلق بخلفيته القومية، بتاريخه وبنضال شعبه، وفرّقت بوساطة مناهجها المشوّهة بين أبناء الشّعب الواحد، ولاحقت كلّ من يجرؤ على الخوض في “المحظورات” هذه جهرًا أمام طلّابه.

لم تقتصر نتائج الملاحقة المذكورة على ردع نسبة كبيرة من المعلمين عن الخوض في كبرى الأحداث التاريخية التي عصفت بشعبنا في العقود الأخيرة فحسب، بل بدأت بدفع بعضهم إلى خانة إرضاء القامع ومجاراة شروطه؛ فنرى مشاريع مشبوهة بدلًا من مشاريع تبحث سبل غرس تاريخنا المحذوف من صفحات المناهج الإسرائيلية في عقول أبناء الجيل القادم وقلوبهم، ويحلّ رجال شرطة الاحتلال وجيشه، وهم الذراع التنفيذية لمشاريع الاحتلال ومجازره كلّها، ضيوفًا في صفوف أبنائنا مع وجوه باسمة تهدف لتطهير صفحتهم في وعي الطلاب.

أثناء تجوّلي على خيوط الشبكة، لفتني مقال نُشر قبل بضع سنوات في موقع “واي نت” الإخباري الإسرائيلي، يحدّثنا كاتبه عن رحلة مجموعة من المعلمين الفلسطينيين من الدّاخل لتعميق ثقافتهم في موضوع المحرقة النّازيّة، وعن زيارة المشاركين في المشروع لمؤسسة “ياد فاشيم” – الهادفة علنًا لتخليد ذكرى ضحايا المحرقة النّازية، والهادفة سرًّا لشرعنة المخطّط الصهيوني وسط استغلال المحرقة كأداة لتبرير جرائم الاستعمار.

لم تفارقني مشاعر الاستهجان والصدمة حتى بعد انهاء قراءة ما كُتب؛ إذ لا أعتقد أننا كفلسطينيين أتممنا بنجاح واجباتنا التربوية والتثقيفية في المدارس، كي نتفرغ الآن للتعمق بتاريخ غيرنا دون سواه، فكم بالحريّ عندما يكون غيرنا، في هذه الحالة، هو ذاته محتلّنا وقامعنا؟ ليس فيما أقول أي انتقاص من أهمية تعلم التاريخ بكافّة فصوله، والمحرقة هي فصل مظلم في التاريخ لا بد من تعلمه واستخلاص عبره، أما أن يبرّر أحد المشاركين مشاركته بأنه لا يريد أن يكون “روبوت يقرأ من كتاب”، فتبرير كهذا يجبرني على طرح السؤال: كيف يثور هذا “اللا-روبوت” على الموجود في المنهاج، قبل أن يثور على غير الموجود والمغيّب؟

دور مدرستي في تشكيل نواة لهذا الوعي، وإثارة شعور الانتماء للشعب الفلسطيني ولقضيّته العادلة لدى طلابها، هو حجر أساس كان ضروريًا لمن هم مثلي من الناشئين في البيوت التي تنأى بنفسها وبأفرادها عن السياسة

شدّتني مقولات عدّة للمعلمين المشاركين وللقائمين عن المشروع خلال قراءة المقال، وهزّتني المغالطات المنطقية والوقائعية عند المتحدثين جميعهم. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تستلم المتحدّثة الأولى، وهي مدرّسة لموضوع التاريخ، منصّة الحديث لتروي للقارئ عن تجربتها في السنين الثلاث الأخيرة، وعن انتقالها من ضياعها وتخبطها في بحار الجهل، إلى ضفاف المعرفة الآمنة. يسألها الصّحفي خلال حديثهم عن رأيها بشهادة بعض المعلمين المشاركين في البرنامج، عن ميل طلّابهم للمقارنة بين المحرقة النّازيّة وجرائمها من جهة، وبين جرائم الاستعمار الصهيوني ضد الشّعب الفلسطينيّ من جهة أخرى، فتردّ بنبرة ملؤها الثّقة أنّها جاهزة للرد دومًا: “أشرح لهم أن الأمرين مختلفان جدًّا. فتلك (المحرقة النّازية) لم تكن حربًا عاديّة” في تلميح لكون النكبة الفلسطينية مجرّد “حرب عاديّة”.

يكتسب التلميح الأخير طبقة إضافية من الدّعم عندما يختتم الكاتب مقاله باقتباس لإحدى المسؤولات عن المشروع في “ياد فاشيم”: “لا نناقش السياسة [في لقاءاتنا]، بل المواد التعليمية. الحديث يدور حول نقاش نظيف تمامًا”. نعم. هو ليس خطأ مطبعيًا أو اختيارًا غير موفّق للاصطلاحات، بل مقولة واضحة لا تحتمل سوى تفسير واحد: فتاريخهم، أو ما تطمح الحركة الصهيونية لفرض حصريتها عليه من فصول التاريخ، هو تاريخ نظيف يكون الخوض فيه مطلوبًا لا شرعيًا فقط، ولا تربطه بالسياسة أي صلة. أما تاريخنا وحكايته مختلفان، ففصوله ودور الحركة الصهيونية فيها لا يقعان فوق السياسة، بل ضمنها، والسياسة وسخ، ووسخ السياسة يزعج طهارة من يقربها، فلا يجب أن نخوض في شؤونها، ولا نخوض. 

لم يكن اختيار مضمون المقال عبثيًا، وليس غريبًا تجاهل الإعلام الإسرائيلي الأزلي لأزمات الطالب الفلسطيني في الداخل من جهة، وتركيزه من الجهة الأخرى على مشروع لم ينجح منظموه بحشد أكثر من عشرين معلمًا عربيًا للمشاركة فيه. جهاز التعليم كان دائمًا قنبلة موقوتة وجب الحذر منها في نظر سلطات الاحتلال وأتباعهم، فتشكيل عقول الأجيال القادمة هو تهديد وجوديّ أكبر بالنسبة لمشروع استعماري عماده تشويه الوعي وتغييب التاريخ.

في حربنا على تشكيل وعي وذاكرة جمعيين عند أبناء شعبنا، وعلى نشر روايتنا العادلة حتى تصل لكل ذي سمع على هذه الأرض، تحظى إسرائيل دائمًا بأوراق لعب أفضل وأكثر تأثيرًا، كالتجنّد الدائم للإعلام العالميّ إلى جانبها والمواقف الرّسمية الدّولية، الدّاعمة أو المتجاهلة بأفضل حال. اجماع القويّ والمؤثر من التيارات العالمية على دعم الرواية الصهيونية وعلى تجريم النضال الفلسطيني يحجب عنّا أحيانًا حقيقة علينا أن نذكرها أبدًا: تشكيل وعينا الجماعي، أو عدم تشكيله، هو قرارنا نحن، ونحن فقط. كان لأساتذتي في مار الياس الدّور الأساسيّ في توجيهي ومنحي ثقة صاحب الحق التي لم أعرف أني أهل لها. فهل ينجح، وكيف ينجح، هذا النموذج بالوصول إلى كافّة مدارسنا؟ وهل يتوسّع ليشمل كافّة مناسباتنا الوطنية؟ هل سنتولّى مهمة تشكيل وعينا بأنفسنا، أم أننا سنتركها لمن حاول ويحاول أن يمحو هويتنا الفلسطينية الجامعة ويحولنا إلى أفراد مفرقين، لا تربطهم جذور وطنية، لا تجمعهم النكبة والتاريخ الممتد على طرفيها ولا يوحّدهم مصير مشترك؟

رزق سلمان هو ناشط حقوقي وسياسي

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.