هي أزمة وليست حربًا

إنّ استخدام الخطاب العسكري المعروف للجمهور في البلاد يهدف الى تخويف الناس وزيادة الشعور باللا-حول، كما ويهدف الى اخراس الاصوات النقدية. ما هي تداعيات استخدام النهج العسكري في التعامل مع الجائحة وعزوف السلطة عن التعامل معها مدنيًا كأزمة؟
نبيلة اسبنيولي

 

كشفت جائحة الكورونا عن عورات المجتمع، حيث طفت على  السطح مشاكل مختلفة عانت منها البلاد قبل تفشّي الوباء والتي أهملت عبر السنوات بفعل ممارسات المؤسّسة او استفحلت نتيجة النّهج النيوليبرالي الذي اتّبعته الحكومات الإسرائيليّة. هذا بالإضافة إلى تفاقم العنصرية في السنوات الأخيرة إلى جانب هيمنة الفكر العسكري اليميني على الموقف والذي انعكس بالتعامل العسكري مع الكورونا، بدلًا من التّعامل معها كأزمة.

يعاني المجتمع الاسرائيلي من العسكرة المفرطة الّتي تلقي بظلالها على الحياة المدنيّة، ومع استمرار الاحتلال يحظى الجيش والمؤسسة العسكرية باهتمام بالغ. إذ تمّت عبر السنوات الأخيرة بلورة مؤسسات الدولة بمنظور عسكري، فالمؤسسة العسكرية هي بقرة مقدسة في الثقافة الاسرائيلية، والجنرالات يحظون بمكانة خاصّة وعلى التقدير العالي.  لذا نجد غالبية السياسيين ينتقلون من قيادة الجيش الى قيادة الدولة ومؤسساتها التربوية والثقافية والتكنلوجية وادارة الشركات المدنية، دون الحاجة لإثبات كفاءات أو مهارات تُذكر ودون الحاجة للتدرج في الوظائف المختلفة، الأمر الّذي يفسح المجال لأن ينتقل معهم الفكر والخطاب والبنية والاستراتيجية المعسكرة، مما يعيق تطوير بنية مدنية ومجتمع مدني صحي.

عمقت هذه السياسات الحكومية الأزمة وزادت من الأثار المرتدة لها والّتي نتعامل مع اثارها يوميًّا، وقد شاهدنا في المرحلة الأولى والثانية التعامل المغيب لفئات عديدة والتعامل الفوقي والمتذبذب مع الفئات المختلفة. إذ اهملت في البداية مجموعات وفئات واسعة وقضاياهم، خاصة من الطبقة العاملة والفئات المستضعفة وتبنت هذه المنظومة بنية هرمية ذكورية عسكرية أثرت سلبيًّا على التعامل مع الأزمة. فالطّبقة العاملة والفئات الضّعيفة – بالرّغم من النّضال المدني – لم تلقَ الاهتمام والعناية المطلوبتين ومن بينها المجتمع العربي والنساء بجميع القضايا الآنية المرتبطة بهن، كالمعنّفات، العاطلات عن العمل، النساء مع إعاقة، النساء بالقرى المنزوعة الاعتراف والمهن النسائية، إضافة إلى المناطق النائية، العمال، وكبار السن.

فقد غيبت جميع هذه القضايا عن الأجندة الحكومية والوزارات المختلفة ولم يتم التعامل معها الا بشكل جزئي وذلك بعد تفاقم الأزمات وارتفاع  وتيرة النضالات الشعبية المدنية والمطالبة والضغط من مؤسسات المجتمع المدني ومن المؤسسات النسوية خاصة.

حاول البعض تحليل الأسباب لهذا التدهور الحاد والذي باعتقادي سترافقنا تبعاتُه إلى ما بعد التّغلب على الكورونا وإيجاد اللّقاح، ولكننا لم نجد نقاشًا جادًّا حول مميزات هذه السياسات النيولبيرالية الذكورية والعسكرية وتاثيرها. كما لم يلتفت احد إلى أن التعامل لم يستند الى المعرفة في التعامل مع الأزمات بل وجه جل الاهتمام للحلول العسكرية وكأننا في حرب. فغيب عن النقاش التبعات الاجتماعية والنفسية للأزمة، كما غيبت البدائل المدنية للتعامل مع الازمات.

بنيامين نتنياهو وبيني غانتس، مع ظهرهما للكاميرا، 29.5.13، خلال التّدريب الوطني السّنوي والّذي نظّمته الجبهة الدّاخليّة بعنوان “نقطة تحوّل 7” – المكتب الصّحافي الحكومي، לע”מ

فما هي استراتيجيات التعامل مع الأزمات مقارنة في الاستراتيجيات العسكرية المستخدمة حاليًا?

