يوم الغزو الأحمر للكابيتول هيل

محاولة غزو الكابيتول هيل التي نفذها رجال بيض، أحفاد أحفاد أولئك الذين أحرقوا المنازل في ممفيس عام 1866 وأبناء أحفاد أولئك الذين أعدموا السود شنقًا على جذوع الأشجار حينها، هي محاولة أخرى من قبل العنصرية البيضاء لتخريب التغيير الذي تمر به أمريكا.
أورون غن

 

منذ انتخاب ترامب رئيساً عام 2016، لم أعد أهنأ بمنظر مجلس النواب الأمريكي المتواجد في الحي الذي أعيش فيه. فقد غدا تذكيرًا متواصلاً لأمر قد انكسر، خاصة حين توضّح عمق استسلام الحزب الجمهوري وممثليه للترامبية. هدّأت نفسي وسخرت من ميولي لتوقّع الأسوأ وتمنيت في قرارة نفسي ألا يعني ذلك أنني سأفتح النافذة يومًا وأرى كتائب هجومية تجول الحي مع رفع التحية النازية. يوم الأربعاء 6 كانون الثاني/يناير 2021، سارت كتائب من أنصار ترامب في حي الكابيتول هيل واحتلت مبنى الكابيتول مؤقتًا. كان هناك عنصريون بيض، معادون للسامية يرتدون قمصانًا تمجد الهولوكوست، نازيون جدد وأنصار نظريات المؤامرة الّتي لا تمت للواقع بصلة.

أعيش في واشنطن العاصمة منذ أواخر التسعينيات. قبل أسبوعين كان لي لقاءان عن كثب مع أنصار ترامب. صبيحة اقتحام مبنى الكونغرس، رأيت في الشارع شخصين يبدوان كمؤيدين لترامب وكانا في طريقهما من الفندق إلى منطقة تجمعهم. في طريقي لعبورهم، اعتذرت بحذر وهم بالمقابل سألوني بأدب عن كيفية الوصول إلى أقرب محطة قطار أرضي. في وقت لاحق من ذلك اليوم حبسنا أنفسنا في المنزل.

قبل أيام قليلة من هجوم الرعاع على مبنى الكونغرس، استدعيت فني تكييف إلى شقتي لإصلاح نظام التدفئة. بعد أربع سنوات من حكم ترامب، أعلم بالفعل أن رجلًا أبيض لطيفًا في سن الأربعين والذي يصلح مكيف الهواء أو يعمل على صيانة المصعد في المبنى، يمكن أن يكون إنجيليًا مؤيدًا لترامب. عمل هذا الفني بجد لعدة ساعات وتمكن من حل المشكلة، وعندما انتهى سأل بأدب من أين أنا. وعندما قلت “إسرائيل”، ظهرت عليه علامات الدهشة وتحدثنا باختصار عن “جنون الانتخابات هناك”. في نهاية الحديث سأل: “الآن بعد أن هدأت الأمور هناك، هل تنوي العودة؟”. يعتقد الإنجيليون “عشاق” إسرائيل أن الحرب التي ستندلع عندما يعود كل اليهود إلى “أرض التوراة” ستؤدي إلى النجاة وعودة يسوع المسيح. يعتقد الإنجيليون داعمو ترامب أن الولايات المتحدة هي أولاً وقبل كل شيء دولة مسيحية بيضاء

مؤيدو ترامب قرب الكابيتول هيل، 6.1.2021 (CC BY 2.0 wikimedia commons)

أثناء الحرب الأهلية الأمريكية في القرن التاسع عشر، وفي 11 تموز/يوليو 1864، وقعت معركة واحدة في منطقة واشنطن انتهت بنجاح طفيف للجيش الشمالي. (على الحدود الشمالية للمدينة يوجد تل به تحصينات، كالمدافع وعلامة للمكان الذي وقف فيه أبراهام لينكولن وشاهد المعركة). في 6 كانون الثاني/يناير 2021، وقعت المعركة الثانية للحرب الأهلية في منطقة واشنطن، على الرغم من أن “الجيش الجنوبي” تسلق مبنى الكابيتول هيل هذه المرة ورفع علم الكونفدرالية.

