فنون سلب الأراضي والاستيلاء عليها

عائلة فلسطينية تخرج لاستنشاق الهواء الطلق في أحضان الطبيعة، فتأتيهم ثلة من البلطجية المستوطنين ويطالبونهم بالرحيل بحجة أن الأرض ملك خاص لهم. ما الجديد؟
ياسر أبو عريشة

 

لدى الاستعمار والاحتلال أوجه كثيرة، فمنها قمع الحريات، ومنها التمييز ومنها والاستيلاء على الأراضي والأملاك بشتى الطرق المتاحة. ففي قريتي الواقعة في الداخل الفلسطيني، الفريديس، توجد قطعة من الأرض تقع في الجزء الشمالي من البلدة. هذه القطعة الّتي تمتدّ بشكل طبيعي مع مسطّح القرية كانت مرّةً بستانًا واسعًا للحمضيات، ومع أنها كانت أرضًا كبيرةً ومليئة بالأشجار، لا أذكر أنني شاهدت أحدًا ما يعتني بها أو يقطف ثمارها. ما أذكره عن قطعة الأرض هذه أنها كانت ملعبًا لأولاد الحارة الشمالية، يتقاذفون فيها ثمار الكريب فروت الّتي كانت تتعفّن على الأشجار، في لعبة أشبه بكرة الطلاء، النسخة القروية.

مع مرور الوقت، بدأت أفهم بأن صاحب الأرض المسجل في مكاتب الدولة هو أحد الكيبوتسات المجاورة للقرية، وعلى وجه الدقة، الحديث هو عن كيبوتس معجان ميخائيل، أحد أقوى وأغنى الكيبوتسات في إسرائيل، والذي يبعد عن القرية ما يقارب ال-8 كيلومترات. لم أستوعب معنى هذا الأمر بحذافيره، ولكنني في سنوات سابقة سلمت مع هذا الواقع، فقد اعتدنا سماع العجائب من هذه الدولة، ومع ذلك، فإن قطعة الأرض هذه البالغة مساحتها عدة دونمات، كانت علامةً على هيمنة الكيبوتسات على الأرض، وكأنها تريد أن تذكرنا بأنها ستكون لنا بالمرصاد وستحاصرنا وتنتزع منا الأرض عنوة وبموجب قوانين سنها أجداد المستوطنين القادمين من أوروبا.

الفريديس، صورة جوية (موشيه ميلنر، مكتب الصحافة الحكومي)

قبل بضع سنوات، أقام إحدى العائلات الالّتي تسكن شمال القرية حفل زفاف لأحد أبنائها بالقرب من هذه الأرض المتروكة، وفي خضم التحضيرات قام أبناء العائلة بتنصيب قسم من موائد الطعام في أرض محاذية لأرض الكريب فروت، وحصل أن جزءًا صغيرًا من الموائد تم وضعه في الأرض المحاذية لموقع الفرح، وما حصل بعد عدة أيام هو أنّ الكيبوتس قام برفع دعوى قضائية ضد عائلة صديقي بتهمة “تعدي الحدود” والدخول إلى أرض خاصة دون إذن، مع العلم أن الأمر حصل بشكل عفوي وغير مقصود خاصة أن الأرض متروكة وحدودها غير واضحة، وهي تهمة جنائية قد يسجن فاعلها بموجب القانون الإسرائيلي فترة قد تصل لعدة سنوات. كان الأمر غاية في الغرابة، فهذه الأرض لم يسأل عنها أحد لسنوات عداد، فما الذي حصل؟ وكيف للكيبوتس – الذي تربطه مع بلدنا وأهله علاقات جيدة نوعًا ما – أن يقدم على فعلة كهذه؟ بل أي ضرر تسببت به العائلة لهذه الأرض المتروكة؟

قام احد أصدقائنا المحامين بالمرافعة عن أحد أبناء العائلة الذي تربطني به صداقة منذ الطفولة، واستمر الأمر لفترة طويلة إلى أن تمّت تبرئة هذا الصديق تمامًا من التهمة الموجهة إليه وعاد الكيبوتس خالي الوفاض في محاولة دنيئة لمعاقبة صديقي وعائلته. ولكن بعد انقضاء الأمر، تحريت قليلاً في الموضوع، وتبين لي أن هذه الأرض كانت في الماضي لفلسطينيين أصبحوا لاجئين إبان النكبة الفلسطينية عام 1948 وصادرت الدولة أملاكهم وأراضيهم وحولتها إلى أموال غائب. وبموجب القانون، تذهب هذه الأراضي إلى وصاية الدولة، التي بدورها تقوم بإعطاء هذه الأراضي بالضمان الاحتكاري لمن يطلب منها ذلك بموجب تعليمات مخصصة لمثل هذه الأمور لا يعلمها ولا يصلها إلا من له دراية بحيثيات القانون. وبالفعل، فقد قام الكيبوتس من عشرات السنين بالاستيلاء على هذه الأرض وغرس فيها أشجار الكريب فروت بهذا الأسلوب، الأمر الذي حال دون إمكانية توسع القرية شمالاً لعقود.

