تزايد مراكز الشرطة في المدن والقرى العربيّة لا جدوى منه

أحد رموز مشروع مراكز الشرطة في التجمعات العربية الّذي انطلق عام 2016 هو جمال حكروش، نائب المفوّض الشّرَطي في شرطة إسرائيل، والمسؤول عن وحدة تحسين خدمات الشرطة في المجتمع العربي. استمراره بالاستحواذ على فكر واحد يخدم السلطة وأجندتها المتخاذلة، لن يجلب حلولاً ملموسة لمجتمعنا ويحمله مسؤولية كبيرة في الانفلات القائم
ياسر أبو عريشة

 

قبل عدّة أيّام رافقتُ والدي إلى إحدى نقاط التّطعيم ضدّ فيروس كورونا في مدينة باقة الغربيّة. عندما وصلنا إلى العيادة الّتي تجرى فيها التّطعيمات تفاجأتُ بفعل المنظر الّذي تجلّى أمام ناظريّ: لصقًا للعيادة تقف كومة من الأبنية الإسمنتيّة يبدو بأنّها قد بُنيت على عجل وبجودة رديئة، يحيطها جدار معدنيّ يُشبه الجدران الّتي تحيط الأبنية الأمنيّة والسّرّيّة. هذه الكومة الّتي لا علاقة لها بالمنظر المدينيّ، هي محطّة الشّرطة الّتي تمّ افتتاحها عنوةً أواخر العام 2018 في باقة الغربية، وكانت وليدة لتغيير في القانون الخاص بالبلديّات مسبقًا في ذلك العام، ما فتح المجال أمام وزارة الأمن الدّاخلي بإقامة محطّات للشرطة في التّجمّعات العربيّة (دون غيرها) حتّى لو كانت هنالك معارضة في المجلس المحليّ لخطوة من هذا النّوع.

وعلى طول الفترة الماضية، لم نلحظ على أرض الواقع إنجازات تُذكر لمركز باقة الغربية كما أنه لم ينجح بمنع الجريمة الثلاثيّة الّتي وقعت في المدينة قبل ثلاثة أسابيع، والّتي راح ضحيّتها 3 أشخاص ينتمون إلى عائلة واحدة، قُتِلوا رميًا بالرّصاص في اليوم نفسه. وفي الواقع، لا أحد يعوّل على مركز الشرطة هذا أو العاملين فيه، فهنالك قناعة على نطاق واسع لدى المواطنات والمواطنين العرب، تقول بأنّ وجود محطّة للشرطة في داخل الحيّز البلدي لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا يُمكن للحلّ المطلوب لمكافحة الجريمة والعنف في المجتمع العربي في الداخل أن يتجسد بافتتاح المزيد من محطات للشرطة، كما أنّ الحلّ لمصلحة المجتمع الفلسطيني في الداخل يجب أن يكون أكثر شموليّة من ذلك ومن المهم أن يكون جزءًا من خطة عمل تعمل فيها جميع الأذرع الحكوميّة إلى جانب المجتمع العربي من أجل النهوض به من القاع الّذي وصلنا إليه، وبداية الأمر أن تتعامل كل من الدولة والشرطة مع المواطنين العرب كبشر، وُلِدوا أحرارًا وبحقوق متساوية.

ويعتبر مركز أمان من الجهات الّتي تتطرق إلى المعطى الخاص بافتتاح محطات الشرطة وعلاقة ذلك بنسبة الجريمة، ويوفّر المركز معطيات هامّة تساعد في فهم الاتجاه السّائد في هذا الخصوص، وهو بأنّ الأمور على أرض الواقع تشير بأنّه لا علاقة بين انخفاض معدّل الجريمة وبين تواجد محطّة للشرطة داخل التّجمّعات السّكّانيّة العربيّة، وبذلك لا يمكن تفسير استمرار الدّولة في هذا المخطط وتصميمها على إقامة المزيد والمزيد من مراكز الشرطة في البلدات والمدن العربيّة، ولربّما هنالك دوافع لا نعلمها تقف وراء هذه المواظبة على ترسيخ حضور الشرطة في الحيّز السّكني العربي.

جمال حكروش في المركز خلال تلقيه درجة نائب المفوض (الناطق بلسان الشرطة الإسرائيلية)

وفي هذا الصدد فإنّ أحد رموز مشروع مراكز الشرطة في التجمعات العربية الّذي انطلق عام 2016 هو جمال حكروش، نائب المفوّض الشّرَطي في شرطة إسرائيل، والمسؤول عن وحدة تحسين خدمات الشرطة في المجتمع العربي. وقد سرد حكروش رؤيته في عدّة مناسبات حول كيفيّة التّعامل مع العنف المتزايد في مجتمع الدّاخل، والّتي لخصها بأهمّيّة إقامة محطّات للشرطة في التّجمّعات العربيّة، زيادة عدد المنتمين إلى صفوف الشرطة من العرب واستخدام الحوار مع السكان، آملاً في أن تكون هذه الخطوات سبيلاً لزيادة الأمن الشخصي والقضاء على حضور المنظّمات الإجراميّة في البلدات والمدن العربيّة في الدّاخل الفلسطيني.

