المشتركة: تمثيل للجماهير أم تمثيل على الجماهير؟

أيّام حاسمة تمرّ على القائمة المشتركة بعد أن وصلت المفاوضات حول تشكيلها إلى طريق مسدود، فبعد أن كانت أمل الجماهير على مدى سنواتها الأولى، غدت رهينة لمناكفات سياسية بعيدة كل البعد عن أي مشروع وطني، فهل بقيت هنالك فرصة أمام القيادات لتصحيح مسارها ونيل ثقة الجمهور؟
ياسر أبو عريشة

 

بقيت أيام معدودة حتّى موعد تقديم القوائم لانتخابات الكنيست الإسرائيلي المقررة لشهر آذار/مارس 2021، ولا يزال مصير القائمة المشتركة غامضًا في ظلّ تعثّر خطوات توحيد الصفوف بين الأحزاب الأربعة الّتي تشكّل القائمة. وتتداول وسائل الإعلام والنشطاء أخبارًا مفادُها أنّ القائمة المشتركة قد تصلُ إلى نهاية طريقها بعد ستّة أعوام منذُ إنشائها كقوّة سياسيّة موحّدة لجميع الأحزاب والتّيّارات العربيّة البارزة في مجتمع الدّاخل.

وفي هذا الصّدد، يتراشق المسؤولون الاتهامات حول الأسباب الّتي تقف وراء عدم الوصول إلى توافقات حول كيفيّة إتمام العمل المشترك في التخطيط والتنفيذ والفكر. ويتصدّر هذا الخلاف جدل متواصل ما بين النّائب منصور عبّاس عن الحركة الإسلامية الجنوبية والقائمة العربية الموحدة والنّائب أيمن عودة الّذي يتقلّد منصب رئيس القائمة المشتركة ورئيس الجبهة. فبين هذين القطبين اللذين يمثلان توجهات مختلفة تمامًا بين تيارين مختلفين – أحدهما متدين محافظ، والآخر علماني ليبرالي -، نشأت هوّة بالغة العمق ومن الصعب تجاوزها.

وقالت مصادر مختلفة بأنّ النائب منصور عباس، مدعومًا من قيادة الحركة الإسلامية، ماضٍ في شؤون ترتيب الأوراق الداخلية في قائمته الخاصة وبأن هناك مباحثات مستمرة حول تركيبة القائمة التي ستمثل الحركة الإسلامية الجنوبية والقائمة العربية الموحدة، فوردَ مثلاً ذكر اسم مازن غنايم الذي سبق أن تحالف مع منصور عباس في انتخابات نيسان عام 2019، ولكن ضمن حزب التجمع الوطني الديمقراطي، وفشل حينها في دخول الكنيست.

أعضاء القائمة المشتركة يتوجهون لمنزل رئيس إسرائيل للتوصية على غانتس (المتحدث باسم القائمة المشتركة)

حالة الانقسام هذه تعيد إلى الذاكرة أحداث الانقسام الأوّل للمشتركة في العام 2019، حيث تفككت القائمة المشتركة إلى قائمتين إحداهما كانت وحدة ما بين الحركة العربية للتغيير (أحمد الطيبي) والجبهة (أيمن عودة)، والثانية ما بين التجمع الوطني الديمقراطي (امطانس شحادة) والحركة الإسلامية-العربية الموحدة (منصور عباس). وما حصل في تلك الانتخابات أنّ القائمتين فشلتا فشلًا ذريعًا حيث حصدتا سويًا عشرة مقاعد فقط بعد أن كانت قوتها تعادل 13 مقعدًا في الدورة السابقة للكنيست ما بين الاعوام 2015-2019. ومن الجدير بالذكر أن قائمة منصور مع التجمع الوطني الديمقراطي حصلا على 4 مقاعد فقط وكانت تتأرجح على حافة نسبة الحسم القانونية البالغة 3.25% من نسبة الأصوات الصحيحة، واستطاعت القائمة بفارق بسيط وبشق الأنفس دخول الكنيست.

وفي تلك الدّورة عزى محللون هذا التدهور إلى عدة عوامل، منها تراجع نسبة المصوتين من المجتمع العربي بسبب الانقسام وفقدان الثقة من طرف الناخبين بممثليهم، بالإضافة إلى توجه الكثير من المصوتين العرب نحو إمكانيات أخرى كحزب ميرتس اليساري الّذي ترجح تقديرات بأنه حصل في ذلك الحين على قرابة 30 ألف صوت من المجتمع العربي، ما ضمن له البقاء في الكنيست بفضل أصوات العرب الّذين فعليًا ضمنوا لميرتس مقعدًا في الكنيست.

ولعلّ هذا التفكّك في القائمة المشتركة على خلفيّة اختلاف الآراء ومحاولة الحركة الإسلامية فرض نهجها الإسلامي على بقية المركبات من جهة، ومن جهة أخرى حرب الإيغو بين القيادات وأساسًا بين عباس وعودة

ولعلّ حالة التفكّك الحاليّة في القائمة المشتركة على خلفيّة اختلاف الآراء ومحاولة الحركة الإسلامية فرض نهجها الإسلامي على بقية المركبات من جهة، ومن جهة أخرى حرب الإيغو بين القيادات وأساسًا بين عباس وعودة، قد تُنبأ بسيناريو مشابه لما حصل في نيسان 2019. فعشية الانتخابات المقبلة قد تتراجع نسبة التصويت لدى العرب بسبب عدة عوامل ليست سياسية فقط أو بسبب تراجع الدعم للمشتركة، وإنما بسبب الجائحة الّتي قد تدعو البعض للتخلي عن مشاركتهم في الانتخابات بالإضافة إلى عزوف شرائح متعددة في صفوف المواطنين العرب عن التصويت للأحزاب القديمة والتوجه إلى خيارات أخرى بعضها أحزاب ذات طابع صهيوني بحت، كالليكود، العمل، ميرتس أو غيرهم.

