خطيئة الأبويّة: بين السيّد الراعي وحامل الأمتعة

تتخذ العلاقات اليهودية-العربية في البلاد أشكالًا مختلفة في بعض الأحيان، تكون أحيانًا مدعاةً للسخط، لمظهر الراعي وحامل أمتعته. الجمهور العربي الفلسطيني في إسرائيل ليس بحاجة إلى ممثلين مثل غيداء ريناوي-زعبي يدفعهم اليهود إلى المقدمة لكسب الأصوات وتثبيت التفوق الثقافي.
مرزوق الحلبي

 

في علوم الاجتماع، تصف الأبويّة (Paternalism) نوعًا من العلاقة المُضمَّنة ما بين طرفين أحدهما يمتلك القوّة والنفوذ – الراعي – والآخر لا، وذلك في إطار هيكل سلطوي معيّن. إذ بالإمكان أن نرى ذلك في علاقات الأغلبية مع الأقلية، المستعمرين مع السكان الأصليين، الرجال مع النّساء، الحكم تجاه رعاياه، ثقافة ما “متفوقة” تجاه أخرى “متدنّية” وعلى نحو ذلك. تتجسّد هذه العلاقة المضمنة عبر عدد لا يحصى من الأشكال في إطار العلاقة بين جانبي المتراس. في بعض الأحيان يتعاون “الضعفاء” مع هذا المبنى ويصبحون أداةً في أيدي “الراعي” مع قيامهم بتبني نهجه اتجاههم وجاعلين منه منهجهم الخاص تجاه أنفسهم، أو عندما يعززون قولاً وفعلاً آراء الراعي المسبقة ويؤكدون “نظرياته” بخصوصهم وكيفيّة تصوّرهم من منظوره الخاص. في مثل هذه المواقف تصبح الأبويّة مظهر كل شيء في العلاقة بين الجانبين، ويصبح “الضعفاء” صدًى لصوت “القوي”، ظلاً لحضوره وحَمَلةً لأمتعته.

تتخذ العلاقات اليهودية-العربية في البلاد أشكالًا مختلفة في بعض الأحيان، تكون أحيانًا مدعاةً للسخط، لمظهر الراعي وحامل أمتعته. علاوة على ذلك، فإنّ مثل هذا الموقف يتواجد في كل مكان تقريبًا حيث يوجد اليهود والعرب، لأنّ الهيكل الخارجي سيجد طريقه ليتسرب نحو العمق، في كل إطار ومنظّمة، ولأن الأبوية لا توجد فقط في الحيّز المادي، بل هي تتعدى ذلك إلى لغة الناس ووعيهم. الأبوية إذًا، كنظام لجانبين غير متكافئين في قوتهما، غير قابلة للتجزئة إلى يمين ويسار، فالجميع غارقون فيها. اليسار الصهيوني، وأحيانًا اليسار غير الصهيوني، قد اقترف خطيئة الأبوية، كما فعل حزب ميرتس الآن عندما بحث بأدوات مجهريّة عن ممثل للعرب لاستخدامه كوسيلة لصقل قائمة انتخابات الكنيست الخاصة بالحزب. غيداء ريناوي-زعبي، التي تمّ تثبيتها في الموقع الرابع ضمن قائمة ميرتس، تمثل نفسها وجزءًا من أبناء عائلتها النواتية وليس أي شخص آخر. بإمكانها تقديم باقة متنوّعة من الحجج بالعبرية والعربية، استوحيَت معظمها من تصوّر الراعي للعربي، “الجيل الجديد”، “يتطلع إلى الأمام” أو “لسنا ضحية”. لكنها وعلى وجه السرعة سوف تتقلّد قريباً منصب “العربي المناوب” الذي يضع نفسه بالضبط في الخانة المُعدّة له، وهي خانة باستطاعته أن يكون أصغر منها، إذا أراد ذلك، لكنه من المحال أن يخرج عن حدودها المرسومة.

عندما يحاول العربي أن يحقّق هوى الراعي، حتى لو ادعى هذا الأخير اليسارية أو غيرها من التيجان التي يتفاخر بها، كالسعي لتحقيق العدالة والمساواة ومصلحة العرب أنفسهم، فإن العربي حينها يتعاون مع أولئك الذين يعاملونه على أنه “شيء”، كغاية تهدف لخدمة مصالح الراعي – وفي هذه الحالة يدور الحديث عن استقطاب المصوتين العرب المحتملين. في حزب ميرتس، على ما أعتقد، قد أعدّوا واجباتهم البيتيّة وتشاوروا مع “خبراء” مقابل فلس واحد أو اثنين قبل توصّلهم إلى غيداء.

