لا ناقة لنا في هذا الاحتجاج ولا جمل

إنّ التّمييز العنصريّ الّذي تمارسه الدولة جعل المواطن العربيّ في مرتبة دونيّة وحدّد الطبيعة العدائيّة لمعاملة الفلسطينيين، فالعربيّ بالكاد يحصّل اليسير من مطالبه الأساسية، أفتدعونه للمطالبة بحماية ديمقراطيّة عرقيّة وموبوءة أو تنحية رئيس وزراء فاسد عن مقعده؟
ياسر أبو عريشة

 

منذ أعلنت الحكومة الإسرائيليّة عن فرضها الإغلاق الشّامل داخل أراضي 48 منتصف أيلول الفائت، لازمت منزلي ولم أغادره إلا لقضاء الحاجات الضّروريّة حقًّا. وبعد مرور شهر تقريبًا من الإغلاق أعلنت الحكومة عن جملة من التّسهيلات ابتداءًا من يوم الأحد الفائت، فقرّرت الخروج في جولة نحو مركز تل أبيب مساء يوم السّبت. قادتني قدماي نحو الميدان المحاذي لمبنى بلديّة تل أبيب (ميدان رابين)، حيث أقيمت وقفة احتجاجيّة للحركات السّياسيّة المعارضة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو والمنادية باستقالته إثر تقديم لوائح اتّهام بقضايا فساد ضدّه.

وعند وصولي إلى الميدان لم أرَ إلّا عددًا قليلاً من الأشخاص يجلسون في باحات الميدان على المقاعد أو على العشب، وكان المكان شبه خالٍ، ولم تكن هناك سوى بقايا لمكبّرات صوت عملاقة توحي بأنّ حدثًا احتجاجيًّا كبيرًا مرّ من هنا. تجوّلت قليلاً في الميدان وتأمّلت الشّعارات الرّنانة والمبعثرة في أرجاءه أو المحمولة بأيدي مشاركين مُسنّين كانوا لا يزالون هناك. وخلال تجوالي صادفتُ صديقة هي ناشطة مخضرمة في حقل النضالات المشتركة للعرب واليهود، فأخبرتني أنّ التّظاهرة الغفيرة الّتي اشتركت فيها “حتّى تسيبي ليفني” – على حدّ وصفها – كانت قد انتهت قبل وصولي بقليل، إذ كانت السّاعة قد قاربت الحادية عشرة مساءً وهو الموعد المحدد لفض الاحتجاجات دون تدخُّل من الشّرطة. وأثناء حديثنا اقتربت منا إحدى صديقات هذه النّاشطة الّتي لاحظت كوني فلسطينيًّا، وووجّهت لي سؤالاً يتردّد كثيرًا في صفوف المحتجين ضد نتنياهو: لماذا لا يأتِي المواطنون العرب للمشاركة في التّظاهرات رغم أنّ لديهم مصلحة واضحة على حدّ قولها بأن يتنحّى نتنياهو من منصبه؟

إنّ السّؤال الّذي وجّهته إليّ هذه السّيّدة لم يكن محض الصّدفة، فالمحتجّون لا يصدّقون ما يحدث وكيف لنا نحن الفلسطينيين أن نلتزم الحياد في هذه الاحتجاجات المهمة بنظرهم، إذ هنالك عدّة أصوات داخل المعسكر الاحتجاجي تنادي بدمج المواطنين العرب أكثر في هذه الاحتجاجات، اعتقادًا منهم أنّ هذه فرصة لخلق شراكة عربيّة-يهودية يتمّ فيها توجيه الضغط بشكل أكبر على نتنياهو وحكومته الّتي بالكاد تقف على قدميها. لكنّ هذه المحاولات لتحريك الشّارع العربيّ لم تجدِ نفعًا بل باءت بالفشل مرارًا وتكرارًا طيلة فترة الاحتجاجات منذ انطلقت قبل حوالي 4 شهور، إذ لا يزال الحضور العربيّ في احتجاجات إسقاط نتنياهو مخيّبًا لآمالهم، فيبقى الاحتجاج مصبوغًا بلون واحد تقريبًا، ويقوده المنتسبون لتيّار اليسار الصّهيوني.