وظاهرة التصويت لأحزاب ذات مرجعية وخلفية صهيونية هي ليست العامل الوحيد في هذا المعترك الّذي من شأنه أن يؤدّي إلى تراجع الأحزاب التقليدية، بل إنّ شخصيّات عديدة عربيّة يتمّ تنصيبها أو ترشيحها مؤخرا لخوض الانتخابات في هذه الأحزاب بفعل كون المشتركة ناديًا مغلقًا ومحصورًا على نشطاء الأحزاب فقط، فنجد أسماءًا عديدة ترتمي في احضان الأحزاب الصهيونية التقليدية، كغيداء ريناوي-زعبي التي انضمت مؤخرًا إلى حزب ميرتس، أو أمال أبو التوم التي استجلبها رئيس الأركان السابق موشيه يعلون إلى حزبه “تلم”، أو حتّى بشخصيات مفاجئة كالمخرجة السينمائية والناشطة ابتسام مراعنة التي أعلنت عن انضمامها إلى حزب العمل وترشحها لانتخاباته الداخلية المزمعة في الأيام القريبة.

تصوير شاشة – القناة 12 الإسرائيلية، غيداء ريناوي-زعبي أثناء لقاء مع الصحفي فرات نصار

جميع هذه التطورات من شأنها أن تطلق صفارات الإنذار في جميع المكاتب السياسية للأحزاب العربية في المشتركة ليتخطّوا جميع العقبات وليتحدوا مجددا تحت سقف واحد بنوايا حسنة. لكن المشكلة تكمن في القدرة على استعادة الثقة من الناخب، ولربما إذا تمّ الاتفاق على تشكيل القائمة المشتركة في الأيام القريبة، فقد تنجح في إحراز مكسب سياسي يحول دون تحطّم مشروع المشتركة على شواطئ السياسة الإسرائيلية الصخرية، وقد يتفادى من يدّعون تمثيل الجماهير العربية خطر الإقصاء من البرلمان بفعل تصويت احتجاجي عقابي من الجماهير العربية التي باتت سلعة يتداولها اليمين واليسار مستغلين ضعف القيادة ووهنها، ولكنها لن تعود لتكون قوة بـ-15 ممثلاً كما فعلت في انتخابات عام 2020 في شهر آذار/مارس.

إنّ القائمة المشتركة الّتي روّجت للناخب الفلسطيني على أنها قوة سياسية حقيقية وموحدة تسعى لمواجهة نظام الفصل الاستعماري وتحصيل حقوق الجماهير عبر وقوفها كشوكة في حلق الاضطهاد، لم ترقَ إلى المستوى المطلوب من القياديين في مجتمعنا الفلسطيني المتعدد بآرائه وانتماءاته، فالخطوط العريضة للاختلاف ما بين المركبات في مواضيع حقوق الفرد وكيفية ممارسة المواطنة تمحو الهدف الأساسي الّذي كانت ترمي إليه القائمة وهو توحيد الجهود نحو إيجاد حل لمأزقنا وآلامنا كأبناء وبنات هذه الأرض الّتي نعيش فيها تحت ظلّ نظام قمعي ومستبدّ لا يأبه بحقوقنا أو تطور مجتمعنا وارتقائه. وبالتّالي فليس هنالك ثمّة مهرب من التشكيك في نوايا مركبات القائمة المتمثلة في الحفاظ على قوة التيارات السياسية التقليدية واحتمائها من قبضة نسبة الحسم الّتي ما فتئت تهدد التمثيل الفلسطيني في البرلمان الإسرائيلي.

قد تكون تجربة القائمة المشتركة وصلت إلى حدّ استنزفت فيه جميع القوى اللازمة في العمل الوحدوي كممثلين لشعبنا في الداخل الفلسطيني، وبالتالي تكون التجربة السياسية الوحدوية قد وصلت إلى نهايتها في حال عدم حصول تغيير مفاجئ في اللحظة الاخيرة والّذي بموجبه قد تتحد الأحزاب على مضض وحينها سنحصل على مشتركة أضعف مع قابلية تفكك أكبر بكثير عما كانت عليه. ولكن هذه التجربة المشتركة إن جلبت علينا شيئًا واحدًا جيدا على الأقل، فهو أن لا مهرب من العمل المشترك في إيجاد حلقات الوصل والربط بين الجهات المختلفة في مجتمعنا التعددي بغية إحداث تغيير جذري في تناولنا للسياسة وكيفية انتزاع حقوقنا من خلال العمل البرلماني، وهي أمور واضحة لا التباس فيها: حرية الإنسان وكرامته، تحقيق العدل المجتمعي والمساواة، مكافحة جذور العنف والجريمة عبر القضاء على المنظمات الإرهابية الداخلية وإنشاء بنى تحتية وجهاز تربية وتعليم يطمح لبناء مجتمع قوي في المدى البعيد، ولا تبقى أمامنا حينها سوى العقبة الّتي يتعدى فيها القياديون الخلافات الشخصية، ويسعون إلى تأليف القلوب وتنوير العقول، ولربما سننجح في إحراز نقلة نوعية في تاريخ نضالنا نحو تحصيل حقوقنا كافة في وطننا.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.