لماذا عارضت المشتركة قانون فتح مراكز الشرطة؟

بسهولة مثيرة للسخرية، نجحت الشرطة في مساعيها لتمرير قانون يسمح لها بإقامة محطات للشرطة في البلدات العربية بالاتفاق مع رئيس البلدية فقط، دون الحاجة لموافقة أعضاء المجلس. ولكن محطات الشرطة التي أقيمت مؤخرًا في عدة قرى ومدن عربية لم تثبت أن وجودها يسهم في خفض معدلات العنف والجريمة
ياسر أبو عريشة

 

قبل بضعة أيّام شاهدت حوارًا تلفزيونيًا على المحطّة التّابعة للكنيست الإسرائيلي، وقد شارك في هذا الحوار كل من الدكتور سمير صبحي رئيس بلديّة أم الفحم والناشط يوسف حدّاد وهو ضابط سابق في الجيش الإسرائيلي ويرأس جمعية تحمل اسم “ضمان لبعضنا البعض” (ביחד – ערבים זה לזה)، والتي تهدف بحسب وثائق الجمعية المسجلة لدى السلطات إلى “إنشاء صلة بين الوسط العربي والمجتمع الإسرائيلي”.  

وجاء هذا النّقاش على خلفيّة خطاب ألقاه النائب أيمن عودة في الكنيست مؤخّرًا، تمّ تداوله والتفاعل معه بشكل كبير على منصات التواصل وفي وسائل الإعلام، ووصفه الكثيرون حتى بأنه أحد أقوى خطابات النائب عودة في البرلمان الإسرائيلي. لا شكّ في أن النائب عودة كان يتحدّث من صميم قلبه أثناء إلقائه ذلك الخطاب، والذي هاجم فيه نهج الشرطة وتعاملها الفاتر بكل ما يخص مكافحة الجريمة في مجتمع الدّاخل الفلسطيني. ورغم أن الكثيرين كالعادة يسارعون في التشكيك بصدق ما يقوله السياسيون من على المنابر والمنصات، ففي هذه المرة بالذات أتى خطاب النائب عودة في وقت يشهد فيه المجتمع العربي موجة من العنف راحت ضحيتها  مؤخرًا وفاء عباهرة من عرّابة والتي قتلها طليقها طعنًا في وضح النهار وسط البلدة. 

مقتل وفاء عباهرة عكس مجددًا عمق الهوة ما بين المجتمع الفلسطيني والشرطة الإسرائيلية التي لا زالت تعامل العرب على أنهم أعداء ولا تأبه حقًا بأن يحل الأمن في مجتمعنا لا في مجال حماية النساء المعنفات، ولا في القضاء على ظاهرة تفشي السلاح غير المرخص والسوق السوداء. ومما لا شك فيه أن القائمة المشتركة بذلت مجهودًا لا يمكن الاستهانة به في بناء المخططات وتقديم التوصيات لأجل القضاء على هذا الوباء المجتمعي، ولكن قدرتها محدودة تحت نظام الفصل المعمول به في دولة إسرائيل اليهودية والديمقراطية. ولذلك فمن الممكن فهم شعور النائب أيمن عودة إزاء تقاعس الحكومة والشرطة ومحاولات نتنياهو لخلق شرخ داخل المشتركة، كما فعل مؤخرا من خلال استمالته للنائب منصور عباس. 

وخلال النقاش الذي أجري بالعبرية، شكك يوسف حداد في مدى صدق الصرخة التي أطلقها أيمن عودة في خطابه، ولإثبات موقفه ادعى حداد أن القائمة المشتركة صوتت في العام 2018 ضد قانون يسهل افتتاح محطات للشرطة في القرى والبلدات العربية، وبذلك فإن أعضاء المشتركة لا يعملون حقًا على خدمة شعبهم، مفترضًا أن إقامة محطات الشرطة في البلدات العربية هي ما سيحل مشكلة العنف والجريمة وسيجلب السلام لقرانا ومدننا العربية.

ادعاء حداد هذا جعلني أبحث في هذه المعلومة للتأكد من صحتها، فأحيانًا يصعب التمييز بين الحقيقي والكاذب في عصر “ما بعد الحقيقة” وفي متاهات السياسة. وفي الحالات التي تقع في الحيز الرمادي، تكون الارض خصبة للترويج لادعاءات لا علاقة لها بالواقع، والتي يسهل تسخيرها لخدمة أجندات ذات دوافع خفية تهدف لخلق واقع وهمي لا يمت للحقيقة بأي صلة أحيانا. وكفانا بمثال الرئيس المنتهية ولايته في الولايات المتحدة، دونالد ترامب، الّذي لا يزال متمسكا بموقفه الرافض للاعتراف بهزيمته أمام جوزيف بايدن، رغم أن جميع الجهات المهنية والرسمية والإعلامية المعتمدة أقرت بفوز الأخير.

