"لسنا دروعًا بشريّة تقيكُم الرّصاص!" جميع الأسباب وراء مقاطعة احتجاج بلفور

يشعر العديد من النشطاء في مختلف النضالات الحقوقية أن لا مكان لهم في التظاهرات ضدّ بنيامين نتنياهو الذي يواجه تهمًا بالفساد. فمن جهتهم، هذه الاحتجاجات يقودها أصحاب الامتيازات الّذين يشعرون بفقدان ديمقراطيّتهم، متجاهلين من لم تكن إسرائيل يومًا ديمقراطية بنظرهم
توم مهاجر

 

“باستطاعتكم أن تصرخوا وأن تثيروا الشغب كما تشاؤون، فهذه هي ثقافتكم، ثقافة الصراخ. إن ما تفعلونه عبثًا، وإذا كان هذا لا يعجبكم، فعليكم بالرحيل..سوف أغلق المدرسة، وصباح الغد ستدخلون إلى الصّفوف وستفعلون ما يُملى لكم”

(رون حولدائي، رئيس بلدية تل أبيب – يافا، مخاطبًا سكّان حي هاتكفا – الواقع جنوبيّ المدينة – ومعلنًا عن إغلاق مدرسة ‘كدما’. من كتاب “الكفاح الشرقي في إسرائيل”/המאבק המזרחי בישראל، سامي شالوم شطريت).

عندما قرأت أنّ تيّار “المركز-يسار” الإسرائيلي قد وجد ضالّته وبأنّه يعلّق آماله برئيس بلديّة تل أبيب رون حولدائي كبديل لنتنياهو، تذكرت الأقوال المنسوبة إليه أعلاه، وحينها كان استنتاجي بكل بساطة أنّ بشارتهم هذه هي كارثتنا نحن، ففي قرارة نفسي فكرت بمرارة الأمر وشعرت بالوحدة بعض الشّيء. إذ أنّ المحيط السياسي من حولي، كله تقريبًا، اكتسى بثياب البهجة فور انتشار الخبر: فأضاف كثيرون الكلمة العبريّة ‘ليخ’ (לך) – الّتي تعني ‘إرحل’ بالعربيّة – إلى صورهم وصورهن الشّخصيّة على شبكات التّواصل، هذا عدا عن الشّعار الدّارج “فقط ليس بيبي (نتنياهو)”. ومع ذلك، فسرعان ما أوضحت لي المحادثات التي أجريتها مع نشطاء وناشطات أنني لست وحيدًا في هذا الشعور القوي: إنّ “المركز-يسار” الإسرائيلي يجتمع مجدّدًا حول القيم ذاتها والقائمة على الأجندة الصهيونية-الأشكنازية، وهي أجندة يمثلها حولدائي وآخرون بغاية الوضوح. وبالتالي، فإنّ المساحة المفتوحة لاحتجاج الفئات المهمشة والمضطهدة ضئيلة جدًا، وهي مساحة ضيقة يصعب فيها التعبير عن تصريحات ورسائل النشطاء الذين نشأوا في هذه المجتمعات، ويعملون من أجلها.

ليست الشّخصيّات، إنّما المنظومة

مها إغباريّة، ناشطة سياسية من مدينة أم الفحم، تقول: “أسلاف نتنياهو لم يكونوا أفضل حالاً منه، وكذلك من سيحلون مكانه، فهم كذلك: لن يكونوا أفضل حالًا منه”. وتكمل إغباريّة “من جهتي، كفلسطينيّة، إنّ كل من كان قبل نتنياهو وكل من سيأتي بعده، أيديهم ملطّخة بالدّماء. وإجمالاً يدور الحديث هنا حول خطاب داخلي اسرائيلي-يهودي ولا تربطني فيه أيّ صلة”. وبالمثل، يدعي عبد أبو شحادة، الناشط الاجتماعي والعضو في مجلس بلديّة تل أبيب – يافا، أن الجمهور العربي يدرك بأن الاحتجاج لا يشكّل تحديًّا في وجه الفوقانيّة اليهودية المتجذرة بأعماق المؤسسة الإسرائيلية: “في نظر المجتمع العربي، نتنياهو – مثل أي رئيس حكومة سابق – حافظ على الامتياز المؤسّساتي لدولة اليهود وعمل بشكل ممنهج ضد السكان العرب. لذلك فليس هناك ثمّة ما يثير الاهتمام فيما إذا كان نتنياهو فاسدًا أم لا. لكن ما يثير الاهتمام حقًّا هو رفض الإجابة عن أسئلة جوهريّة، مثلاً: هل الشعارات المطالبة بالديمقراطيّة تشمل جميع المواطنين على حد سواء؟ وعندما يكون الحديث عن الموارد وتقسيمها، هل القصد عن جميع المواطنين؟ وعندما يطالب المتظاهرون بمحاكمة نتنياهو على قضايا الفساد، هل سيسعون إلى مقاضاته بسبب خرقه للقانون الدولي وجرائمه بحق الشعب الفلسطيني؟”.