في السنوات الأخيرة، نشأ صدام قانوني ما بين مجلس القرية المحلي وما بين الكيبوتس والمجلس الإقليمي “حوف هكرمل”، حول أحقية القرية باستخدام هذه الأرض لمصلحة توسعة خارطتها الهيكلية، الأمر الذي رفضه الكيبوتس قطعًا. ولكن مع مرور الوقت، استطاع المجلس المحلي في القرية انتزاع هذه الأرض من الكيبوتس، واليوم أصبحت قطعة أرض تابعة للقرية تعتبر اليوم أرضًا عامة.

تراودت هذه القصة إلى ذاكرتي بعد أن شاهدت في نهاية هذا الأسبوع فيديو لعائلة فلسطينية كانت تقضي وقتها في الهواء الطلق إلى جانب بير زيت، عندما داهمهم فجأة ثلاثة مستوطنين ذوي ملامح أوروبية وغير متدينين كان أحدهم مسلحًا ببندقية، وطالبوا العائلة بالرحيل لأنهم دخلوا أرضه. أب العائلة الكهل قاوم طلب المستوطن المسلح الذي تحدث إليه بغطرسة ورفض الرحيل، إلا أن هذا المستوطن أصرّ على أن العائلة دخلت إلى مكان خاص وحاول طردها، بحسب ما ورد في الفيديو المرفق.

بحسب قانونهم، فإنّ الحق يقف إلى جانب هذا المستوطن ولكننا على علم أن هذا الأمر باطل، فأنا على يقين أن هؤلاء الرعاع قاموا بالاستيلاء على أرض مصادرة أو مغتصبة بأساليب ماكرة و”قانونية”، وهي مشابهة جدًا لما حصل في الأرض الواقعة شمال الفريديس التي استولى عليها الكيبوتس، إلا أن الأمر يختلف هذه المرة بأن الأرض التي جلست فيها العائلة العربية هي أرض مقتلعة بموجب قوانين احتلالية تخرق بشكل صارخ جميع الأعراف والقوانين الدولية، وهي ممارسات تنتهجها دولة الاحتلال داخل وخارج الخط الأخضر بنفس الأساليب الخداعة لكي تثبت الوجود الصهيوني وتسلب الفلسطيني أرضه وتمنع عنه الوصول إليها والتجوال حرًا في موطنه، عازلة إياه في الغيتوهات والمخيمات والقرى التي يسودها الفقر وضعف البنى التحتية وقلة الأراضي.

قصة العائلة الفلسطينية التي واجهت المستوطن هي قصة قديمة ولكن بديباجة مختلفة، إذ لا فرق بنظري بين أرض الكريب فروت وبين منطقة أحراش معزولة جنب بير زيت، فتارة تكون العملية هي سلب أموال وأملاك وأراضي الغائب، وتارةً تكون باستخدام الاقتلاع والهيمنة بموجب قوانين مجحفة وعنصرية تمنح المستوطنين امتيازات شاسعة على حساب أصحاب الأرض والحق. هذه المرة كانت العائلة حازمة ومتحدثة بالعبرية لتقف في وجه المستوطن المعتدي وتقاومه كلاميًا على أقل حال، ولكن السؤال هو: كم هي الحالات الأخرى التي لم يتم توثيقها وحصلت في الماضي وستحصل في المستقبل حين يذهب الفلسطيني لاستنشاق الهواء فيخرج له مستوطن بادعاء تعدّي الحدود؟ أجزم بأنها كثيرة، ولكنها مغيّبة وغير موثقة وستستمر مع استمرار الاحتلال والحكم العسكري من طرف إسرائيل، وإلى ذلك اليوم الذي ينال الفلسطيني فيه حريته وكرامته في وطنه، ستستمر إسرائيل بممارساتها ضد الشعب الفلسطيني مستخدمة القوة والترهيب ونهب الممتلكات.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.