هل سينجح العالم في مواجهة الاحتباس الحراري؟

إنّ العقود الثلاثة اليائسة التي مرت بكل ما يخص التغير المناخي، قرّبتنا من الخطر الذي أصبح حقيقة وفقًا لتوقعات العلماء. فقد اقتربنا من “النقطة المادية” التي يصبح فيها الخطر حقيقة تغير عملية صنع القرار
رامي كبلان

 

في كتابه “The End of the End of the Earth” (النهاية لنهاية العالم)، يدعي المؤلف والرّوائي جوناثان فرانزن أن المعركة ضد الاحتباس الحراري قد أفلتت من يد البشرية وبأنّ القطار قد فاتنا. لذلك، يجب على دعاة حماية البيئة بأن يوجهوا طاقاتهم نحو أهداف أكثر تواضعًا وأكثر قابلية للتحقيق. والأمر ليس لكون فرانزن منكرًا لحقيقة تغير المناخ ويقلل من حجم الكارثة المتوقعة على الجنس البشري بسبب الاحتباس الحراري – لا على الإطلاق؛ ولكنه يدّعي بأن الحركة البيئية تخدع نفسها بأن الخلاص لا يزال ممكناً. رداً على هذه الأدّعاءات اتهمه بعض النشطاء بـ “الجبن المناخي”.

لكن الحقيقة هي أن الشكوك الّتي يعرب عنها فرانزن من المفترض أن تزعج أي شخص يتابع البيانات ويدرك عمق الفجوة بين الكلمات العالية الرّنانة والخطوات العملية الّتي يتم اتخاذها للحد من انبعاثات غازات الدّفيئة. لهذا السبب، من المهم في رأيي مواجهة هذا الادعاء مباشرة. وما أود أن أجادل عنه هنا بإيجاز هو بأن توقعات فرانزن متشائمة للغاية. إن الافتراض القائل بأن “ما قد كان هو، ما ستكون عليه الأمور مستقبلاً” – أي استمرار الفشل السياسي للإصلاحات المناخية العالمية – يمثل إشكالية. في الواقع، تتراكم المؤشرات الآن على أننا، ربما، نقف على حافة مفصلية. يتسبب قرب حصول الكارثة في تعبئة متزايدة ضد تغير المناخ، بما في ذلك – وهذا في غاية الأهمية – من قبل القوى الرأسمالية التي كانت حتى الآن عالة في وجه إحراز تقدم في النضال المناخي.

فرانزن محق في أن إنجازات صراع المناخ حتى يومنا هذا لا تكاد تذكر. فمنذ إطلاق التجاوب العالمي لتغير المناخ في قمة ريو دي جانيرو (1992)، لم تتوقف انبعاثات غازات الدّفيئة عن التزايد، بل وبلغت حصتها العالمية في أيامنا هذه أكثر من 60٪. ومن ناحية أخرى، فقد ارتفع متوسط ​​درجات الحرارة حتى الآن بمقدار درجة واحدة تقريبًا عن المستوى الذي كانت عليه في حقبة ما قبل الصناعة، ويعتقد العلماء في اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن هنالك جدوى تكنولوجية وتنظيمية لتحقيق أهداف اتفاقية باريس (الحد من الاحتباس إلى مستوى درجتين، ويفضل أن تكون درجة ونصف). إذن، لم يخرج الأمر حقًا عن السيطرة.

“Greta Thunberg” by World Economic Forum is licensed under CC BY-NC-SA 2.0

إن المشكلة الرئيسية هي الجدوى السياسية، بالطبع. يعود فشل الإصلاح حتى الآن إلى العديد من العوامل، ولكن السبب الأساسي هو استمرار الرأسمالية العالمية المفرطة حيث يمثل النمو المتسارع القائم على المنافسة في السوق قيمة عليا. فعلى الرغم من ضغوط الحركة البيئية، وعلى الرغم من حقيقة أن معظم السكان في العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة، يتوقعون إجراءات حكومية مناخية أكثر تصميماً، فقد نجحت الشركات الكبرى في التأثير على معظم الحكومات، وعلى رأسها حكومة الولايات المتحدة، لمعارضة تغيير الأولويات العالمية. لقد كانت الشركات متكلفة في نهجها لأنها إلى جانب معارضة التدخل في السوق، نجحت في الترويج لسياسات مناخية صديقة للسوق. والنتيجة هي أنه بدلاً من تكييف الرأسمالية مع المصلحة البيئية، حدث العكس: فإنّ الإصلاح البيئي يعتبر شرعيًا طالما أنه لا يضر بالنمو الاقتصادي والمنافسة. إن التعبير السخيف الحالي لهذا الصدع هو فشل معظم البلدان في الالتزام، حتى على الورق، بخطط إصلاح طموحة في ضوء أهداف باريس.