عمر الغباري أثناء جولة لجمعيّة ذاكرات على أطلال قرية بيت نتّيف المهجّرة عام 1948 في النكبة (ديبي فاربر)

ومن جهته يقول عمر الغباري، وهو مدير قسم الجولات وتخطيط العودة في منظّمة ذاكرات، إن النضال يبدو وكأنه لأجل الديمقراطية لليهود فقط، وليس لأجل ديمقراطية حقيقية، وبأن اليسار الوهمي قد يكون أكثر خطورة على الشعب الفلسطيني: “العنصرية، القمع والكوارث، المجازر، الاستيلاء على أملاك الفلسطينيين، بمن فيهم الفلسطينيين من مواطني إسرائيل، معظم هذه الممارسات والانتهاكات تم ارتكابها منذ العام 1948 من قبل حكومات حزب العمل والتيار الذي يطلق على نفسه اسم “يسار-مركز”. ومع ذلك، فقد تمكّنت إسرائيل من تسويق نفسها كدولة تحترم القانون والديمقراطية وتسعى لإحلال السلام. إنّ التعامل المتكلّف من جهة اليسار الصّهيوني مع الفلسطينيين أشدّ خطورة عليهم من تعامل اليمين معهم. إذ سيتّبع كل من اليمين واليسار نهجًا استعماريًّا وعنيفًا بطبيعة الحال، لكن التّيّار الصّهيوني-الليبرالي يتميز بالقدرة على تمويه الواقع وتجميله، بينما اليمين يتّبع نهجًا شفّافًا، صارخًا ومقزّزًا حتّى، دون أي تكلُّف”.

وكذلك الأمر على الصّعيد الطبقي الدّاخلي في المجتمع اليهودي، فإن الادعاءات التي تأتي من جانب النشطاء والنّاشطات تتعلق بالبنية وبالنّظام، وهي أكثر أهمية من مطلب استبدال نتنياهو، وتلقي الضّوء على كيفيّة عمل نظام الامتيازات الّذي يفتح الأبواب لبعض الفئات ويغلقها في وجه أخرى. ونعم، إن هذه الأبواب تفتح لمصلحة المتظاهرين أنفسهم أيضًا.

وتقول جانيت بالاي، وهي شاعرة وعضوة في منظمة ‘كول-أكتيفيت’: “من المفترض أن يخدمني هذا الاحتجاج، لكنه بعيد عني كل البعد. فالصرخة التي ترافقه هي بمثابة امتياز بالنسبة لي. فعندما يصرخون” لا للفساد ” أنا أصرخ” نعم للحق في الحياة!”، وعندما ينادون بشعار” لا لنتنياهو” أصرخ من جانبي ‘لا لهؤلاء الرجال البيض أنفسهم’ في السلطة. وبالأساس تنبعث من هذا الاحتجاج رائحة عدم الارتباط بالواقع. إذ هناك جهل تام بواقع حياة مئات الآلاف من الفقراء، ذوي الاحتياجات الخاصّة، السّود والملوّنين، الفلسطينيين، مجموعة الميم، وسكّان الهامش الجغرافي الّذين يتمّ قمعهم من قبل الكثيرين من المتظاهرين أنفسهم”.

“من المفترض أن يخدمني هذا الاحتجاج، لكنه بعيد عني كل البعد. فالصرخة التي ترافقه هي بمثابة امتياز بالنسبة لي. فعندما يصرخون” لا للفساد ” أنا أصرخ” نعم للحق في الحياة!”، وعندما ينادون بشعار” لا لنتنياهو” أصرخ من جانبي ‘لا لهؤلاء الرجال البيض أنفسهم’ في السلطة”

