لن يحلّ العدل مع وجود العنصريّة

إنّ التغيير يبدأ أولاً في تغيير اللهجة الاستعلائية والعنصرية المستخدمة بحق العرب، ثم من المفترض أن يتم تطوير أساليب تمنح المساواة في الفرص ودعم المجتمع العربي في النمو والخروج إلى حياة أفضل يتحسن فيها اقتصاديا واجتماعيا، وهذا امر لا يجوز أن تكون فيه تفرقة بين عربي او يهودي
ياسر أبو عريشة

 

أشعر ببعض الخجل كوني لم أزر مدينة اللّد الفلسطينيّة قط ولم أتعرّف عليها وعلى معالمها وتاريخها العريق، تلك المدينة الّتي لها مع النّكبة الفلسطينية رواية مؤلمة ومأساتها في الذّاكرة الفلسطينيّة لها وقع خاص، فعمليّات التهجير والقتل والنّهب حصلت في وقت متأخّر من أحداث النّكبة أثناء حرب عام 1948، ولم تبقِ على الكثيرين من سكانها الّذين أمسوا اقليّةً في مدينة مختلطة يسكنها اليوم اليهود والعرب ويشكّل فيها الفلسطينيون ما يقارب ثلث عدد السكان.

في الأمس تواردت إلي خبر بشأن مظاهرة خُطّط لها في ساحة بلديّة الّلد احتجاجًا على تفوهات عنصريّة أدلى بها رئيس البلديّة يائير رفيفو، فركبت سيارتي ومضيت في طريقي إلى اللد لأول مرة. وكان رفيفو قد أطلق مؤخّرًا عدّة تصريحات تشوبها العنصريّة والفوقيّة بحق سكّان المدينة العرب، حيث كانت آخرها تلك الّتي صرّح بها في لقاء تلفزيوني عبر القناة 13 الإسرائيلية في حديث له مع الصحفي أمنون ليفي، وأثناء تطرّقه لموضوع العنف والجريمة في المجتمع العربي وفي المدينة بالذات، قال رفيفو “حتّى لو وضعت شرطيًا داخل كل بيت في المجتمع العربي، فمن المحتمل أن تكون جريمة، ولماذا؟ لأن هناك ثقافة استخدام السلاح”. وعقب هذه الأقوال أقيمت أمس وقفة احتجاجية بمشاركة عدّة عشرات من الناشطات والنشطاء في المدينة، الّذين ندّدوا بأقوال رفيفو العنصريّة وهتفوا ضدّ العنصريّة المؤسسية المتجسدة بمعاملة وتعامل الشرطة مع ملفات الجريمة في المجتمع الفلسطيني عامة في الداخل وفي اللد على وجه الخصوص.

كانت الوقفة الاحتجاجية أمام مبنى البلدية سلمية وهادئة كما أن المشاركين فيها حافظوا على معظم تعليمات الوقاية المتبعة في أيام الجائحة، وقد استمرت نحو ساعة من الزمن ثم تفرق الحشد كل إلى سبيله، ولكن مشاعري اختلطت علي في هذه الزيارة إلى اللد التي يحاول فيها أهل المدينة الفلسطينيون التصدي للممارسات العنصرية التي تتخذ بحقهم. صحيح أن هذه لم تكن المرة الأولى التي تسمع فيها تصريحات تشوبها العنصرية والاستعلاء من قبل جهات حكومية أو ممثلة للسلطة، ولكن تراكم هذه الأحداث مؤخرًا مثير للقلق ويعكس ثقافة كاملة تميز المؤسسة في تعاملها مع العرب. فقبل رفيفو كان ذلك دور البروفيسور جامزو المسؤول سابقًا عن ملف الكورونا في الحكومة، سبقه أيضًا رئيس الحكومة نفسه الّذي لم يفرط بأي فرصة لمهاجمة المواطنين العرب أو ممثليهم أثناء الجولات الانتخابية الأخيرة في إسرائيل. 

وفي هذا السياق قام موظف حكومي آخر بالتفوه بشكل عنصري بحق العرب، ولكن هذه المرة تم جمعهم مع الحريديم (اليهود الأرثوذوكس)، حيث قال آفي سمحون مستشار نتنياهو للشؤون الاقتصادية في لقاء تلفزيوني على قناة “كان 11” الحكومية أنّه “في دول أخرى لا يوجد عرب أو حريديم، وهناك النّاس مطيعون بشكل أكبر”. وبصراحة فإنني أشعر بالحيرة إزاء أقوال سمحون هذه، أهي مبنية على أسس علميّة أم أنه نسخها من بعض أصدقائه؟

إن الحوار الذي تتم إدارته بشكل عنصري والحديث بألفاظ فوقية استعلائية هما أسلوبان لا تجتهد المؤسسة في إخفائهما أو كبحهما، بل إن هذا المنهج يضيف لبنة اخرى في تاريخ المعاملة المرتكزة على أسس التمييز تجاه السكان الفلسطينيين، الّذين يستمرون بالمعاناة بفعل ممارسات المؤسسة الإسرائيلية، والتّي بدلاً من أن تقوم بأداء مهامها كجسم إداري يوجد الحلول للجمهور العام ويهدّئ النفوس القلقة على المستقبل، الصحة والعيش، فهي تقوم بالعكس تمامًا حين تنتهج التفرقة والتحريض كي تتحيّد مسؤوليتها.