أوصلتني التحريات إلى محضر لجلسة في الكنيست الإسرائيلي أقيمت في تاريخ 10 تموز/يوليو 2018 في إطار عمل لجنة الداخلية وجودة البيئة (ועדת הפנים והגנת הסביבה)، والّتي كان يرأسها آنذاك النائب عن حزب الليكود الحاكم يوآف كيش. وحضر هذه الجلسة مندوبون كثر عن جهات حكومية عدة على رأسها الشرطة، وزارة الداخلية، وزارة الأمن الداخلي ومركز الحكم المحلي. وقد نوقش خلال الجلسة اقتراح لإجراء تعديل في قانون يدعى “أمر البلديات” (פקודת העיריות) في البند 188، وفيه طلبت وزارة الأمن الداخلي المسؤولة عن الشرطة أن يُجرى تغيير مؤقّت (הוראת שעה) يتيح لها إقامة مراكز للشرطة في القرى والمدن العربيّة، في حال كانت هنالك معارضة من قبل أعضاء المجلس المحلي، المطلوبة موافقتهم قانونيًا.

وقال يوآف كيش في بداية الجلسة: “يجب أن أقول إن النائب أيمن عودة طلب مني مناقشة موضوع آخر. في ذلك المساء، رأيت أن الشرطة أحبطت عملية في القدس قادتها منظمات إرهابية خارجة على القانون، من الجبهة الديمقراطية على ما أعتقد وغيرهم، وأيمن عودة يشارك هناك. اخترت أن أخبر أيمن عودة بوضوح أن أي شخص يتصرف بهذه الطريقة لن يحصل على تعاون مني. من الواضح أن الموضوع مهم جدًا، ولهذا اخترت أن أحيي هذا اليوم (لمكافحة الجريمة في الوسط العربي) عن طريق مناقشة قانون الذي يعنى بإنشاء مراكز للشرطة في الوسط العربي”.

وهكذا ومنذ البداية، نرى أن النائب الليكودي كيش، يرى نقاط وصل ما بين السياسة الأوسع بخصوص القضية الفلسطينية وما بين تعامل السلطات أو عدمه مع الجريمة في مجتمع الداخل، كما ويمكن فهم استدعاء هذا النقاش على أنه نوع من العقاب أو القصاص على أيمن عودة “سيء السلوك” والمتمرد على النظام. ولكن كيش يدعي أنه حقًا يهتم بموضوع العنف والجريمة في الداخل وبنظره فإن مناقشة هذا التعديل من شأنها أن تمضي قدمًا في مساعي كبح الجريمة وإعادة الأمن للمواطنين في البلدات العربية في الداخل، فما الذي يعرفه النائب كيش أكثر من النائب عودة عن الأساليب التي من شأنها أن تحقق مطالب العيش الآمن والكريم للعرب في هذه البلاد؟

لم يكن هناك ممثل عن الجمهور العربي في هذه الجلسة، عدا عن نائب المفوض الشرطي جمال حكروش، الذي كان من ضمن المدعوين للنقاش. وقد فصّل حكروش ما أسماه عقبات تمنع بناء الثقة بين الشرطة والمجتمع العربي في الداخل، وأهم هذه العقبات على حد تعبيره هي التأخر في افتتاح محطات للشرطة في بعض التجمعات السكانية العربية. وقال حكروش أنه بموجب خطة مكافحة العنف والجريمة في المجتمع العربي، التي بدأ العمل بها عام 2016، ترى الشرطة أهمية قصوى في إقامة محطات للشرطة في البلدات العربية، لكي تستبدل الشرطة وجود المنظمات الإجرامية في الشارع العربي. وادعى حكروش كذلك أنه في الحالات التي تم فيها افتتاح محطات للشرطة في البلدات العربية، اختفت الجريمة، على عكس ادعاء مركز أمان لمتابعة العنف في المجتمع العربي، والذي يقول بعدم وجود إثبات للعلاقة التي يصفها حكروش.

جمال حكروش في المركز خلال تلقيه درجة نائب المفوض (الناطق بلسان الشرطة الإسرائيلية)

وردًًا على أسئلة طرحها رئيس اللجنة يوآف كيش على نائب المفوض، قال حكروش أنه لم يصادف أية حالة رفض فيها المجلس المحلي إقامة محطة للشرطة داخل البلد، ولكنه تطرق إلى ثلاث حالات بالذات في حديثه وهي كفر كنا، باقة الغربية وجسر الزرقاء. وادعى حكروش بأنه في كل حالة من هذه الحالات لم تكن هنالك معارضة من قبل رئيس السلطة المحلية، ولكن المعارضة كانت من جانب أعضاء المجلس الذين لم يسمحوا بتمرير قرار يتيح إقامة محطة للشرطة.