المربية ياعيل بن يفت، عضوة سابقة في مجلس بلديّة تل أبيب – يافا والمديرة العامة السابقة لمنظّمة القوس الشرقي الديمقراطي، تبرر رفضها الانضمام إلى الاحتجاج: “لا أشعر بالانتماء إلى الاحتجاجات في شارع بلفور بادئ ذي بدء بسبب الشعارات السّطحيّة والمتلخّصة في ‘فقط ليس نتنياهو’. وما هو البديل؟ أسيكون دولة تسعى لبناء مجتمع عادل، لتقليل الفجوات وللقسمة العادلة في الموارد؟ أم أنها ستكون دولة نيوليبرالية؟ بالإضافة إلى ذلك، عندما أرى البديل الناشئ، وعندما يتحدث قادة المعارضة بنبرة تستثني كل من حزب شاس الشّرقيّ والقائمة المشتركة الّتي تمثل الفلسطينيين في الداخل، سنجد أنفسنا مجدّدًا مع الثنائي يائير لبيد ونفتالي بينت مع أفيغدور ليبرمان في خلفيتهما، وهذا يبدو لي كمزيج مميت. من المستحيل أن أذهب وأنا بكامل وعيي للنّضال من أجل بديل أبيض، نيوليبرالي وعنصري تجاه الشّرقيّين. على العكس: سأناضل ضد حكومة كهذه”.

ياعيل بن يفت “يائير لبيد ونفتالي بينت مع أفيغدور ليبرمان في خلفيتهما، يبدو لي كمزيج مميت” (أورن زيف/أكتيفستيلس)

في ظلال النخبة وكنف النّفوذ

من أكثر الصيحات شيوعًا في مظاهرات شارع بلفور في القدس هي عبارة “لن أسكت لأن بلادي تبدّلت” المقتبسة من أغنية عبريّة ملحميّة، وهو اقتباس يعبر عن مشاعر الهيمنة والنّفوذ للعديد من المتظاهرين. وبالإضافة إلى ذلك، فبالنسبة للكثيرين منهم، وكذلك بالنّسبة لوسائل الإعلام التي تغطي الأحداث، يبدو أنّ انتهاكات حقوق الإنسان والعنف الّذي تمارسه الشّرطة هي أمور بدأت حين بدأ المتظاهرون بالتعرُّض للأذى، كما ظهر في شبكات التواصل. وفي هذا الصدد، تقول الناشطة والمنسقة الميدانية سيفان تاهيل “بالنسبة لي، يدور الحديث حول احتجاج قبلي، يقوده جنرالات ورجال بيض، والذين بنظرهم أسّسوا هذه الدّولة”. وتضيف تاهيل “من على كل منصّة وفي كل منشور يتباهون برتبهم العسكريّة، ويستخدمونها بذهول عندما يتلقون معاملة سيّئة أو عنيفة من طرف المؤسسة، معاملة يصادفها الشرقيون، الإثيوبيون والعرب بشكل يومي منذ عقود. إنّ هذه التّفرقة الّتي نشهدها في الاحتجاج تثبت وجود تقسيم واضح وتمييز صارخ”. وتضيف تاهيل “لا شكّ أنّ هناك تيارات جديدة وشابة ويملئني الأمل والفرح في ظل هذه الصحوة، كما أنّني شريكة في الشعور بأننا بحاجة إلى استبدال الحكومة، وبأنّ علينا ممارسة حقوقنا الديمقراطية وأن نستيقظ، وخصوصًا في حالة الطوارئ الحالية. ولكن إذا كان هذا يعني بقاء النّظام ذاته، وإذا كان الصّوت السّائد في الاحتجاج هو صوت أولئك الّذين أتوا من نفس النخبة، فإنّني أفضل الاحتفاظ بقواي، معاركي وخيبات أملي للاحتجاجات التي تنمو من الأسفل، والتي تسعى إلى التغيير الحقيقي ومعالجة الأمور بشكل جذري”.

في هذا السياق، كتبت الصحافية نعما ريفا (هآرتس) على صفحتها في فيسبوك أن عنف الشرطة ضد المتظاهرين في تل أبيب هو بمثابة أحد أصعب الأيّام في إسرائيل منذ ولادتها عام 1984. ويبدو أن ريفا لم تسمع عن هبّة أكتوبر 2000، ولا عن شلومي أسولين، سلومون تيكا وشيرئيل حبورة الّذي قتلوا برصاص الشرطة الإسرائيلية. “ليس لديهم أدنى فكرة عن العنف الشرطي”، تقول الناشطة مها إغبارية، وتضيف “إنهم يتحدثون عن هذا العنف وكانه ولد لتوّه، وهذه علامة على النجاح في التعتيم على اضطهادنا ومحو مجتمعنا، وبأنهم لا يدرون كم نعاني نحن ومجموعات أخرى من التنكيل من جانب الشرطة”.