لا يبدو الأمر مبشرًا، لكن الأمور قد تتغير. ففي حالة الحرب، تكون المجتمعات قادرة على الحشد من أجل عمل جماعي بعيد المدى، بما في ذلك استيلاء الدولة على النشاط الاقتصادي. لا يمكن إنكار حقيقة أن المخاطر المناخية طويلة المدى – إلى جانب الإنكار المناخي النشط لصناعة النفط والجناح اليميني في الولايات المتحدة، وممارسات “الغسل الأخضر” للشركات – قد أخرت تطور الشعور العام بالإلحاح الطارئ للأمر. لكن العقود الثلاثة اليائسة التي مرت، قرّبتنا أيضًا من الخطر الذي أصبح حقيقة وفقًا لتوقعات العلماء. لقد اقتربنا من “النقطة المادية”، كما تم تسميتها في عالم الاستثمارات المالية، والتي سنذكرها قريباً، حيث يصبح الخطر حقيقة تغير عملية صنع القرار.

هناك علامات على أننا في خضم صحوة وتحول سلوكي. الحكومات، التي أصبحت بعد عقود من العولمة النيو-ليبرالية عضوًا في السوق، هي بالفعل آخر من يصحو من الغفلة. لكن فكرة الصفقة الجديدة الخضراء، التي تكتسب زخماً في أوروبا وفي صفوف الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة، قد تبشر بتغيير في الاتجاه. إن فوز بايدن في الانتخابات الرئاسية يدعو للتفائل، وإذا عادت الولايات المتحدة لاتفاقية باريس التي استقالت منها قبل حوالي ثلاثة أسابيع، فستكون تلك بداية جيدة. على مستوى المجتمع المدني، فقد ظهرت حركات احتجاجية جديدة مؤخرًا، مثل “التمرد ضد الانقراض” وحركة جيل الشباب للناشطة غريتا ثونبرج، والتي تنستنبط تحفيزها من عقارب الساعة المتسارعة. ومن المرجح أن تتزايد هذه التعبئة المدنية.

فكرة الصفقة الجديدة الخضراء، التي تكتسب زخماً في أوروبا وفي صفوف الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة، قد تبشر بتغيير في الاتجاه

وبشكل مثير للدهشة بعض الشيء، وسوف أتوسع في ذلك قليلاً، حتى من طرف الرأسماليين فستكون هنالك بشرى. إذ أنّ قادة العالم في هذه الحقبة، رؤساء الشركات متعددة الجنسيات وكبار المستثمرين، بدأوا يدركون أن إصلاح المناخ يجب أن يحدث أو أن الأرض ستنهار تحت أقدام المنظومة. فقد أطلق كبار سماسرة الأسهم والاستثمار مؤخرًا حملة واسعة النطاق لتعزيز أهداف اتفاقية باريس. تجمع إحدى المبادرات الّتي تحمل اسم +Climate Action 100 أربعمائة وخمسين صندوقًا تتحكم في ما يقرب من نصف الأصول المالية في العالم. تفعّل المبادرة ضغوطًا مكثفة على 160 شركة مختارة، مسؤولة عن ثلثي التلوث العالمي. في العامين الماضيين، أدى هذا الضغط إلى قيام العديد من الشركات المسؤولة عن انبعاث غازات الدفيئة بالإعلان عن التزاماتها بخفض بصمتها الكربونية، وفي بعض الأحيان حتى لربط رواتب المدراء التنفيذيين بهذه الأهداف.

علاوة على ذلك، يُظهر النشاط المالي الجديد راديكالية غير مسبوقة في صفوف داعمي المؤشرات. قسم منهم يعبرون صراحة عن دعمهم لتدخل الدولة، وفي حالة غير مسبوقة حصلت في أيار/مايو الماضي، قاد المستثمرون قرارًا في اجتماع أصحاب الأسهم في شركة شيفرون يطالب إدارة الشركة بتقديم تقارير حول العلاقة بين أنشطة الضغط السياسي (اللوبي) وأهداف اتفاق باريس (تنفق أكبر خمس شركات نفطية خاصة في العالم، ومن بينها شركة شيفرون Chevron، حوالي 200 مليون دولار سنويًا سعيًا لكبح إجراءات سياسية عامة في مجال المناخ).

هذا القرار المذكور أعلاه يعتبر غير ملزم في الوقت الحالي، ويقتصر على شيفرون فقط، ويجب النظر إلى موجة الالتزامات للحد من انبعاثات الكربون على أنها محدودة الضمان أيضًا – ففي الوقت الحالي، هي ليس أكثر من محاولة لكسب الوقت. لكن عالم الشركات وكبار المستثمرين يعي مسألة مرور الوقت، وبأن خطر الخسارة الشخصية والدمار العام يتحول إلى حقيقة يومًا بعد يوم. وعلى خلفية ذلك، ومع استمرار العد التنازلي، قد ينفذ صبر العالم الرأسمالي أمام إجراءات الغسل الأخضر.

كل هذه علامات – حتى وإن لم تكن يقينيات – على أننا نواجه ارتفاعًا عالميًا يتعدى القطاعات في الوعي بحالة الطوارئ والميل لاتخاذ خطوات عملية في وجه الخطر. فهذه ظاهرة اجتماعية قد تتسع مع تقدم الأزمة. ومن المؤكد أن معارضة إصلاح المناخ العالمي ومحاولات التملص ستستمر وتتخذ أشكالاً جديدة. لكن هذا الوقت يعتبر الأنسب تمامًا لا لليأس، وإنما للتفاؤل.

د. رامي كبلان يُدرّس في جامعة تل أبيب ويبحث في السياسات البيئية العالمية

 

 

 

 

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.