موتُنا لا يعني لهم شيئًا

مقتل محمد أبو نجم وإهمال المجتمع العربي في يافا يُرينا كيف أنّ كل الخطط الحكومية المتضخمة لمعالجة الجريمة ستفشل، إذ لا علاقة للأمر بالموارد أو الميزانيات للشرطة، ولن يطرأ أي جديد ما دام تسيير شؤون وزارة الأمن الداخلي والشرطة يتمّ من قبل أشخاص أدمنوا الشر الذي ينهمر عليهم من أعلى
عبد أبو شحادة

 

في مطلع هذا الأسبوع، قُتِل محمد أبو نجم، أحد أبرز القياديين في المجتمع العربي في يافا. عدا عن العناوين العامة في وسائل الإعلام العبرية التي أكّدت مقتل عضو بارز في الحركة الإسلامية، لم يُكتب ولم يُنشر أي شيء حول التداعيات بعيدة المدى لمقتل زعيم مجتمعي في وضح النهار ولا عن أثر هذه الحادثة على السكّان العرب في يافا.

لم تكتب ولو كلمة واحدة عن الواقع الذي نعيشه طيلة العقود الثلاثة الماضية، حيث يُقتل ما بين خمسة إلى سبعة شبّان من المجتمع العربي كل عام في يافا، ولا تعي أي سلطة أن هذه معطيات غير منطقية. يبلغ تعداد السكان العرب في يافا حوالي 20 ألف شخص يعيشون في منطقة يعيش فيها زهاء مليوني يهودي ومعظم جرائم القتل تحصل عندنا.

لم تكتب كلمة واحدة عن وجودنا تحت إدارة أغنى سلطة محلية، في مدينة تعجّ بمراكز وقوى الشرطة الّتي تعادلُ جيشًا صغيرًا ومجهزًا بأفضل الموارد وأحدث التقنيات. رغم كل هذا، وبالرغم من حقيقة أن الحديث يدور حول مجتمع صغير يضم قرابة 20 ألف شخص، إلا أننا نعايش واقعًا لا يُحتمل فيه جرائم قتل لا يتم التحقيق فيها ولا حلها، وما من سلطة تتحمل مسؤولية ذلك.

يُظهر المصير المُهمَل للمجتمع العربي في يافا كيف أنّ كل الخطط الحكومية المتضخمة لمعالجة الجريمة ستفشل، حتى قبل الشروع بتنفيذها. إذ لا علاقة للأمر بالموارد أو الميزانيات للشرطة، أو لوجود الشرطة في البلدات العربية.

برأيي، فإنّ الشيء الوحيد الذي يمكن أن يفسر هذا الواقع الّذي لا زال يحصد الضحايا الواحد تلو الآخر، هو أن تسيير شؤون وزارة الأمن الداخلي والشرطة يتمّ من قبل أشخاص أدمنت نفوسهم الشر الذي ينهمر عليهم من أعلى.

هؤلاء أناس يريدون رؤيتنا موتى في الشوارع. كنت أعتقد فيما سبق أن الشرطة هي هيئة تم تسييسها من قبل اليمين وبأن طاقم عامليها غير مهني بأقصى الحالات. أما اليوم فأعتقد أننا نواجه أشخاصًا سيئين أشرارًا أو على الأقل غير مبالين، ولا يُحَرّك موتُنا أيّ شيء في أنفسهم.

الوزارات الحكومية الأخرى التي ترى الأرقام ولا تتوقف للحظة كي تتساءل كيف تؤثر جرائم القتل في المجتمع العربي على قضايا أخرى مثل التربية والتعليم، الرفاه الاجتماعي، المجتمع، التوظيف والاقتصاد

لكن الحديث ليس عن الشرطة فقط، بل يشمل الوزارات الحكومية الأخرى التي ترى الأرقام ولا تتوقف للحظة كي تتساءل كيف تؤثر جرائم القتل في المجتمع العربي على قضايا أخرى مثل التربية والتعليم، الرفاه الاجتماعي، المجتمع، التوظيف والاقتصاد، ولا تهتم كذلك لفحص مسؤولياتها في التعامل مع مثل هذه الأزمات في المجتمع العربي – هؤلاء كذلك في محور الشّرّ.