أورطال موغوس، وهي كاتبة سيناريو، مذيعة في راديو أفريكان ومحرّرة في موقع واينت الإخباري، تدّعي أن الاحتجاج يستنسخ في الواقع توازن القوى في المجتمع الإسرائيلي: “يستخدم الاحتجاج أدوات يعارضها المشاركون فيه بأنفسهم – كالفساد، التفرقة والتّحريض والقبليّة – وباسم هذه القيم يحاولون تذكيرنا من هم الملّاك الحقيقيون هنا، ومن هنّ الفتيات الطيبات في القصة، وما هو الاحتجاج الأكثر استحقاقًا. وفي نهاية المطاف، لديّ شعور أن هناك رغبة في تحسين ظروف الملّاك، المتظاهرين، ولا توجد رغبة حقيقيّة في إحداث تغيير عميق وجذري. وكأنهم يقولون ‘هي ساعة حرب ولا مجال للحديث عن العنصريّة والنفوذ’. لا أرى حتى وجود محاولة لخلق بديل، وإنما فقط محاولات لإحداث نوبة غضب عالية وبنفس المناسبة التّعبير عن الاستياء من أولئك الذين لا يشاركونهم”.

سيجال هاروش، المتحدثة باسم القوس الديمقراطي الشرقي، تتحدث أيضًا عن الأشياء التي يفضل الاحتجاج إسكاتها: “إن الانخراط الواضح للكيبوتسات في احتجاج بلفور يعزز الشعور بأنّ الاحتجاج ليس على الديمقراطية إنّما على حفظ وإبقاء القوى في أيدي أصحاب النفوذ، ولهذا فهم يحاولون إسكاتنا وعدم إظهار خطاب الهويّات المختلفة. إنّ ادعاء البلفوريين يتمحور حول أن هذه الأوقات توجب الوحدة وعدم الانقسام، وأنّ خطاب الهويات، كما أخبرتني ممثلة منظمة يسارية – يسبب الإرهاق. أنا، نحن، نضالنا – نسبب لها الإرهاق!، وهذا يجعلني أدرك عمق الصدع، لدرجة أنه قد يكون من الأفضل أن ينهار كل شيء، فربما تكون تلك هي الطريقة الوحيدة لينمو شيء أفضل”.

“إنّ تأطير هذه الجهود على أنها تسعى لإعادة الديمقراطيّة وليس تأسيسها، يُظهر المزيد من عمق الفقاعات التي يعيش فيها اليسار والوسط الصهيونيين”

فادي خوري، وهو محامٍ لحقوق الإنسان وطالب دكتوراه في كلية الحقوق بجامعة هارفارد، كتب على صفحته على فيسبوك حول الخطاب الانتقائي الذي يروج للاحتجاج، وماهيّته السياسية: “إنّ تأطير هذه الجهود على أنها تسعى لإعادة الديمقراطيّة وليس تأسيسها، يُظهر المزيد من عمق الفقاعات التي يعيش فيها اليسار والوسط الصهيونيين. ويشدد على عدم الاستيعاب والاعتراف بالعنف المباشر والمؤسسي والثقافي الموجه ضد الفئات المهمشة. واكثر من ذلك كله، فمن وجهة نظر المجموعات المهمشة، بالأخص الفلسطينيين، فالحديث يدور حول السلطة والامتياز ولا يهدف لتحقيق العدل أو لتحصيل الحقوق”.

النّظرة البيضاء: ما بين الوصاية، الهيمنة والعنصريّة

من المثير أن نقف على مطالب وافتراضات المحتجين ضد الجماعات غير البيضاء في البلاد. ففي حين يعلو التّساؤل “لماذا لا تنضمون؟” بنوع من الخشونة تجاه الجمهور الفلسطيني، فإنّ معاملة الإثيوبيين يشوبها الاستعلاء والكبر. أما بالنسبة للنضال الشرقي، فيبدو أن الاحتجاج في وادي العاصي قد كشف أن روح حزب “مباي” العنصريّة مغروسة في طبع العديدين من المنتمين لصفوف احتجاجات بلفور، إذ عندما انضمت ناشطات شرقيات إلى التظاهرات قوبلن بعنف من داخل الاحتجاج.

