"جنين جنين" وذُعر المؤسّسة

إنّ حظر فيلم محمد بكري يثبت أنّ الدولة مذعورة وبعيدة كل البعد عن التنوّر، النقد والليبرالية، على الرغم من الهالة التي تسوّقها خارجًا، كأسطورة الفيلا في الأدغال وغير ذلك، ففي الفيلم لا توجد معاداة للسامية أو تشجيع على الكراهية، ولكن الكراهية الحقيقية تتجسّد في إسكات وقمع مساعي بكري لعكس الواقع.
يارا غرابلي

 

يوم الاثنين الماضي، 11 كانون الثاني/يناير 2021، منعت المحكمة المركزية في اللد عرض فيلم “جنين، جنين” في إسرائيل. وفي إطار حكم أصدرته القاضية هاليت سيلاش، حُكِمَ على مخرج الفيلم محمد بكري، بدفع تعويض قيمته 175 ألف شيكل للمدّعي نيسيم مغناجي – وهو مُقدّم في الجيش الإسرائيلي شارك في العمليّات العسكريّة في مخيم جنين في العام 2002، والمعروفة باسم “عمليّة الدرع الواقي”. لم تكتف المحكمة بهذا الإجراء العقابيّ، إذ فرضت على بكري كذلك دفع ما قيمته 50 ألف شيكل من تكاليف المحكمة.

على مدار الـ 18 عامًا التي مضت، جرت محاكمة بكري في ظلّ استمرار الملاحقات السياسية له عقب الفيلم المذكور، والذي تم تحريره بواسطة دمج مقاطع فيديو ومقاطع مصوّرة من العملية العسكرية في مخيم جنين للاجئين، إلى جانب مقابلات أجراها بكري مع سكان المخيم بُعَيد تلك العمليّة. ومن بين المشاهد التي ورد ذكرها في لائحة الاتهام على أنها تشكل “تشويهًا للسمعة” – وهي التهمة الّتي أدين بها بكري فعليًّا – برز مشهد بالغ القسوة يروي فيه رجل فلسطيني مسنّ بأنّ أحد الجنود الإسرائيليين أطلق عليه النّار وأصابه بيده دون أي سبب يذكر كما انه قام بتهديده وترويعه. هذا الحكم ينتزع بكري والفيلم من السياق التاريخي (المجزرة في جنين وغيرها) وبالتّالي فهو يؤدّي إلى إضعاف حقيقة بكري حول العمليّة العسكريّة في المخيّم.

إن عدالة الحكم هي ليست القضية الرئيسية، بل العملية التي فُرضت على بكري عبر السنين، كما هو الحال بالنسبة للعديد من المبدعين والمبدعات، والمخرجين والمخرجات الذين لا يخشون مواجهة الحقيقة. وفي هذا الصّدد فإنّ بكري قرّر أن يمضي بالفيلم حتى النهاية مع العلم أنه يمثل تحديًا لممارسات الجيش الإسرائيلي وجرائم الحرب التي ارتكبها. ومن خلال هذا الفيلم أظهر محمد بكري واقعًا لا يطاق وكشف عن تجارب حياتية شفافة، وبذلك فإنّ “جنين جنين” هو بمثابة شهادة على الحياة تحت الاحتلال المستمر بكافة جوانبه، وكأنه شوكة في الحلق تلتبسُ على الوهم الاسرائيلي للفرد الذي يعتبر نفسه عقلانيًّا

تصوير شاشة (فيلم جنين جنين”، 2002)

إنّ الأهوال الّتي يعرضها بكري لا تحدث في مناطق مجهولة الموقع، فحسب المنطق المرن للحدود الإسرائيلية وسيادتها العملية على الأراضي الفلسطينية، فإن المسؤولية عن المظالم المرتكبة تقع على عاتق الدولة وعلى عاتق جيش الدفاع الأكثر أخلاقية في العالم، الذي يحكم الأراضي المحتلّة بأمر مباشر من الدّولة الإسرائيلية. ولكن الحكم بحق بكري وفيلمه يثبت مجدّدًا بأن الحديث يدور – مجدّدًا – حول دولة مذعورة، بعيدة كل البعد عن التنوّر، النقد والليبرالية، على الرغم من الهالة التي تسوّقها خارجًا (أسطورة الفيلا في الأدغال، الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط وغير ذلك). هي ليست سوى دولة تكمن قوتها في تديُّنها وإيماناتها، تستثمر موارد لا تعدّ ولا تُحصى في تطوير الأسلحة المتطورة وابتكار أحدث التقنيات القتاليّة – دولة تقوم بعمليات وغارات لا نهاية لها على منازل وقرى فلسطينية، ولكنها ما فتئت تخشى النقد الموجه إليها بفعل الضرر الذي تسببه هي نفسها.

لم تكن لدي، ولا توجد لديّ أيّة ثقة بالجهاز القضائي الإسرائيلي أو بفضاء النقاش العام الذي يدّعي قولاً فقط بأنه تعددي، ولكنه لا ينجح بأن يكون كذلك حقًا. إذ أنّ الشارع الإسرائيلي منهمك في التغاضي عن الخطاب متعدد الأوجه وهو غير مهتم حقًا بمسألة حقوق الفلسطينيين.

في مقاطعتها الأفلام وحظرها من العرض تظهر الدولة بوجهها الحقيقي الّذي يخشى مواجهة الحقيقة

ليست لديّ ثقة في دولة لا تفتح أرشيفات حكومتها للجمهور وتتصرف وكأنها تحتفظ بأرشيف خاص. وهذا يفضي إلى أنّ إسرائيل هي دولة لديها ما تخفيه، وفي مقاطعتها الأفلام وحظرها من العرض تظهر الدولة بوجهها الحقيقي الّذي يخشى مواجهة الحقيقة. هذا على عكس تصرّف دولة متينة وواثقة في عالم أكثر عدلاً، لا تخشى النقد وتميل إلى القيام بمراجعة خطواتها بين الحين والآخر، وتتساءل عما يحدث للقوة تحت ظروف الاحتلال. في فيلم بكري لا يوجد تحريض، لا توجد معاداة للسامية وبالتأكيد لا يوجد هنالك تشجيع على الكراهية، ولكن الكراهية الحقيقية تتجسّد في محاولة إسكات وقمع بكري في مساعيه لعكس الواقع. وهكذا ينضم هذا الحكم إلى سلسلة طويلة من محاولات شيطنة بكري وعملية نزع الصفة الإنسانية عن الفلسطيني والتي تُمارَس في كل مكان.

إنّ اختيار المحكمة للعقوبة الشديدة المتمثلة بحذف نسخ الفيلم وحظر توزيعه يلتحق بثقافة الرقابة وكم الأفواه بأبشع الصور وأكثرها عدائية. وفي هذه الحال، يمكنني فقط دعوة أولئك الذين يعتقدون أن لديهم الحس النقدي بأن يشاهدوا الفيلم وأن يتحدّثوا عنه. حاولوا مثلاً معرفة السبب وراء حظر توزيع الفيلم، أو ما الذي تخشاه إسرائيل حقًّا؟ ورجاءًا لا تقعوا في الخطأ، فما تمّ فعله مع بكري ينبع من كونه فنانًا عربيًا، ولكن في التوقيت الصحيح، قد يحدث هذا الأمر لأي مواطن إسرائيلي أو أي مواطنة إسرائيلة يجرؤون على إثارة التحدي في وجه المنظومة.

يارا غرابلي هي ناشطة سياسية واجتماعية من مدينة يافا، تدرس التاريخ العام والدراسات النسوية والجندرية في جامعة تل أبيب.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.