الاحتجاجات في شارع بلفور ضد نتنياهو. القدس 15.8.2020 (تامسجن/DMD)

لم أكن حقًّا على جاهزيّة لإجراء النّقاشات السّياسيّة، ولكنّني استجمعت قواي لأجيبها بشكل مختصر أنّ نضال الفلسطينيين هو ضدّ التّمييز العنصريّ والتّهميش، وهو بعيد كلّ البعد عن متطلّبات الاحتجاج الّذي لا يعالج هذه القضايا وينادي بمحاكمة الفاسدين أو الحفاظ على ديمقراطية وهميّة، وهي ديباجة لا ناقة لنا فيها ولا جملاً. ولكن سرعان ما تبيّن أنّ إجابتي لم ترضِ هذه السّيّدة المناضلة، فاستمرّت بالجدال قائلةً أنها غير مقتنعة بردّة فعلنا اللامبالية والتي لا ننتفض فيها على جلادنا في هذه الظروف المواتية، فحاولت أن أفسّر لها الصورة الّتي أراها بشكل أكثر وضوحًا إلا أنني لم أنجح بذلك، فقد كانت السّيدة منزعجة حقًّا من كوني أبرّر موقفًا أنا جزء لا يتجزّأ منه، إذ أنها بالكاد كانت تنصت لما أقول وكانت تردّد “عليكم النّهوض والانضمام لا بديل”. وعندما رأت هذه السّيّدة أنّني على تصميمي وبأننا لن نأتي أفواجًا من كل حدب وصوب لندعم الاحتجاج، انسحبت من النقاش الّذي أقحمت نفسها به فأعادها بخفيّ حنين.

المنظومة الّتي تدير حياة المواطنين في إسرائيل، تعمل على أسس التّفرقة والتّمييز والعنصريّة، فقد صممها مؤسسوها لإعطاء الامتيازات والمزايا للمواطنين اليهود

ولكن إذا ما تعمّقنا حقًّا في أسباب عدم المشاركة في المظاهرات نجدها متعدّدة ومتنوّعة، ولكنها بالمجمل تصبّ في كون المنظومة الّتي تدير حياة المواطنين في إسرائيل، تعمل على أسس التّفرقة والتّمييز والعنصريّة، فقد صممها مؤسسوها لإعطاء الامتيازات والمزايا للمواطنين اليهود، بينما بالكاد تتم تلبية أدنى المطالب للمجتمع الفلسطيني في الداخل، والّذي يعاني منذ النّكبة الفلسطينيّة من التهميش والهدم المستمرّ للنّسيج الاجتماعي، ما أدّى بالمجتمع إلى الوقوع بحالة شبه فوضاويّة تُشكّل حاجزًا أمام نشوء مجتمع صحيّ يتطوّر في ظلّها.

كما أنّ المجتمع الفلسطينيّ في الدّاخل لم يعد يثق بالمنظومة السّياسيّة ككلّ، ومن مجمل ما تعطيه هذه المنظومة بعض الحقوق الشّبه ديمقراطيّة كالحق في الاحتجاج والتّعبير عن الرّأي، إلا أنّ الجمهور الفلسطيني في الدّاخل على مدى العقود الأخيرة اصطدم بوجه آلة القمع الإسرائيليّة منذ هبّة أكتوبر 2000 مرورًا باستشهاد المربّي يعقوب أبو القيعان ووصولاً إلى يومنا هذا، فقد أعلنتها السلطات صراحة أنّها لا ترى العرب حقًّا كشركاء في هذا الصرح “الديمقراطي” المترنّح والّذي يقوده شخص يتهمه القضاء بتلقي وإعطاء رشوى وخيانة الأمانة.

وفي هذه المنظومة أيضًا حقّنا بالتصويت والترشح للبرلمان،  فحتى القائمة المشتركة الّتي تحاول أن تثبّت مكانتها كممثل شرعيّ ووحيد للمجتمع الفلسطيني في الحياة السّياسيّة في إسرائيل، نراها تفقد من ثقلها البرلماني الّذي قد يتضاءل في حال توجّهت البلاد مجدّدًا إلى صناديق الاقتراع بموجب استطلاعات للرأي نشرت على وسائل إعلام إسرائيلية تفقد المشتركة ما يقارب ثلثًا من قوّتها. فإذا كان الشّعب الفلسطيني في الداخل غير راضٍ عن أداء ممثليه المباشرين الّذين أدلى لهم بصوته، فلماذا لهذا الشعب أن يكترث برئيس الحكومة، وهو الّذي جعل من هجماته العنصريّة علينا هواية، يشنها علينا بكرة وعشيّا ومع كل جولة انتخابات دون رادع لا محليًا ولا دوليًا؟