“يتساءلون: لماذا لا ينضم العرب إلى المظاهرات؟ لماذا لا يخرج العرب للتصويت؟ الخ.. استيقظوا! هل تظنوننا قطيعًا من الدّمى يمكنكم التحكم بها؟” كتبت ليسا حنانيا، وهي ناشطة اجتماعية في يافا، “نحن، مثل شعبكم، متنوعون للغاية، يمكن العثور على آراء مختلفة ومتضاربة في البيت الواحد، كما أننا لا نصغي إلى ما يخبرنا به القادة تلقائيًا. وتحديدًا، لسنا أداة تخدم لعبة الدولة اليهودية – لذلك كفّوا عن السّؤال “لماذا العرب”.

مها إغبارية “ما شأننا بهذا كله؟” (حنا قبطي)

ويشير عبد أبو شحادة أيضًا إلى توقعات المتظاهرين من الجمهور العربي: “أحد الأسئلة المتكرّرة بشكل خاص تجاه ممثلي الجمهور والناشطين الفلسطينيين هو لماذا لا ينضم الجمهور العربي إلى هذه الاحتجاجات، أو بصيغته الآمرة – ‘أجلبوا العرب للانضمام’. وكأنّ هذه الفئة من الجمهور الفلسطيني هي مجرّد مقاول يُحرّك المتظاهرين بحسب أهواء هؤلاء ومن واجبه الوقوف تحت راية إنقاذ الديمقراطية اليهودية”.

وتصف مها إغبارية البعد والرفض الذين ينتابانها بفعل هذا السؤال: “إنهم في حال من الذّهول من حقيقة غياب الجمهور الفلسطيني عن الاحتجاج. أعجب من توقعاتهم. فلو كان لديهم شيء من الفهم، كان من المفروض أن يعرفوا أننا ننظر من الجانب، وأن لا علاقة لنا في الموضوع. في نظري فإن تعجبهم هو تكبّر بحد ذاته، كأن يُتوقع مني أن أفعل شيئًا – “كشريكة”. لا، لست كذلك. ألا ترون ما الذي يصنعونه بنا هنا؟ ما الّذي يفعلونه في الضفة وغزة؟ إن توقعاتهم هذه تدلّ على عدم اتصالهم بالواقع”.

في الأسبوع الماضي، تصدّر العناوين مقطع فيديو لأحد المحتجّين البارزين في احتجاجات بلفور يدعى أمير هشكيل، وهو عميد وطيّار حربي احتياطي في سلاح الجو الإسرائيلي. وقد ظهر هشكيل في المقطع المذكور وهو يصرخ في وجه شرطية من الطائفة الإثيوبيّة “أنا من أحضر أهاليكم إلى البلاد”. كذلك كان مع سادي بن شطريت، المتحدث البارز نيابة عن الاحتجاج في وسائل الإعلام القطرية، فقد خاطب الطّائفة الإثيوبية أيضًا بنبرة السيّد (على أقل تقدير) قائلًا: “إخوتي الإثيوبيين، إذا لم تغادروا منازلكم الآن، فربما تكونون عبيدًا حقًا… ولا تستغربوا بأنّ الشرطة تقتل أبناءكم دون أن يدفع أحد الثمن”.

“أولاً وقبل كل شيء، هم يتوجهون لنا بقول ‘أنتم'” تقول أورطال موغوس، وتضيف “فيقولون ‘أنتم’ عليكم كسب مكانكم هنا، ونحن البيض من حدّد الموقع”، وتتابع موغوس “شخصيًّا، أتذكر اقتباسًا للمفكّرة المفضلة لديّ، مايا أنجيلو، التي قالت إنه من أجل إحداث التغيير، يجب البدء في تفكيك الأسس، وقالت كذلك ‘لا أريد أن أكون جزءًا من مجتمع عنصري'”. وتختم موغوس أقوالها “أمّا أنا فأودّ القول بشكل واضح وصريح: أيها اللعينون، لسنا دروعًا بشريّة تقيكُم الرّصاص. آن الأوان لتتحلّوا بشيء من التّواضع”.

جانيت بالاي. “احتجاج تنبعث منه روائح عدم الارتباط بالواقع”

إذا كنت، بصفتي ناشطًا شرقيًّا يعارض الحكومة الحالية، قد تخبّطت بمسألة المشاركة في الاحتجاج على الرغّم من كل شيء، فإن ردود فعل الكثيرين من محيط احتجاجات بلفور بشأن احتجاج وادي العاصي في مرج بيسان، قد أوضحت لي أنني لا أستطيع الوقوف إلى جانبهم في نفس المكان. وتقول الناشطة سيفان تاهيل “حتى في هذه الأيّام، فإن معظم الهجمات العنصرية التي تعرض لها نشطاء وادي العاصي أتت من طرف أعضاء في حركات مثل ‘إين-متساف’ أو’كرايم مينيستر'” المعارضتين لنتنياهو. وتضيف تاهيل “فعلى سبيل المثال، في منشور ظهر على صفحة ‘كرايم مينيستر’ قبل بضعة أسابيع، والذي تم حذفه بعد بضع ساعات، تمّ التعرّض لشخص الناشط الراحل عوزي مشولام ولنشطاء العاصي وتم وصفهم بالاحتيال”.