مظاهرة ضد العنصرية في مدينة اللد 8.11.2020 (ياسر أبو عريشة)

منذ بدء تفشّي وباء كورونا، كان كلا المجتمعين – العربي واليهودي الأرثوذكسي – في بؤرة الهجمات من طرف الجمهور العام وخصوصًا من طرف جهات رفيعة المستوى في النظام، ولكن هذه الهجمات لم تكن ولا يمكنها أن تكون أساسًا لتلفيق التهم بحق المواطنين، بالرغم من عدم تصرف جزء منهم بشكل لا يتلائم مع الطريقة المثلى لمكافحة المرض ومنع تفشي الوباء، خصوصًا في أعقاب التجمعات الكبيرة، الاعراس والصلوات الجماعية التي كان لها يد في انتشار الوباء. إذ للدولة نصيب الأسد في هذه النتائج التي وصلنا إليها، ومن الممكن ربط التفشي بعامل آخر هو تخاذل الدولة التي لم تستثمر في التوعية ونشر المعرفة بشكل كاف، كما أنها تقف عاجزة عن تقديم حلول واستجابة ليس فقط للعرب والحريديم، إنما للمواطنين أجمع، وبالتالي فقد الكثيرون شبكات النجاة الاقتصادية والاجتماعية التي هم بأمس الحاجة إليها في هذه الأيام. 

وفي السياق ذاته، فإن المجتمع العربي الذي يعاني من التدني في التطوير ونقصان حاد في الموارد مقارنة بباقي الشرائح السكانية، قد بدأ معركته مع الجائحة من نقطة انطلاق متدنية أصلاً بفعل سنوات من التمييز في منح الميزانيات والنهوض بالمجتمع في كل ما يخص المشاركة في سوق العمل ورفع المستوى العلمي والتعليمي والبنى التحتية. أضف إلى ذلك حالة الفوضى الأمنية في البلدات العربية التي أثقلت الجريمة كاهلها وهدمت عصابات الإجرام نسيجها الاجتماعي إلى جانب تفشي العنف عامة في المجتمع العربي في الداخل. وفي ظل كل هذه المعضلات فإن الدولة ومؤسساتها المعنية وعلى رأسها الشرطة، لا تستثمر جهدًا كافيًا في مواجهة هذه الآفات ولا تعمل بجدّ لتخلق حيزًا آمنًا للسكان العرب في بلداتهم. 

وهنا تجدر الإشارة أنّ اقتراح رفيفو بتنصيب شرطيّ في كل منزل عربي مهما كان مبالغًا فيه، ففيه محاولة للتنصل من المسؤولية ودحرجة الكرة إلى العرب وبأن الإجرام هو مشكلة ثقافية وهذه هي قمة العنصرية. إنّ التغيير يبدأ أولاً في تغيير هذه اللهجة الفوقانية والعنصرية المستخدمة بحق العرب، بعد ذلك يجب تطوير أساليب تمنح المساواة في الفرص والتركيز على وصول من يحتاج هذه الفرص ودعمه في النمو والخروج إلى حياة أفضل يتحسن فيها وضعه الاقتصادي والاجتماعي، وهذا امر لا يجوز أن تكون فيه تفرقة بين عربي او يهودي، لا في اللد ولا خارجها. إن تساوي الفرص هذا من شأنه أن يخلق مناخًا أقل عنصرية وأكثر اعترافًا بقيمة التنوع وتأثيره الإيجابي في المجتمعات، على عكس الانفصالية التي لا تجلب الخير على المجتمعات وتنمي فيها النزعات العنصرية والتفرقة.

إن العالم يتغير أمام ناظرينا، وفي اجزاء واسعة منه يعي الناس أن آفة العنصرية لا يمكنها أن تقوم لها قائمة ولا أن ترفع رأسها في مجتمعات صحية. وبينما يستمر النهج العنصري في إسرائيل، فإن العالم لا ينتظر وتحصل فيه التغييرات تباعًا. فهذه الولايات المتحدة حيث وصل التوتر فيها بين السود والبيض إلى ذروته في عهد الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترمب، ولكن الغالبية المؤمنة في نور العلم والثقافة والمساواة حاربت العنصرية بكل طاقتها لكي تهزم أحد أسوأ رؤساء الولايات المتحدة على مدى العصور، ونصبت مكانه رئيسًا ديمقراطيًا يعلق الكثيرون عليه آمالًا بتعديل ما قام ترمب بإفساده إلى جانب نائبة من أصول آسيوية-كاريبية هي أول امرأة تشغل هذا المنصب في التاريخ الأمريكي. وفي اليوم الّذي فيه تختفي مظاهر العنصريّة من واقعنا فحينها ستنعم الشعوب بالعدل والمساواة وسيحصل كل مظلوم حقوقه المسلوبة.

 

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.