وعدا عن عدم الثّقة بالمؤسّسة السّياسيّة وتوقّع انخفاض نسبة التّصويت لدى المواطنين العرب في أي انتخابات مستقبليّة، فإنّ معظم أهل الدّاخل بعيدون كلّ البعد عن الخوض في حماية ديمقراطيّة هي بالنّسبة لهم ديمقراطيّة تخدم فئة معيّنة. ففي أيّام الجائحة خصوصًا، يشعر الكثيرون بالقلق حول تدنّي الظّروف المعيشيّة الّتي يكافحون تحت وطأتها من أجل تحصيل مدخول يفي بحاجات الأسرة، وذلك في ظلّ ظروف استثنائيّة تعدّت فيها البطالة نسبة 20% على خلفيّة تفشّي جائحة كورونا، وهي أمور كافية لضعضعة الاستقرار وزيادة الضّغوط النّفسيّة على الفرد والمجتمع. ومع أنّ هذه الأسباب ظاهريًّا تعتبر كافية لخروج أي مواطن في بلد ديمقراطيّ للاحتجاج، فإن المواطن العربي في إسرائيل يلزم الحياد غالبًا في ظلّ نظام ديمقراطيّته يشوبها الشّكّ.

كما أنّ المجتمع الفلسطيني في الداخل “الّي فيه بكفّيه”، وهمومه لا يلقي لها احد بالاً، وخصوصًا من أولئك الذين يريدون “إحضار العرب” إلى المظاهرات وكأنّهم سلعة يمكن نقلها وتحريكها كما وصف ذلك الناشط عبد أبو شحادة ابن مدينة يافا، إذ أنّنا نحن الفلسطينيون والفلسطينيات في الداخل نعاني من شحّ الموارد في جميع المرافق: التربية والتعليم، الاقتصاد والبنى التّحتيّة. أضف إلى ذلك انتشار الجريمة والعنف الدّاخلي وقتل النّساء والفتيات، وانتشار الأسلحة الغير مرخّصة الّتي فتكت بأكثر من 1300 شخص في مجتمعنا منذ العام 2000، دون أن تولي أي حكومة اهتمامًا بوضع حدّ لهذه الظواهر الهدّامة. فعندما نحاول فهم ما الّذي يجعل الأمور تتفاقم كلّ الوقت، نصل إلى استنتاج واحد: إنّ التّمييز العنصريّ الّذي تمارسه الدولة جعل المواطن العربيّ في مرتبة دونيّة وحدّد الطبيعة العدائيّة لمعاملة الفلسطينيين، فالعربيّ بالكاد يحصّل اليسير، أفتدعونه للمطالبة بحماية ديمقراطيّة عرقيّة وموبوءة أو تنحية رئيس وزراء فاسد عن مقعده؟

إنّ النّظام السّياسي الصهيوني والمبني على الفصل وعلى التفرقة وخدمة فئات محددة، لا يرى ثمّة مشكلة في استمرار تهميش الفلسطينيين وتسخيرهم لما يتماشى مع مصالحه. ولكي تكون هناك شراكة حقيقيّة بين اليهود وبين العرب في أي نشاط احتجاجي كان، يجب أن يكون هناك فهم عميق من طرف المحتجّين اليهود لاحتياجاتنا الأساسية في تمكين المجتمع الفلسطيني والنهوض به وأن تكون لهم إرادة صادقة في معالجة جميع المشاكل الّتي نعاني منها، كمحاربة الجريمة وتنظيف شوارعنا منها والتخطيط الآني والمستقبلي بشكل يقلّص الفجوات الاقتصادية والتربوية ويضمن المعيشة الكريمة للجميع دون تفرقة. وكلّ هذا لا يمكن حدوثه للأسف إذا لم يتمّ استيعاب الأمر الأهمّ وهو إنهاء التّمييز العنصري بكل ظواهره  ضد الشعب الفلسطيني، إذ أنّ العنصريّة كانت ولا زالت المحرّك للاحتلال في أراضي الضّفّة الغربيّة وللحصار المفروض على غزّة وهي الحاجز أمام إيجاد حلّ عادل ومنصف لقضيّة اللاجئين الفلسطينيين في البلاد وفي الشّتات. وعندها، ستكون اليد الفلسطينية ممدودة للسلام وللنضال من أجل الديمقراطية.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.