وبالفعل فقد تم تمرير تعديل القانون مؤخرًا ذلك العام، بعد أن تمت صياغة بند خاص يستثني التجمعات السكنية “القوية” (רשות איתנה)، وهي عمليًا كل التجمعات الغير عربية، فبموجب التصنيفات المتبعة، عدد السلطات العربية القوية هو صفر، وبمعنى لآخر، فإن هذا القانون تمت حياكته خصيصًا للعرب، ما يقول بأنه قانون عنصري من الدرجة الأولى يستثني اليهود بين السطور ويستهدف العرب باساليب ماكرة. وفي التصويت عارض نواب المشتركة وأعضاء حزب ميرتس التعديل المذكور، فهل كانت المعارضة حقًا – كما يدعي يوسف حداد – لأن أعضاء المشتركة منافقون ولا يسعون لمصلحة الجمهور العربي؟ أم لأنهم يحاربون فاشية وعنصرية الائتلاف الحاكم؟

بالإمكان أن نجد الإجابة في معطيات الجريمة التي وقعت في البلدات التي تم افتتاح محطات للشرطة فيها في السنوات القليلة الماضية، ومنها كفر كنا وباقة الغربية ومجد الكروم، حيث شهدت هذه الأماكن جرائم قتل مروعة رغم تواجد الشرطة في حيزها. كما أن مركز أمان، مثلما ورد ذكره، لم يجد علاقة مباشرة بين وجود محطة لشرطة في بلد ما وانخفاض معدلات الجريمة هناك. ولكن النقطة الأهم هي ليست أن الشرطة تخفق مرارًا وتكرارًا في أداء مهامها لخدمة وحماية المواطن العربي، إنما هي النهج الحكومي السلبي تجاه المجتمع العربي في الداخل، والذي يلقى معاملة غير عادلة في جميع المرافق الحياتية التي تخص المواطن، بالإضافة إلى ترسيخ الخطاب المعادي للعرب في صفوف الجمهور الإسرائيلي.

إذًا فأقوال يوسف حداد بخصوص التصويت ضد القانون، لا علاقة لها بالواقع على الأرض وهي مجرد مناكفة سياسية، يحاول من خلالها الترويج لفكره الداعي لصهر العرب في المجتمع الإسرائيلي، وذلك في خلق مسار تحصل فيه العدالة والمساواة عن طريق تشجيع نشاطات الانخراط بالمؤسسة الإسرائيلية كالالتحاق بالخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي، في حين تواصل إسرائيل وجيشها قمع الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 67 وتوفير غطاء وحماية لمخطط الاستيطان في الضفة الغربية وشرق القدس.

إن هذا التوجه الذي يتبعه حداد يلقى رواجًا شيئًا فشيئًا في الداخل، ويلقى قبولاً نوعًا ما في بعض الفئات، وهذا أمر غاية في الخطورة على فرص تحقيق العدل والمساواة وتحرير الإنسان العربي الفلسطيني من قيود الاستعمار والعبودية. ويأتي صعود هذا التوجه في فترة تشهد انقسامات داخلية في القائمة المشتركة تفاقمت مؤخرًا بعدة مناسبات، أبرزها موضوع العلاقات التي تربط ما بين النائب منصور عباس وحكومة اليمين بقيادة نتنياهو. وفي خضم هذا كله يبقى الشعب الفلسطيني بجميع أطيافه رهينة لصراعات القيادات والمخترة، ما يحول دون وصول الإنسان الفلسطيني إلى مطالبه الأساسية بالحرية والعدل والعيش الكريم في أرضه.

ولمكافحة التدجين والعنصرية، يحتاج المجتمع الفلسطيني في الداخل إلى مشروع شامل طويل الأمد، يكون هادفًا لتحقيق الحرية والعدالة والعيش الكريم، ولكن دون التنازل عن الهوية والتاريخ واللغة، والعمل على تحقيق المساواة والعدل في جميع المرافق في شتى المجالات، لا سيما التعليمية، الصحية، البنى التحتية والحكم المحلي. نحن لسنا بحاجة لخطط اقتصادية متقطعة لا ننال منها الا الفتات ولا نحتاج لمحطات للشرطة في بلداتنا لكي نحظى بالعيش الكريم، بل نحتاج إلى أن يختفي التمييز العنصري من الواقع الذي نعيشه، لكي نستطيع المضي قدمًا في تحقيق التغيير سلميًا وبناء مجتمع متماسك ومتقدم في نظام لا  يميّز بين الأعراق والأجناس والتوجهات أيًا كانت. 

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.