حكروش في وادي ونحنا في وادي

وكان حكروش قد حصل على ترقية في الرتبة ليصبح نائبًا للمفوّض الشّرطي عام 2016 ليرأس الوحدة المسؤولة عن تحسين خدمات الشرطة للمجتمع العربي. وفيما اعتبرت أجهزة الدّولة تعيين حكروش – وهو أوّل مسلم في منصب رفيع المستوى في قيادة الشرطة – خطوةً هامّةً في إرساء الأمن في مجتمع الدّاخل، نظر الكثيرون إلى الأمر على أنّه ليس سوى ورقة توت تغطّي على تخاذل الشرطة والدّولة في التّعامل بجدّيّة في أمور الأمن الشخصي ومكافحة العنف والجريمة في مجتمع الداخل، إذ أنّ مواكب القتلى وضحايا العنف تتزايد وتتفاقم معها أزمة لم يشهد المجتمع الفلسطيني في الدّاخل شبيهة لها منذ النكبة الفلسطينية وإقامة إسرائيل عام 1948.

ومن الواضح أنّ نائب المفوض حكروش ماضٍ في مخطّطه في إقامة المزيد والمزيد من محطات الشرطة وزيادة عدد العرب في المنظّمة ولا يزال يتشبث بموقفه هذا وكأنه كتاب منزل، رغم أنّ إقامة مراكز الشرطة لم تؤتِ ثمارها حقًا كما زعم حكروش، بينما يستمرّ بتجاهل المعطيات الّتي تنشرها الجهات الباحثة في هذا الشّأن والقائلة بأنّ الحلّ أكبر بكثير من مجرّد مبنى بأعلام زرقاء داخل التجمعات السكانية، وإن دلّ هذا على أمر فإنه يدل على الاستفراد في اتخاذ القرار وانعدام الإرادة في مشاركة المجتمع المدني في التخطيط الصحيح للخروج من الأزمة.

المجتمع العربي في الدّاخل يعاني على مدى عقود طويلة من الإهمال وعدم المساواة أمام القانون وفي الميزانيات، وهي أمور لا تحل بمجرد إقامة محطة شرطة أو زيادة التنويع

ليس من الخطأ أن تكون علاقة جيّدة ما بين المواطن وما بين قوات الأمن الدّاخلي المسؤولة عن الحفاظ على أمن وممتلكات وحياة المواطنين الّذين تخدمهم، ولكن المجتمع العربي في الدّاخل يعاني على مدى عقود طويلة من الإهمال وعدم المساواة أمام القانون وفي الميزانيات، وهي أمور لا تحل بمجرد إقامة محطة شرطة أو زيادة التنويع في الفئات المشاركة في جهاز الشرطة كتجنيد العرب. هذا الفكر في التنويع من الممكن أن يكون صحيحًا لمنظمات تجاريّة أو في قطاع الأعمال، وهو فكر تمّ البحث فيه كثيرًا في النظريات الاجتماعية القائلة بأن زيادة التنويع في مكان العمل قد تزيد بشكل ملحوظ من القدرة الإنتاجية، إلا أن الشرطة ليست جسمًا تجاريًا أو مبادرة أعمال، ولا يمكن القول بأن التنويع هو الحلّ الوحيد.

فبالإضافة إلى مسؤوليتنا كمجتمع عن زيادة الوعي والثقافة المناوئة للعنف والداعمة للارتقاء بالمجتمع، على جميع الجهات العاملة في هذا الشّأن وعلى رأسهم جمال حكروش كممثل للسلطة التنفيذية وإنفاذ القانون إلى جانب أذرع الدولة المختلفة بإجراء حوار أكثر جدّيّة مع المجتمع الفلسطيني في الداخل ومع جهات المجتمع المدني لأجل بناء مخطط واضح لمكافحة جميع الظواهر السلبية في الداخل الفلسطيني، وذلك عن طريق بناء مسارات بديلة للجيل الشاب عن طريق توفير بنى تحتية مناسبة في جميع المجالات – في التربية والتعليم، فرص العمل، التنظيم والبناء، مكافحة العنف واستئصال السلاح وتجفيف جميع منابعه المتمثلة بالتهريبات من الجيش الإسرائيلي بالأساس الّتي اعترفت جهات عدّة في الدولة بوجودها من بينهم الوزير السابق جلعاد أردان، الذي ادعى عام 2016 بأنّ نسبتها تصل إلى 90% من مجمل السلاح غير القانوني المتواجد في أيدي إجرامية، وهو معطى غير مؤكّد بالأدلّة بسبب أن هناك أصوات تدعي بأن النسبة أقل وتصل إلى 70%، هذا بالإضافة إلى ورشات تصنيع بندقيات كارل غوستاف في الضفة الغربية والأسلحة المهربة عبر الحدود الفلسطينية. 

إنّ استمرار جمال حكروش بالاستحواذ على فكر واحد يخدم السلطة وأجندتها المتخاذلة، لن يجلب حلولاً ملموسة لمجتمعنا ولديه مسؤولية كبيرة في الانفلات وانعدام السيطرة على ظاهرة العنف المستشرية في المجتمع الفلسطيني في الداخل، فأعداد القتلى في الأشهر الأخيرة وفي بلدات أقيمت فيها محطات للشرطة في تزايد مرعب، جعلت شوارعنا أقل أمانًا وحياتنا باتت عرضة للخطر في حين تقف الشرطة جانبًا. الحلّ يكمن في تغيير جذري واضح في توجه الحكومات الإسرائيلية في هذا الشأن وقطع دابر العنف والفقر بحزم وصدق.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.