مرآة سوداء: ثقافة المؤثرين في عصر التطبيع

صورة لإسوارة ذهبية من أحد المتاجر الفاخرة أو بهو فندق “برج خليفة” أو منتج تجميلي مبتكر، تنتشر بسرعة البرق وتتوّج بهالة مقدسة. تكفي صورة واحدة لـ “فاشينيستا” متألّقة مع فنجان قهوة في خلفية أحد أبراج المدينة لتحويل فكرة زيارة دبي إلى شهوة لعشرات الآلاف
داليا حلبي

 

باتت مدينة دبي مرتعًا لليهود والعرب من مواطني إسرائيل على حد سواء، وذلك عقب اتّفاقات التّطبيع الأخيرة بين إسرائيل وعدد من الدّول العربيّة. وفي خضمّ هذه الزّيارات يغمر هؤلاء الزائرون شبكات التواصل الاجتماعي بالصور ومقاطع الفيديو لناطحات السحاب، برك السّباحة والشواطئ، ومراكز التسوق والمتاجر الفاخرة والكثير من السيارات الفخمة الّتي لا نراها إلا في الأفلام.

جزء من الزّوّار في دولة الإمارات هم أناس عاديّون سئموا الإغلاقات والتّقارير المتواصلة وعديمة الجدوى في القنوات الإخبارية حول جائحة كورونا وكآبة الوضع العام الذي ينذر بالانهيار الاقتصادي، ارتفاع معدلات البطالة وتصاعد العنف. إذًا فما الخطأ في ركوب الطائرة والاستمتاع قليلاً؟ لا شكّ أن هناك من يعارض بل ويُدين هذه الزيارات على أساس أنها تمنح الشرعية لنظام ينتهك حقوق الإنسان بشكل صارخ وتفسح المجال أمام الشّراكة معه، إذ يدور الحديث عن نظام قامع للحرّيّات ومضطهد لمجموعات مختلفة، كالنساء والعمالة المهاجرة.

وفي ظل صيحات هذا العدد القليل من المُصلحين المثاليين السُّذّج، تجدر الإشارة إلى أن انتهاكات حقوق الإنسان تحدث بشكل يومي داخل إسرائيل وخارج الخط الأخضر، فهل يصرخون في ذلك الحين أيضًا؟ كما يجدر السّؤال، لماذا سيهتم أي شخص لا يرى على الإطلاق المظالم اليومية التي تحدث هنا، بما يحدث في دبي الّتي يزورها لبضعة أيام من المتعة؟

لكنني لا أريد أن أكتب عن ما ذُكر سابقًا، بل أريد أن أكتب عما يوصف بظاهرة “المؤثرين” أو “صانعي المحتوى”، والذين برزوا فجأةً، وهم الآن يغمرون شبكات التواصل بالصور من دبي. كما هو الحال في المجتمع اليهودي، كذلك هو الأمر في المجتمع العربي، فهؤلاء ليسوا بمفكرين، فلاسفة أو علماء يحاولون المساهمة في فهم الظواهر الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية، وليسوا بعلماء يساهمون في التطور البشري ويتعاملون مع القضايا الحاسمة مثل علم الأوبئة، الاحتباس الحراري والأمن الغذائي. 

كما أن هؤلاء ليسوا بمناضلين في مجال حقوق الإنسان على أهبة الاستعداد لدفع أثمان باهظة للنضال من أجل المساواة والعدالة وحتى أن يفقدوا حياتهم وأن يضحّوا بها لصالح فكر يؤمنون به. هؤلاء المؤثرون هم بالطبع عارضو وعارضات أزياء، مروّجون ومروّجات للموضة ومقدمو أو مقدمات عروض واقعية تهدف إلى أدنى قاسم مشترك. لديهم عشرات الآلاف من المتابعين المتلهفين لسماع كلامهم، أو بالأحرى لمنتوجات “كاميراتهم”، وعندما يقومون بتحميل صورة على فيسبوك أو انستغرام، يحصلون على آلاف الإعجابات، عشرات الآلاف من التعليقات والمشاركات.