تصوير شاشة – القناة 12 الإسرائيلية، غيداء ريناوي-زعبي أثناء لقاء مع الصحفي فرات نصار

اختاروا امرأة “متعلمة” وأثبتوا تفوقهم الثقافي عندما أدخلوا على قائمتهم امرأة من عائلة كبيرة يمكنها حصد الأصوات التي يتعطّش لها حزب ميرتس. العربي هنا لتحقيق مصلحة معلنة من قبل ميرتس. يمكن لمثل هذه المصلحة أن تفقد وزنها ضمن مجمل اعتبارات الحزب كما علّمنا تصريح نيتسان هوروفيتز زعيم ميرتس، والّذي أفاد فيه أن الحزب لا يستبعد الانضمام إلى عناصر لم يفكر مطلقًا في العمل معها مثل حزب “يمينا” التّابع لبينيت ويسرائيل بيتينو التابع لليبرمان! في مثل هذه الحالة، ستجد “الممثلة العربية” نفسها غير ضرورية.

إنّ حزب العمل في هيئته التاريخية كـ- “ماباي”، اختار دائماً الممثلين العرب الذين يريدهم. الذين من شأنهم أن يمثلوا الدولة كوكلاء ووسطاء في صفوف الأقلية العربية الفلسطينية. وهنا يختار حزب ميرتس وبنفس الأسلوب ممثلهُ العربي الذي يناسبه وينصبه ملكًا.

إن الجمهور العربي الفلسطيني في زمن التحريض الجامح والتشريعات المعادية، لا يريد أن ينسى الماضي، وما سببه المشروع الصهيوني له ولذويه وشعبه.

ومن الجدير بالذكر أن الجمهور العربي الفلسطيني في إسرائيل ليس بحاجة إلى ممثلين مثل غيداء ريناوي-زعبي يدفعهم اليهود إلى المقدمة لكسب الأصوات وتثبيت التفوق الثقافي. هذا الجمهور الذي أنتمي إليه، يحتاج إلى معاملة عادلة مبنية على القيم الحقيقية للإنسانية، العدالة والمساواة، وليس على تحالف للراعي مع المتعاون الذي سيحمل أمتعته وكلماته الجوفاء، وهو يسعى جاهدًا للتعبير بلغة جسده وحركاته عما يهمس به الراعي أو يحفظه عن ظهر قلب من على صفحة تعجّ بالرسائل. إن الجمهور العربي الفلسطيني في زمن التحريض الجامح والتشريعات المعادية، لا يريد أن ينسى الماضي، وما سببه المشروع الصهيوني له ولذويه وشعبه. على سبيل المثال، لن تغيب عن الجمهور العربي الفلسطيني حقيقة أنه يعيش على 3٪ فقط من الأراضي برغم أنه يشكّل ما نسبته 21% من مجمل مواطني الدولة.

وحتى لو كان ميالاً للعفو في إطار للمصالحة بين الشعبين، فإن هذا الجمهور يطالب بالعدالة التاريخية، العدالة الانتقالية والعدالة المُنْصفة. ويعتقد أنه مع قانون القومية فإنّ الدولة أصبحت دولة فصل عنصري وبأن النضال ليس فقط حول الحقوق والميزانيات، ولكنه أعمق وأكثر تعقيدًا. إنه صراع بين مسألتين قوميتين، بين مجموعتين قوميتين، تعتقد إحداهما أنها انتصرت وبيدها القدرة على إخفاء القضية الفلسطينية والآخر الفلسطيني في ثنايا المستقبل وفي ثنايا اللغة العبرية. هذا الوضع يخلق مظالم جديدة في كل يوم، ما يتطلب قدرًا كبيرًا من الوصاية لأجل التستر وإخفاء الحقائق. اليسار الصهيوني كذلك كان له باع في خلق المظالم ولا يزال شريكًا في الأمر. وعندما يأتي بهدف الإصلاح أو التستر على هذه المظالم، فإن هذا يحدث فقط في إطار كونه راعيًا كلاسيكيًا، وهو الأمر الّذي نسعى لشجبه جملة وتفصيلاً.

مرزوق الحلبي هو حقوقي، مستشار استراتيجي، صحفي وكاتب عامود دائم في صحيفة الحياة

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.