إذا تطرّقنا بداية إلى استراتيجيّة التعامل المدني مع الجائحة، نجد أنّه من الواجب أن يكون مستنِدًا إلى المعرفة المتراكمة في التعامل مع الأزمات، بينما الاستراتيجيّة العسكريّة تتعامل مع الجائحة استنادا الى التجربة العسكرية وكأنها عدو يجب محاربته، على عكس التّعامل المدني الّذي يرى الجائحة كأزمة صحية ذات تبعات. كما أنّ اتّخاذ القرارات يكون مهنيًّا عند التّعامل المدني مع الأزمة وليس هرميًّا كما في التّعامل العسكريّ الّذي يحارب الاختلاف ويعزز سلوك القطيع مع تكريس دور القائد الأوحد، على عكس الحالة المدنيّة في التّعامل مع الأزمات والّتي تعزز النّقاش والحوار وتعتبر الاختلاف صحيًّا إلى جانب أخذ المسؤولية شخصيًّا وجماعيًّا.

كما أنّ التعامل المدني من شأنه تعزيز الحصانة الفردية والمجتمعية كونه يسعى لاعتماد الشفافية في المعلومات وضمان مناليتها، تعزيز التكافل الاجتماعي، المسؤولية الذاتية، تعزيز القدرات المجتمعية لأخذ المسؤولية، تعزيز المبادرات والحلول المبدعة للتعامل مع الأزمة وتمكين الأفراد والجماعات للاستفادة من قدراتهم في التعامل مع الأزمة ما يعزز من الشعور بالقدرة والسيطرة.

إنّ التّعامل المدني يزيد من حصانة المجتمع ويضمن التعامل مع جميع الفئات فيه

وهذا على عكس التعامل العسكري، الّذي يلغي كل البنى المدنية ويعزز البنى العسكرية إلى جانب المطالبة بالانصياع عبر سلوك قطيعي دون إفساح مجال أمام النقد والمبادرة، وقد تمثّل ذلك في المنظومة التي طوِّرت للتعامل مع الأزمة والتي استعارت اسمائها وبنيتها من المؤسسة العسكرية فطورت “غرف حرب” لمحاربة هذا “العدو” (الكورونا) ونظمت “מבצע”/حملة  للتعامل مع الأزمة. وليس هذا وحسب، بل إنّ “عسكرة” الجائحة عززت الشعور باللا-حول وبالتعلق بالقائد، فاصبحنا ننتظر بشكل يومي التعليمات من القائد والذي طبعا استخدم المعلومات بشكل انتقائي، ليضمن الترهيب والتخويف، وزيادة الشعور بقلّة الحيلة.

إنّ التّعامل المدني يزيد من حصانة المجتمع ويضمن التعامل مع جميع الفئات فيه، ويضمن تفعيل جميع القدرات المهنية والمجتمعية، ما يسمح بتطوير بنى مدنية فاعلة وفعالة في كل مجتمع محلي وخطاب مدني يتعامل مع المواطنين بمساواة، على عكس التعامل العسكري الّذي يزيد من تهميش الفئات المهمشة ومن حجم الصعوبات التي تعايشها هذه الفئات، نتيجة تطوير بنى عسكرية ذكورية للتعامل مع الجائحة، والّتي تُعطى فيها مسؤوليات مدنية لإدارة العسكريين ما يكشف عن عنصريّة في التّعامل والتّشرذم الإداري الّذي يؤدّي إلى وسم فئات معيّنة والتّحريض عليها كالحريديم والعرب.

إنّ التعامل المدني يزيد من حصانة المجتمع ويضمن التعامل مع جميع الفئات في المجتمع، ويضمن تفعيل جميع القدرات المهنية والمجتمعية. وعلى عكس التّعامل العسكري، فإن ادارة الأزمة من قبل مهنيين ومختصين مدنين في المجالات المختلفة من شأنها تعزيز النضالات الجماهيرية والنقابية والسياسية، والأهمّ هو أنها تضمن تفعيل جميع القدرات المهنية والمجتمعية مستخدمة خطابًا مدنيًا ينظر إلى المواطنين بمساواة.

انعكست السياسات العسكرية في التفكير والخطاب العسكري الذي  صدر ويصدر من حكومة اسرائيل في تعاملها مع ازمة الكورونا. فقد سيطر هذا الخطاب على خطابات بنيامين نتنياهو فسمعناه يتحدث في العديد من المناسبات عن الكورونا على أنها “العدو” أو “العدو المجهول”، كما أنه يشير إلى “الحرب” التي نخوضها ضد الجائحة وتكرر المصطلح لدى مسؤولين اخرين حين وصفوا الوباء أنه “عدو من نوع اخر”.

كما استخدم المتحدثون مصطلحات عسكرية ونماذج من عالم العسكرة لدى مخطابتهم للجمهور، وتعاملت الوزارات المختلفة مع المعلومات كأنها “اسرار عسكرية”.  وهذا الأمر يمكن ان يكون موضوع لبحث مقارن بين الخطاب الذي استخدم في اسرائيل وبين دول العالم الأخرى.

استخدام الخطاب العسكري المعروف للجمهور في البلاد يهدف الى تخويف الناس وزيادة الشعور باللا-حول، كما ويهدف الى اخراس الاصوات النقدية غير انه لا يقتصر على السياسيين بل تعداه الى الصحفيين والصحفيات الذين يغطون اخبار الجائحة والى المجموعات المختلفة، فسمعنا مثلا الفنانين والفنانات يقولون “لا يمكن الانتصار بالحرب دون الفن” وانتقلت العدوى الى الصحف العبريّة والمواقع العربية حتى.