وكذلك ياعيل بن يفت تتطرق إلى كون ازدراء النضال الشرقي نقطة فاصلة أمام الاحتجاج: “بحكم مشاركتي بشكل أو بآخر في احتجاجات العاصي، أقوم بالأساس في تعقّب التهديدات أو الخطاب العنصريّ تجاه المحتجين والشرقيين، وهي أساليب فظّة يمارسها معارضو الاحتجاج من أعوان كيبوتس نير دافيد بشكل عام. وعند إجراء بحث بسيط في الصفحات الشخصية للعنصريين والعنصريات تظهر النتائج أن غالبيتهم من داعمي احتجاج بلفور. هنالك شيء ما في الشغف حول شعار ‘فقط ليس نتنياهو’ وهو، لسبب ما، يحاكي تعريف نشطاء العاصي بأوصاف تشوبها الآراء المسبقة والنمطيّة”.

وفي يوم السبت الماضي، خرجت سيجال هاروش للتظاهر، لكن شعار ‘حرّروا العاصي’ الذي حملته معها إلى ساحة الاحتجاج في تل أبيب، لم يلقَ ترحيبًا من المحتجين وقوبل بردة فعل عنيفة. وتصف هاروش ما حدث: “لم أكن أريد الوقوف إلى جانب أناس يطلقون صيحات الاستغاثة على ضياع الديمقراطية من جهة، ومن جهة أخرى يخاطبون فتيانًا شرقيين من بيت شان (بيسان) بعنصرية مروعة، والذين يخوضون بنظري نضالًا مشرّفًا. للأسف، فبعد أن قررت الانضمام بصوتي، قوبلت بالعنف والعنصرية”. وتتابع هاروش “عندما وصلت إلى ميدان ‘هبيما’ في تل أبيب يوم السبت الماضي، برفقة إحدى صديقاتي، وكممثلة عن النضال من أجل المساواة – تمّ دفعنا بعنف، ونزعت مني اللافتة الّتي أعددتها والداعية لتحرير وادي العاصي من قبضة الكيبوتس، كما أننا هوجمنا لفظيًّا وبالإشارات النّابية. وأوضح لي هذا السلوك ما الّذي يمنع الجمهور الشرقي من المشاركة في مثل هذه المنصات”.

لا أنفي احتماليّة وجود من يعتبرون ما كتب في هذا المقال كاستعراض للانفصالية أو النقائية السياسية، ففي عدد لا يحصى من المرات وصلت إلى أسماعي عبارة “تعال وقل ما لديك في الاحتجاج”، ولكن في الوقت الحالي، يجدر الفهم بأنّ الجمهور الفلسطيني في الدّاخل، والجمهور الشّرقيّ كما أبناء وبنات الطائفة الإثيوبية، غير مكترثين حقًّا بهذا الاحتجاج. ومن المهم أن نقول لأولئك الذين لم يستوعبوا بعد: بدون هذه المجموعات، لا يمكن تحقيق العدالة في إسرائيل، ومن المؤكّد بأنه من المستحيل تحدي حكم اليمين بشكل مؤثر كذلك. إن النشطاء والناشطات أعلاه، وانا مثلهم، لن يديروا ظهورهم لمجتمعاتهم ولن يشاركوا في مظاهرات تهمّش مطالباتهم بالعدالة، المرّة تلو الأخرى. ولذلك، لم يتبق سوى أن ننادي، وللمرة الألف: إما أن تشمل الكعكة جميع الأطياف، أو ببساطة، فلن تكون هناك أيّة كعكة.

توم مهاجر هو كاتب وناشط سياسي واجتماعي، ويشغل منصب المدير العام لجمعية “عمرام” لتعزيز الثقافة والهويّة الشرقيّة

إلى المقال الأصلي باللغة العبريّة

سيفان تاهيل أثناء مشاركتها في إحدى المظاهرات ضدّ عنف الشرطة (أورن زيف/أكتيفستيلز)
وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.