الاحتجاجات في إسرائيل: فرصة لمجتمع الدّاخل أم زوبعة في فنجان؟

في ظلّ الأزمات الّتي تعصف في البلاد، يبدو أنّ هنالك تصدّعات في الحائط الحديديّ الّذي أقامه النّظام السّياسيّ الانفصاليّ في إسرائيل، ويبدو أنّ السّياسة القديمة الّتي أكل عليها الدّهر وشرب غدت خائرة القوى أمام العناد الّذي يميّز الاحتجاجات، فهل يستغل المواطنون العرب الحراك لطرح قضاياهم وإنشاء شراكات جديدة؟
ياسر أبو عريشة

 

دخلت الاحتجاجات ضدّ حكومة بنيامين نتنياهو شهرها العاشر في أرجاء البلاد عمومًا وفي القدس على وجه الخصوص، ولكنّ مطلب الاحتجاج الأساسي برحيل هذا الرّجل من الحياة السّياسيّة لم يتحقّق بعد، إذ لم يتزحزح نتنياهو إلى الآن عن كرسي الحكم ولا يزال يتشبّث به بشتى الوسائل خدمةً لمصالحه الشّخصيّة وفي سبيل التّهرّب من الوقوف أمام العدالة في تهم الفساد الموجّهة ضدّه.

بيد أنّ المجريات الأخيرة في السّاحة السّياسيّة بدأت تلقي بظلالها على حقبة نتنياهو الّذي جرّ البلاد مجدّدًا نحو دورة انتخابيّة رابعة خلال عامين. فحزب الليكود الحاكم بدأ بالتّفكّك شيئًا فشيئًا بعد أن أعلنت عدّة شخصيّات يمينيّة انشقاقها عن صفوفه، كان أبرزها الوزير الليكودي السّابق جدعون ساعر، والّذي احدث انشقاقه عن الليكود وإقامته لحزب جديد حالة من الفوضى في الخارطة السّياسيّة في إسرائيل، وأصبحت إمكانيّة بناء حكومة يمينيّة برئاسة نتنياهو أمرًا يصعب التّنبّؤ بحدوثه في الانتخابات المزمع إجراؤها أواخر آذار من العام المقبل.

وتزامنًا مع بداية تفشّي جائحة كورونا في إسرائيل، انطلقت العديد من المبادرات الاحتجاجيّة الدّاعية لاستقالة نتنياهو من منصبه، والّتي ضمّت شريحة واسعة من متضرّري سياسات الحكومة الانتقاليّة آنذاك، والّتي اتهمها المحتجّون باستغلال الجائحة لخدمة أغراضها والمسؤوليّة عن أزمة اقتصاديّة وصحّيّة وسياسيّة لم تشهد إسرائيل مثيلاً لها منذ الإعلان عن إقامتها عام 1948.

احتجاجات قرب مقرّ رئيس حكومة إسرائيل في القدس (ياسر أبو عريشة)

ولكنّ احد أبرز المعالم لهذه الاحتجاجات هو المشاركة الضّئيلة للمواطنين والمواطنات من أهل الدّاخل الفلسطيني، وهو أمر طالما أثار التّساؤولات في صفوف المحتجّين المشاركين في المظاهرات، خصوصًا أولئك الّذين ينادون بأهمّية الشّراكة العربيّة-اليهوديّة في مساعي إسقاط الحكومة الفاشيّة الّتي لم تجلب خيرًا يذكر لمجتمع الدّاخل، بل وعزّزت من قبضتها وعنصريّتها تجاه المواطنين والمواطنات العرب عبر سن ّسلسلة من القوانين الّتي تهمّشهم وتضع الفوقانيّة اليهوديّة على رأس اعتباراتها، مثل قانون القوميّة الّذي مسّ بمكانة العرب كمواطنين وقانون كامينيتس الّذي ضيّق على إمكانيّة البناء في التجمّعات السّكنيّة العربيّة، ناهيك عن توظيف خطاب الكراهيّة والعنصريّة ضدّ العرب في شتّى المجالات الحياتيّة وإهمال التّطوير ومكافحة العنف والعصابات الإجراميّة الّتي أكلت الأخضر واليابس في بلداتنا العربيّة.

ومنذ انطلاق الاحتجاجات وحتّى يوم أمس، حيث تواجدت بنفسي في موقع الحدث أمام مقرّ رئيس الحكومة في شارع بلفور، لم يطرأ تغيير ملموس في هذا الصّعيد. فمقارنةً بالمرّة السّابقة الّتي تواجدتُ فيها هناك قبل خمسة شهور، لم ألتقِ بأيّ ناشط أو مواطن عربيّ سوى شابّ واحد عربيّ لا يزال مواظبًا على المشاركة في الاحتجاج والّذي برفقة عدد من الناشطين اليساريين اليهود يشددون على قضيّة مقتل الشّاب إياد الحلّاق، الّتي كان لها أثر بارز على شرائح واسعة من المجتمع الإسرائيلي نظرًا لظروفها الخاصّة، حيث كان الشّهيد إياد الحلّاق من ذوي الاحتياجات الخاصّة وقتله بدمٍ بارد أحد أفراد شرطة حرس الحدود في البلدة القديمة في القدس.

