نعاني من مرض استعماري لا محالة

نوقع على اتفاق تطبيع هنا وآخر هناك مع بعض الدول العربية، متجاهلين تمامًا حقيقة أنه على بعد خمس دقائق من مدينة كفار سابا، تسود حالة هي العكس تمامًا لكل ما هو طبيعي
إيلان سابان ودينيس شربيط

 

إنّ النضال المهم والجاري في هذه الأيّام ضد حكم نتنياهو، يخفي في ثناياه حقيقةً مهمة. إذ هنالك صراع آخر، أشدّ خطورة، والّذي مع شديد الأسف فقد الكثير من قوته. لا نزال في موضع السيطرة على ملايين البشر. هو حال استعماري، يقرع طبوله، ولكننا نفضّل أن نكون أصمة تجاهه أو متغاضين عنه.

تساعدنا المقارنات التاريخية على فهم الشكل الذي قد يبدو عليه المستقبل، ولذلك نسعى لإلقاء نظرة على فرنسا حين استعمرت الجزائر، حيث استنزفت منها عمليّة إنهاء الوضع الاستعماري ثمنًا باهظًا. فخلال الحرب قُتل مئات الآلاف من الجزائريين ونزح الملايين عن قراهم، كما أنّ حوالي مليون مستوطن فرنسي نزحوا في الوقت ذاته وقُتل الآلاف منهم. كانت فرنسا تقف على شفا تفكك ديمقراطي وعلى شفا حرب أهلية في الوقت الّذي حصلت فيه كذلك ثورة الجنرالات الفاشلة.

في الواقع تُعتبر كل حالة استعمارية فريدة بطريقتها الخاصة. فبيننا وبين الفلسطينيين ​​لا يفصل البحر المتوسط، والفلسطينيون، على عكس الجزائريين في صراعهم مع فرنسا، لا تنحسر مطالبهم في الأراضي المحتلة وحسب بل تتعلق بإسرائيل أيضًا، أي أنها تطال أراضي عام 1948 أيضًا وليس فقط  الأراضي المحتلة عام 1967. وفي ظل ذلك نسمع أصواتًا في صفوف المستوطنين وأنصارهم على أنه “لا يوجد شعب محتل في وطنه”. في الواقع، لا يمكن إنكار حقيقة أن لدى الشعب اليهودي علاقة في يهودا والسامرة لا وجود لمثيلة لها في الحالة الفرنسية مع الجزائر.

لكن الحالة الاستعمارية، كما شخصّها ألبير ممي بشكل حاد في كتابه، صورة المستعمِر وصورة المستعمَر (1956)، هي ليست بالمسألة الجغرافية، إنما هي نظام أسياد إقطاعي: في موجبه يتم إنشاء نظام قانوني، سياسي وأمني لأقلية من المستوطنين الّذين أتوا من دولة أم معيّنة على حساب السّكّان الأصليين عديمي المواطنة والمحرومين من القدرة على تغيير الأمر المفروض عليهم. من ذا الذي يختلف مع هذا السؤال في الأراضي المحتلة عام 1967؟

احتجاجات شارع بلفور ضد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. القدس 15.8.2020 (تامسجن/DMD)

في مقال بعنوان “أنتم رائعون”، فكّ جان بول سارتر في عام 1957 الآليات الدفاعية التي أنكر المجتمع الفرنسي من خلالها الجرائم المرتكبة باسمه من أجل الاستمرار في الحفاظ على سيادة مستوطنيه. في هذا المقال كتب كلماته اللاذعة الّتي عبّرت عن عمق الشّرخ في المجتمع آنذاك “الحقيقة أننا مرضى. مرضى جدًا”، حيث عدّد حججَ الكبت التي تشبه بشكل ملحوظ تلك المألوفة لدينا: التعذيب، العقاب الجماعي، كون إيذاء الأبرياء امرًا استثنائيًّا، الأعشاب الشاذّة؛ على عكس أعدائنا، إرهابيي جبهة التحرير الوطني. وإلى جانب ذلك، فإنّ هذا هو حال الحرب. وعلى أي حال، لسنا متفانين لهذه الدّرجة كي نتعامل مع معاناة الآخرين بدلاً من التعامل مع معاناتنا الشخصية. كما أن المنتقدين الخارجيين ليسوا سوى منافقين.

