عندما لوّح سميح القاسم بنعله في وجه المؤسّسة

في أيّام الحكم العسكريّ، كان من الصّعب الوصول إلى كفر قاسم لإحياء ذكرى المجزرة، ولكن هذه الصعاب لم تمنع الشاعر الراحل من المشاركة في مراسيم إحياء الذّكرى العاشرة وإلقاء قصيدة لا تنسى على مسامع الحضور
رامي عامر

 

أقوم في السنوات الاخيرة بتوثيق وجمع المعلومات عن أبناء الرعيل الاول تكريماً لهم على ما قدموا وضحوا من اجل إحياء الذكرى الاولى لمجزرة كفر قاسم، الّتي ارتكبها جنود حرس الحدود يوم ال-29 من تشرين الأول/أكتوبر 1956. فقد تمّ إحياء الذّكرى حينها رغمًا عن وجود الحكم العسكري آنذاك والّذي كان مفروضًا على فلسطينيي الدّاخل حتّى العام 1966. ولهذا الغرض أقوم بإجراء المقابلات والحوارات مع شخصيّات برزت في عطائها لتخليد هذه الذكرى وأهميتها في نسيج النضال الفلسطيني. وفي هذا العام التقيت بالفنان الرسام عبد التمام ابو غاندي، وبرغم أنّ الغاية من اللّقاء كانت الحديث عن اللوحات التي يرسمها وعلاقتها بمجزرة كفر قاسم، فقد انصبّ حديثنا في نهاية المطاف حول قصيدة كتبها الشاعر الفلسطيني الرّاحل سميح القاسم، والّتي رأت النّور في الذّكرى العاشرة للمجزرة، قبيل انتهاء الحكم العسكريّ.

وبحسب ما رواه لي أبو غاندي، فإنّ كفر قاسم كانت تستعدّ لإحياء الذّكرى عدّة أيّام قبل حلولها، إذ كانت الوفود المشاركة في المسيرة تبدأ بالقدوم الى كفر قاسم قبل تاريخ ٢٩/١٠ بأيام، لأنّ قوّات حرس الحدود كانت تغلق القريه وتمنع الوفود من الدخول اليها. وكان من المعروف لدى الجميع ان الخطابات في يوم الذكرى تكون مقتصرة على أبناء كفر قاسم، كما كان يتم تحضير امسية قبل الذكرى بيوم واحد يشارك فيها الشعراء وبعض النشطاء والمناضلين من ربوع الوطن، وفي أحد هذه الوفود كان الرّاحل سميح القاسم برفقة مجموعة رفاقه في الحزب الشّيوعي. وفي ذات اليوم – أي قبل الذكرى بيوم – كانت تبدأ التحضيرات في ساعات ما بعض العصر للأمسية وبالتحديد في منطقة الصدري القريبة من بوابة مدرسة العماريه اليوم.

حضر المناضلون والنشاطاء ووضعوا مكبرات الصوت على سيارة جيب واستعدّوا لبدء التحضيرات والخطابات ولكن لسوء الحظّ كان هناك انقطاع لتيار الكهرباء. ولكنّ هذا لم يثنهم عن إتمام ما يريدون، فقد كانوا مستعدين لكل طارئ أو خلل، إذ تزوّدوا مسبقًا بالبطاريات الّتي ساعدت في تشغيل الميكروفون ومكبرات الصّوت. وبين كل تلك الجموع كان الشاعر سميح القاسم يجلس نائيًا في زاوية على الحجارة وبجانبه جلس الفنان عبد التمام “ابو غاندي”.

كان القاسم يراقب ما يحدث في المنطقة من حوله ويرسم المشهد في ذهنه وبكلماته، كان يمسك بقلم وورقة، يكتب وينظر إلى المشهد ويعيد ذلك المرة تلو الأخرى. وفي المقابل كان يقف في الزاوية الاخرى جيب عسكري وامام الجيب وقف ضابط يتّكئ على بندقيته تارة ويحملها تارة أخرى. ومع مرور الوقت بدأت الامسية وبدأ إلقاء الخطابات وصدعت الكلمات في الفضاء، إلى أن جاءت فقرة الشاعر سميح القاسم. وأوّل ما ابتدأ به أقواله كان بيتًا من الشّعر: “رغم ليل الخنى ونير المظالم حلَّ وفدُ الكفاحِ يا كفر قاسم” مُشيدًا بكفاح الوفود الّتي تحدّت صعاب الوصول الى كفر قاسم نيّة المشاركة في إحياء ذكرى المجزرة.

ثم استمر بقراءة القصيدة حتى وصل الى البيت الذي يقول فيه: “رغم حقد الرشاش يشهره البغيُ اتينا فليلعق النعل حاكم” وعندما قال هذا البيت من الشعر نظر سميح القاسم الى الضابط الّذي وقف بجوار الجيب، ثم خلع نعله وقال “فليلعق نعلي حاكم” … ثم استمر في القصيدة إلى نهايتها. وإليكم القصيدة كاملة:

الشاعر سميح القاسم في الذكرى العاشرة لمجزرة كفر قاسم، 1966 (أرشيف أبو الوليد)

رغم ليـل الخنى ونير المظالِـمْ
حَلَّ وفدُ الكفاح يـا كفرقـاسمْ
رغم عسف الطاغوت يزبد سمّاً
رغم سدّ الأسلاك في الدّرب جاثِمْ
رغم حقد الرشاش يشهره البغيُ
أتينـا فليلعق النعـلَ حـاكـمْ
نحنُ من شعبـك المقيـم على
عهد الضحايـا وذكريـات المآتِمْ
نحنُ أبناؤُكِ الأبـاةُ على الضيمِ
أتيـنـا مـن الجليـل المقـاوِمْ
ومن الكرمـل الصمود أتينـا
لهبـاً في مرابـع البغـي حـائِمْ
يا قبور الأحبـاب ألف سلامٍ
مـن قبـورٍ عزَّت عليهـا المعالِمْ
أيّ شيءٍ مـن العزاءِ نُزَجِّي؟
نحنُ في أسـرةِ الحـداد توائِـمْ
نحنُ جئنا نهيبُ أن تستفيقي
فلتُلبّي النـداءَ يـا كفـرقاسمْ!

إذًا فهكذا كان إحياء الذّكرى العاشرة للمجزرة، أمّا اليوم وفي ظلّ ظروف استثنائيّة بفعل جائحة كورونا، فإنّ كفر قاسم تحيي مراسيم الذّكرى ال-64 للمجزرة بأساليب متنوعة تتكيّف مع روح هذه الفترة، وذلك وفاءً وإكرامًا للشهداء. وكما كانت العادة ففي هذه السّنة سنتذكّر الشهداء بمسيرة تجوب أنحاء المدينة وتلتزم بشروط وزارة الصّحّة وبتعليمات الوقاية، كي لا ننسى.

رامي عامر هو ناشط اجتماعي ومتطوع في الارشاد عن تاريخ كفر قاسم ومجزرتها

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.