كنتُ من المنتقدين للخطاب الّذي تطرحه الاحتجاجات مع بداية انطلاقها في القدس وفي أرجاء البلاد، وكان مأخذي الأساسي هو أنّ الاحتجاج كان موجّهًا بالأساس نحو شخص نتنياهو فقط “وضياع” النّظام الدّيمقراطيّ في إسرائيل الّي لم يكون موجودًا أصلاً بنظري، وبأنّ الاحتجاج ليس ضدّ منظومة الاحتلال والفصل العنصريّ الّذي وضعت الحركة الصهيونيّة الاستعماريّة أسسه في فلسطين منذ أواخر القرن التّاسع عشر، بالإضافة إلى أنّ الاحتجاج لا يتحدّث بلغة المجتمع العربيّ في الدّاخل والّذي يبعدُ سنوات ضوئيّة عن خطاب الدّيمقراطيّة وهو منهك في مشاكل داخليّة متفاقمة كقضايا العنف، الأرض والمسكن، التّربية والتّعليم وبنى التحتيّة، وهي أمور لا يعاني منها كثير من مشاركي الاحتجاجات من أبناء وبنات المجتمع اليهوديّ.

كان مأخذي الأساسي هو أنّ الاحتجاج كان موجّهًا بالأساس نحو شخص نتنياهو فقط “وضياع” النّظام الدّيمقراطيّ في إسرائيل

ومع هذه المآخذ، إلّا أنني رأيت بالأمس تغييرًا عميقًا طرأ في خطاب الاحتجاج منذ انطلاقه، فهنالك شريحة لا يمكن الاستهانة بها تتفّق بأنّ المشكلة في البلاد هي ليست نتنياهو فقط، وأنّ رحيله لن يعني حلّ جميع المشكلات. فمن مجمل الشّعارات في الاحتجاج كان من الممكن رؤية من يدعون إلى تغيير جذري في النّظام الإسرائيلي نحو نظام مدنيّ ديمقراطيّ لا يكون حكرًا على اليهود، إضافة إلى الأصوات المنادية بإنهاء الاحتلال بشتّى أشكاله وإحلال المساواة بين جميع شرائح المجتمع وسُكّان البلاد الّذين يتوجّب على المنظومة السّياسيّة والإداريّة في البلاد خدمتهم دون تفرقة.

وفي ظلّ الأزمات الاجتماعيّة، الاقتصاديّة، الصّحّيّة والسّياسيّة الّتي تعصف في البلاد، يبدو أنّ هنالك تصدّعات في الحائط الحديديّ الّذي أقامه النّظام السّياسيّ الانفصاليّ في إسرائيل، ويبدو أنّ السّياسة القديمة الّتي أكل عليها الدّهر وشرب غدت خائرة القوى أمام العناد الّذي يميّز الاحتجاجات. فمعايير الفصل والعنصريّة في إسرائيل غدت عدوًّا واضحًا وشيئًا غير مرغوب به لدى شرائح واسعة من المحتجين وهنالك نداءات واضحة لبناء نظام أكثر إنسانيّة، من شأنه أن يحتوي الجميع دونما فرق في العرق أو الدّين أو الجنس، وأن يوفّر للمواطنين والمواطنات جميع الحقوق الّتي تضمن العيش الكريم، الحرّيّة والعدالة الاجتماعية وإنهاء كافّة مظاهر الظّلم والاضطهاد بما فيها الاحتلال والحصار في غزّة.

ومما لمستُه في الاحتجاجات، ربّما لن يحصل تغيير سريع ومباشر يقلب مجريات الأمور في طريق الإصلاح، ولكنني أعتقد أنّ لدى المجتمع الفلسطيني في الدّاخل فرصة ذهبيّة للعمل بشراكة إنسانيّة مع شريحة آخذة بالاتّساع في المجتمع اليهوديّ الدّيمقراطيّ، تكون لديها إمكانيّة احتواء القضيّة الخاصّة بأهلنا في الدّاخل والمضيّ قدمًا في إنهاء كافّة مظاهر الظّلم والعنصريّة وانعدام العدل، كي نبني مستقبلاً أكثر إشراقًا يعيش فيه الجميع بسلام وكرامة في بلاد لم تعرف يومًا طعم السّلام الحقيقي. فهل سنغتنم هذه الفرصة لتحديد مصيرنا بشجاعة نتغلّب فيها على مخاوفنا من الشّراكة، أم أننا سننتظر مصيرنا الّذي يحدده لنا السياسيون وأصحاب المناصب ومخاتير الماضي؟

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.