لم يبرئ سارتر الإعلام من المسؤولية – ذلك الإعلام الذي لا يبخل عادة باستخدام التعابير والصور لوصف فظاعة مقتل عائلة بريئة من المستوطنين، بينما كان يكتفي في الوقت ذاته بخبر هامشيّ للإبلاغ عن إقدام أسير عربي على “الانتحار” في زنزانته. كما أن سارتر كان منشغلًا بصمت المثقفين، فقد كتب أن هنالك كتاب صادقون وشجعان يكتبون ما يعرفونه، وفي المقابل هنالك من يريدون كمّ أفواههم وأن يُلقوا بهم في غياهب السجون. كما أنه اتهم المفكرين بالصمت، خاصة كونهم أشخاصًا قد يكون لصوتهم وقع وصدى مهمين. ورفض سارتر كذلك الادعاء بأن الشعب الفرنسي العادي لا يعرف شيئًا عما يحدث في الجزائر، فقد كان الناس على دراية بما يجري أكثر من الحد الكافي. لذلك فقد وصف الاستعمار بأنه غرغرينا ستستمر بالتّفشّي مع مرور الوقت حاملة الكوارث في ثناياها، ما لم تتحرر فرنسا من لعنتها.

جريمة الاستعمار لا تذهب إلى أي مكان بل تمضي في تعميق جذورها

لا نعتقد أنه بالغ في أوصافه. لقد اختزلنا في السرد أعلاه الأثمان الصادمة لتلك الحرب. لقد كانت قيادة ديغول والرصانة التي تغلغلت في الرأي العام الفرنسي بعد سنوات عديدة من التجاهل، هي التي انتشلت فرنسا من رمال الجزائر ومنعت أهوالًا صادمة أكثر بكثير. تزامنت عملية الإنقاذ تلك مع محاولات اغتيال ديغول والإرهاب المروع لمنظمة الجيش السّري (OAS) التي حاولت، نيابة عن المستوطنين ومن أجل الإبقاء على الجزائر في أيدي فرنسا، تثبيت سياسة “الأرض المحروقة”.

ونحن، نحن أيضًا مرضى. جدًّا. فإلى أين ستكون وجهتنا؟

نكبِتُ في نفوسنا، نبرّر الأمور، نتوق لديغولٍ خاص بنا لم يصل بعد، ونحلم بـ”سارترينا”، الذين وافت المنيّةُ معظمهم. وفي غياب سلام الشجعان، نوقع على اتفاق تطبيع هنا وآخر هناك مع بعض الدول العربية، متجاهلين تمامًا حقيقة أنه على بعد خمس دقائق من مدينة كفار سابا، تسود حالة هي العكس تمامًا لكل ما هو طبيعي. البعض منا سعيد .. معظمنا صامتون. وفي أحسن الأحوال، نتعامل مع أمور مهمة أخرى، مثل النضال ضد حكم نتنياهو الفاسد، بيد انّ جريمة الاستعمار لا تذهب إلى أي مكان بل تمضي في تعميق جذورها. إنه لمن السيء أن نتوانى عن دقات الساعة الأخرى.

قد اغتيل هنا في السّابق رئيس للوزراء فقط لأنه أراد تغيير مجرى الأمور، والكثير من كل ما يحدث لنا منذ تلك الأوقات هو مرض استعماري لا محالة. وإنه لمن المحزن أننا لا نتعلم ولا نُعلّم الدروس الدموية التي ينضح بها التاريخ – في الجزائر، في جنوب إفريقيا وفي العديد من الأماكن الأخرى حول العالم، على الرّغم من وجود الاختلافات ولكن بالذّات بسبب أوجه الشبه الأساسية.

الدكتور إيلان سابان يُدرّس في كلّيّة الحقوق في جامعة حيفا، البروفيسور دينيس شربيط يُدرّس في قسم علم الاجتماع، العلوم السّياسيّة والإعلام في الجامعة المفتوحة

للمقال الأصلي باللغة العبريّة

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.