نظر المجتمع العربي الى فشل تكنلوجيا الشاباك في قطع سلسلة العدوى بتهكم بعض الشيء.

كما واستخدمت استراتيجيات عسكرية للتدخل في حل الأزمة واوكلت للجيش مهمات مختلفة فدعي ضباط الجيش إلى مواقع صنع القرار، وادارة الأزمة واستخدمت وحدات وعناصر الجيش لفرض ليس فقط الاغلاقات في المدن المختلفة، بل في ادارة فنادق الكورونا وادارة توزيع طرود المؤن على المحتاجين ومهام مدنية اخرى. وشكل هذا اشكالية خاصة في المجتمع العربي حيث اعتدنا ان نرى الشرطة والجيش والشاباك في خط الهجوم علينا والمواجهة امامنا، واختزنت هذه الصورة في ذاكرتنا الجماعية منذ المواجهات مع الحكم العسكري والنضالات المستمرة الى يومنا هذا، بينما يطلب من مجالسنا حاليا التعامل مع هذه القوى وادخالها الى بيوتنا وطبعا لهذا تبعات سياسية مختلفة.

كما وأعطيت صلاحيات للشاباك باقتحام خصوصيات الفرد ومتابعة هواتفنا النقالة بهدف قطع سلاسل انتشار العدوى، والمشاركة في احضار المعدات الطبية الضرورية من دول لا توجد لإسرائيل علاقات رسمية معها. وكل هذا لم يحرك الجمهور اليهودي في اسرائيل اذ ان الفكر العسكري والعسكرة متغلغلان في النظام القائم في الدولة، وغالبية الجمهور اليهودي الإسرائيلي ذوته ولا يلتفت اليه. اما المجتمع العربي فهو معتاد على تدخل الأجهزة الأمنيّة لذا لم يستهجن هذه الخطوات بل نظر الى فشل تكنلوجيا الشاباك في قطع سلسلة العدوى بتهكم بعض الشيء.

طغت العسكرة على استراتيجيات التعامل مع موضوع الصحة في ظل الأزمة  حيث لاحظنا نفس التعامل الذي اعتدنا رؤيته في التعامل مع موضوع “أمن الدولة” بما في ذلك الرفض للفكر الناقد، والرأي المغاير وإقصاء النساء من اروقة اتخاذ القرارات المختلفة.  فأقصيت النساء من الجسم الّذي يقدم الاستشارة للحكومة ومن المجلس الوزاري المصغّر، وحتى في جلسة النقاش الذي عقده رئيس الحكومة حول عودة المدارس للعمل، فعلى الرغم من ان غالبية العاملات هناك من النساء لم تكن امرأة واحدة في الجلسة مع رئيس الحكومة.

هذه السياسات والممارسات عمقت التفرقة والعنصرية التي نعاني منها وهمشت الخطاب السياسي الاجتماعي المدني والمهني: اذ لم يعطى دور كاف لمؤسسات المجتمع المدني في إدارة الازمة، حتى فيما يتعلق في المدارس وجهاز التربية عامة لم تتم استشارة الحقل في فرض التقييدات او في رفعها، كما وغاب عن الممارسات الحكومية اداة مهمة في تعزيز الحصانة  المجتمعية وهي اشراك المهنيين والمواطنين  فسيطرت ممارسات عدم الاعتماد على المواطنين وعدم اشراكهم بالكم الكافي من المعلومات التي أدت الى اتخاذ القرارات، بعكس دول أخرى تعاملت مع مواطنيها كأشخاص مسؤولين ومنطقيين يعون المصلحة العامة ويهتمون بها.

كما يضاف الى ذلك التوجه العنصري الذي تمثل في تصريحات رئيس الحكومة والذي كتب عدة مرات على وسائل التواصل الاجتماعي بأن حكومة تعتمد على القائمة المشتركة ستكون “مصيبة لإسرائيل” و- “خطر لإسرائيل”، مما أظهر ويظهر ان العنصرية لا تدخل الى “الحَجْر” في زمن الأزمات بل كجميع العورات تنكشف وتطفو على السطح.

وسعت هذه السياسات دائرة المتضررين من أزمة الكورونا واستفحلت فخرجت مجموعات مختلفة الى الشارع للنضال من أجل الحق في الحياة الحرة الكريمة، ولكن خطاب غالبية هذه الاحتجاجات بقي  غير مسيس، وهذا ايضا يعكس احدى عورات المجتمع  والأزمة السياسية التي نعاني منها في السنوات الأخيرة وعدم ادراك العلاقات والتقاطعات بين المشاكل المختلفة التي يعاني منها المجتمع، وعزوف الناس عن التضامن وعن النضال الجماهيري وفقدان الثقة بالقدرة على التأثير وأهمية التّنظم من أجل التغيير وهذا كما يبدو سيجرنا الى انتخابات رابعة.

نبيلة إسبنيولي هي أخصّائيّة نفسيّة، مديرة مركز الطّفولة وناشطة سياسية نسويّة واجتماعيّة

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.