في العقود الأخيرة، غالبًا ما كان هناك ارتباط شبه كامل بين الولايات الكونفدرالية و”الولايات الحمراء”، التي صوتت للمرشحين الجمهوريين. في الواقع، لم تنته الحرب الأهلية الأمريكية أبدًا. فبعد أجيال، تم العثور على “جنرال” يعرف كيف يتعرف على الشعور بالإذلال والخوف وعلى دراية بتفعيل الكراهية والغضب وهي أمور استمرت في التغلغل والالتهاب من خلال “الانتقال عبر الأجيال”. جرائم القتل التي نسمع عنها هي جولة جديدة لأعمال عنف على خلفية عنصرية تشبه تلم التي ارتكبها البيض في المجتمعات السوداء التي ازدهرت سياسياً واقتصادياً بعد انتهاء العبودية (مثل موجة القتل في ممفيس-تينيسي عام 1866) وانتهت بقوانين الفصل العنصري التي كانت سارية المفعول لما يقرب من قرن.

ترك الرئيس باراك أوباما البيت الأبيض في عام 2016. ولا تخلو رئاسته من الأخطاء وكان تحقيق رؤيته مقيدًا بشدة من قبل زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، الذي صرح بأن “هدفه الوحيد هو جعل أوباما رئيسًا لفترة ولاية واحدة” واستمر في نهجه حتى بعد إعادة انتخاب أوباما بأغلبية قوية. ومع ذلك، غادر أوباما البيت الأبيض وهو يتمتع بتأييد وتقدير شعبي واسع النطاق. لا تزال ميشيل أوباما واحدة من أكثر النساء احتراما في الولايات المتحدة واصطف عشرات الآلاف للاستماع إلى محاضراتها في الاستادات في جميع أنحاء البلاد بعد نشر كتابها الأخير. محاولة غزو الكابيتول هيل التي نفذها رجال بيض،أحفاد أحفاد أولئك الذين أحرقوا المنازل في ممفيس وأبناء أحفاد أولئك الذين أعدموا السود شنقًا على جذوع الأشجار  – وكأن الأمر نزهة عائلية بعد الظهيرة -، هي محاولة أخرى من قبل العنصرية البيضاء لتخريب التغيير الذي تمر به أمريكا.

في الوقت الذي تدفع به التركيبة السكانية عنصريي الأغلبية البيضاء نحو الزاوية، تستمر طبقتهم المفضلة في تأجيج مشاعر التمييز لديهم.

في الوقت الذي تدفع به التركيبة السكانية عنصريي الأغلبية البيضاء نحو الزاوية، تستمر طبقتهم المفضلة في تأجيج مشاعر التمييز لديهم. من ناحية أخرى، لا يزال جدار التمييز في الشرطة والمؤسسات الأخرى ضد السود وغيرهم من الأقليات شبه محصّن. في الصيف الماضي، أدى مقتل جورج فلويد على يد ضابط شرطة إلى تعبير صوري مزعج للعنصرية القاتلة للشرطة، وقد أدى التوثيق لظهور العديد من الحالات المماثلة وأدى إلى مظاهرات ضخمة في جميع أنحاء البلاد. خلال الأيام الطويلة من المظاهرات الجماهيرية غير العنيفة في الغالب من قبل BLM (حياة السود مهمة)، امتلأت المدينة بالشرطة، أفراد الحرس الوطني ومجموعة من القوات الفيدرالية الّتي كانت قانونية استخدامها محلًا للنقاش.