بنيامين نتنياهو (كوبي جدعون، دائرة الصّحافة الحكومية)

صورة لإسوارة ذهبية من أحد المتاجر الفاخرة أو بهو فندق “برج خليفة” أو منتج تجميلي مبتكر، تنتشر بسرعة البرق وتتوّج بهالة مقدسة. تكفي صورة واحدة لـ “فاشينيستا” متألّقة مع فنجان قهوة في خلفية أحد أبراج المدينة لتحويل فكرة زيارة دبي إلى شهوة لعشرات الآلاف. يكفي مقطع فيديو مدته 10 ثوانٍ لأحد مقدمي البرامج الواقعية، تظهر فيه سيارة جيب تسير بسرعة في الصحراء، ليبيع لآلاف المتابعين وَهْمَ القوة والعنفوان. تكفي صورة لفستان مصممين مع العبارة الفلسفية المتعمقة “صباح الخير” لكي تصبح الرغبة في زيارة دبي حلم الجماهير. وبالنسبة لتكاليف سفر هؤلاء “المؤثرين”، فيتم تمويلها من قبل الشركات الفاخرة ووزارات السياحة وحتى من قبل الوزارات الحكومية لتسويق اتفاقية السلام والإشادة بالشخص الذي عمل على تحقيقها – رئيس الوزراء نتنياهو. كما يتم إنزال هؤلاء المؤثرين والمؤثرات في فنادق فاخرة ويصبحون أبواقًا للشركات التجارية والتسويقية إلى جانب الوزارات الحكومية، التي تسعى إلى تصوير دبي على أنها بلاد الأحلام للجميع ولتشكيل وعي مُفاده أن بنيامين نتنياهو هو القادر على كل شيء، فهو ملك إسرائيل.

في كتابه “في التلفزة” (1996)، كتب الفيلسوف الفرنسي بيير بورديو عن طريقة عمل وسائل الإعلام وقوة الصورة في تشكيل الوعي. جادل بورديو بأن وسائل الإعلام تشكل التصورات والآراء من خلال إغراق الحيّز بأفكار تهتمّ الوسائل نفسها بالترويج لها مع إخفاء الأصوات المضادة، أو تلك التي تعبر عن النقد. وهي تفعل ذلك لخدمة أصحاب النفوذ الذين قد يكونون سياسيين، أصحاب رؤوس أموال أو ممثلين للسلطة. ووصف بورديو تأثيرها بأنه مهدّئ يتغلغل عميقًَا دون أن ننتبه لذلك حتّى.

وبرأيي، فإن تدفّق هؤلاء “المؤثرين” يرمز إلى قوة هذا المهدئ ويشير إلى السطحية الذهنية التي تدهورنا إليها كمجتمع وكأفراد. في الحلقة الأولى من الموسم الثالث من المسلسل البريطاني الممتاز “المرآة السّوداء” (Black Mirror) نلتقي بعالم منهار يعمل بالكامل حسب التصنيف الذي يحصل عليه الناس على وسائل التواصل الاجتماعي. فالتصنيف العالي يعني الحق في الحصول على خدمات صحية جيدة، تربية وتعليم جيدين، الحق في اختيار مكان العيش وامتيازات أخرى. وفي المقابل، فالتصنيف المنخفض يعني العيش على هامش المجتمع وفي ظروف يرثى لها. الكل في هذا العالم المتهاوي مشغولون بتصنيف الجميع والجميع يتحركون بدافع الخوف من أن ينالوا لا قدر الله تصنيفًا منخفضًا من شخص قريب أو عابر. وهكذا، وعلى سبيل المثال، يمكن أن يصبح طلب عشوائي لفنجان من القهوة حالة كارثية إذا قررت النادلة أن صاحبة الطلب لا تعجبها واختارت منحها تصنيفًا منخفضًا. وفي عالمنا الواقعي، الذي لا يبعد كثيراً بنظري عن العالم المرعب الذي يصفه المسلسل، أصبحت ظاهرة المؤثرين الذين يصممون الرأي العام، التصورات والأفكار ظاهرة مقلقة تشير إلى واقع مظلم أصبحت فيه السطحية تحتلّ مكانًا ذا أهمية في الحيّز العام.

أعترف بأنني لا أعرف أي مؤثر أو مؤثرة ولا أتابع أيًا منهم أو منهن. كما انّني لست نشطة بشكل ملحوظ على وسائل التواصل الاجتماعي، وأميل إلى اختيار أصدقائي هناك بعناية شديدة ولأسباب نفعية بحتة تتعلق بالتحفيز الفكري أو تنشيط خلايا دماغي النائمة، مثل: صديقة تنشر قصيدة مترجمة من الفارسية، رسم زَيتي لطائر على سلك شائك، مقال يُنير البصر والعقول، أغنية رقيقة، صورة التقطتها عدسة إحدى الكاميرات للحظة جميلة في الطبيعة أو نكتة جيدة ترسم ابتسامة على وجهي. لا أريد أن أكون جزءًا من الترويج لأجندات خطيرة تهدف إلى التسطيح والتّجهيل من أجل تعميق السيطرة علينا كمواطنين ومواطنات، أجندات تسعى إلى جعلنا ننسى الأمور الهامّة حقًا: العدالة، الحرية، المساواة والنضال من أجل عالم أكثر أخلاقية.

داليا حلبي هي محاضرة في برنامج “حوتام” وفي كليّة أورانيم

للمقال بالعبريّة

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.