هؤلاء ثلة من الأشرار يبررون تصرفات الشرطة في المجتمع العربي ليس لأن الوضع لدينا خطير في حد ذاته، بل لأنهم يخشون أن تطال ألسنة النيران المجتمعَ اليهودي. هؤلاء هم من يرفضون رؤية الفشل الأخلاقي في هذا الادعاء بأن المشكلة لا تكمُن في قتل الشباب العرب، ولكن في مصلحة اليهود التي قد تتضرر.

الشيخ محمد أبو نجم. الضحية الأخير في موجة العنف المستعرة في مجتمع الداخل الفلسطيني

أنا على دراية بأن هذه أشياء قد يصعب على البعض تقبلها. لكن ليس لدي سبب للتفكير بخلاف ذلك. يصدمني الواقع الدموي ويصدم أصدقائي وجيراني وأبناء مدينتي مرارًا وتكرارًا، ولا يمكنني أن أصدق أنه لو كان هنالك أناس طيبون كانوا ليسمحوا باستمرار حمام الدم هذا. لا أصدقهم ولا أعتقد أن لديهم نوايا حسنة تجاهنا. على العكس من ذلك، لدي قناعة بأن هناك مسؤولين كبارًا في الأنظمة الحكومية يشعرون بالسعادة قليلاً عند سماع خبر عن حالة قتل جديدة في المجتمع العربي. في مثل هذه الحالة، ما هي الفرص المتاحة للنشاط السياسي؟

لا أتمنى لأي مجتمع في إسرائيل ولو لدقيقة واحدة أن يعايشوا واقعًا كواقعنا. لا أتمنى لأي شخص حالة القلق التي تصيب أمًا عربية عندما تسمع أن هناك جريمة قتل في المدينة فتمضي على الفور للاتصال بذويها كي تتأكد من أنه ليس ابنها أو أحد أقربائها. لا أتمنى للفتيات والفتيان في عمر الورد في أي مجتمع كان، الحياة التي عشتها كصبي والتي أجبرت فيها على دفن أصدقائي القتلى. لن يقدر أحد على أن يتخيل ما يدور في ذهن صبي اضطر إلى رفع جثة صديقه بعد إصابته برصاصة في رأسه والقيام بنقله إلى المستشفى، والنظر بلا حول ولا قوة نحو جسد بلا روح ملقًى في مقعد سيارة، ثن الذهاب للنوم مع هذه الصور المحفورة في مخيلته، صور لا تزال تلازمه في كوابيسه بعد مرور أكثر من عقد من الزمان.

لا أتمنى ولا نتمنى لأحد الشعور بأن دماء أطفالهم، رجالهم، نسائهم وقادتهم  – مهدورة. لأني أنظر أبعد من الخلافات السياسية والأيديولوجية، بخلافكم – فأنا أستيقظ في كل صباح وأذكر نفسي بأن لدينا التزامًا أخلاقيًا تجاه كل إنسان لمجرّد كونه إنسانًا.

حرصت وسائل الإعلام في نهاية المطاف على تغطية جنازة الشيخ المرحوم محمد أبو نجم، لا بدوافع إنسانية لا قدّر الله أو لأن زعيمًا دينيًا محبوبًا وذا صيت طيب قُتل دون ذنب في مدينته الدامية. كانت وسائل الإعلام حاضرة بسبب القلق من انتهاك توجيهات وزارة الصحة الخاصة بالجائحة. لم يتحمّل أحد عبئ اعتبار هذه الجنازة الحاشدة على أنها احتجاج شعبي، على غرار ما يجري أمام مقر نتنياهو في القدس، أو اعتبارها صرخة ألم لمجتمع متداعٍ اختُرِقَت خطوطه جميعًا وتشعر بناته وأبناؤه بالضياع واليأس ولم يعد لديهم أحد يثقون به بعد الآن.

عبد أبو شحادة هو عضو بلديّة تل أبيب – يافا عن قائمة يافا، وناشط اجتماعي وسياسي

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.