في أواسط شهر كانون الأول (ديسمبر) 2020، وصل متظاهرون مؤيدون لترامب إلى واشنطن مطالبين بإنهاء ما أسموه “سرقة الانتخابات”، وشرعوا بمعارك عنيفة ضد المتظاهرين المعارضين. في الأسابيع التي سبقت الاستيلاء على الكونجرس، نُشر عدد لا يحصى من الإعلانات على وسائل التواصل الاجتماعي عن نية التوجه لواشنطن و-“احتلالها”، بما في ذلك عدد كبير من صور الأسلحة والذخيرة التي سيحضرونها معهم. ورغم ذلك، فإنّ الرعاع الذين أتوا في ذلك اليوم بغية منع المصادقة على نتائج الانتخابات وإنقاذ أمريكا، واجهوا قوى واهنة ومرتبكة تعاملت مع الحشد المسلح بنعومة. وكان السؤال الاستنكاري الذي ظهر مرة أخرى في اليوم التالي لـ “غزو التلة” هو: ما كان سيحدث لو أن مئات الآلاف من المتظاهرين السود من أجل المساواة العرقية قد ساروا بعنف إلى الكونجرس خلال عقد مجلسيه بحضور نائب الرئيس في صرخات BLM، لا يسع المرء إلا أن يتخيل المذبحة التي كانت سترتكب على يد شرطة الكونغرس والخدمة السرية.

لا يوجد في العاصمة واشنطن حاكم أو أعضاء في مجلس الشيوخ ولا يحق للممثلة الوحيدة في مجلس النواب التصويت في الجلسات. انتظرت رئيسة البلدية السوداء، موريل باوزر، لساعات لأجل الحصول على موافقة الحكومة الفيدرالية (الرئيس، البنتاغون) لغرض تجنيد الحرس الوطني بكل قوته. الرئيس نفسه الذي دعا أنصاره إلى استخدام العنف لأجل وقف عملية المصادقة على نتائج الانتخابات في الكونجرس، هو الذي كانت له سلطة الموافقة على استخدام القوة لوقف الاضطرابات. هناك مجموعة متنوعة من الأسباب لعدم وجود مكانة لواشنطن العاصمة، لكن السبب الرئيسي هو أن معظم السكان كانوا من السود تاريخياً و”هؤلاء لا يعرفون كيف يديرون أنفسهم”. حتى يومنا هذا ، تحتاج ميزانية المدينة القادمة من ضرائب السكان إلى موافقة الكونغرس. في السنوات الأخيرة، ازداد الوعي بالمكانة المتدنية للمدينة وتعالت الأصوات لتحويلها إلى ولاية. في الوقت نفسه، تتراجع نسبة السود في المدينة باستمرار (من 60٪ في عام 2000 إلى حوالي 45٪ في عام 2020).

انقلب الرئيس الخامس والأربعون للولايات المتحدة على الأمة الأمريكية وتركها تنزف جريحة. وصف ترامب في خطابه الافتتاحي الغاضب أمريكا الّتي أورثه إياها أوباما، كدولة مهانة، تعاني من آفة العنف والفوضى في الشوارع. خلال سنوات حكمه الأربع، وبدفعة من الجائحة التاريخية، نجح ترامب في إنزال أمريكا على ركبتيها، وتقع على كتفي الرئيس جو بايدن مهمة إعادة التأهيل. هي تحديات كبرى، لكن انقلاب الموازين في مجلس الشيوخ والذي حدث يوم اجتياح الكونجرس، يضيف الأمل إلى قدرة الرئيس المنتخب على بدء أعمال إعادة الإعمار والتأهيل. وسيكون منح واشنطن العاصمة مكانة ولاية سيكون إنجازًا رمزيًا مهمًا للرئيس الجديد.

د. أورون غن هو معالج نفسي، يعمل مع أطفال يعايشون الفقدان والصدمات النفسية. لاعب كرة ماء هاوٍ ويستعمع بشكل ثابت للإذاعة الوطنية العامة في الولايات المتحدة، NPR.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.