العُنف ودور المجتمع المدني في ظل غياب سُلطة القانون 

يحتاج المجتمع العربي إلى روح إصلاحية متجددة تبتُّ في شتّى المرافق الحياتية والمجتمعيّة، فبناء مجتمع أكثر أمنًا وتسامحًا يجب أن يكون هدفنا الجامع
محمد محاميد

 

علمتنا الحياة أن هنالك أربعة أصناف من العيون، الأول هو تلك العين التي ترى الواقع بوضوح بكل ما فيه من تفاصيل – كبيرة كانت أم صغيرة – وتصف الحال بصدق وأمانة، وهو الصنف الأنفع والاجدى. أما الصنف الثاني فهو الصنف الذي يرى كل شيء كذلك، ولكنه يغض الطرف عن الكثير من التفاصيل بغية إرضاء الذّات وإشباع غرائزها انسجاما مع مصالحها، فهي تصف الحال بناءً على أولوياتها وطرحها المحدود فقط. الصنف الثالث يعاني من محدودية الإدراك والرؤية لأن تلك العين ترى من زاوية واحدة معتمدة على العين الأولى أو الثانية وهي كالإمعة تسير مع التيار أينما جرى. والصنف الرابع والأخير، فهي عين كفيفة محجوبة عن الواقع ومغيبة عن مجريات الأمور لأنها اختارت العُزلة والانطواء، بل وسلمت أمرها لمن سبقها من العيون للبت بتفاصيل حياتها.

فلو سَلَطنا أنظارنا بمقاييس العين الأولى بشكل عميق نحو مجتمعنا العربي في الداخل الفلسطيني، لرأينا وباء العنف يتفشى في جسد شعبنا ويمزق نسيجه يوما بعد يوم. فحمام الدم القاني حصد أرواح مئات الضحايا في السنوات الأخيرة مع تفشّي آفة الجريمة الخطيرة التي مزقت أوصال المجتمع وفككت كيانه. سنجد في السواد الأعظم من الجرائم غياب سُلطة القانون بشكل مستفز ومثير للإستهجان والسخرية في آن واحد، ولكن ما العجب لو علمنا أيضا أن هذه الشرطة التي يجب أن توفر الأمن والأمان هي من قتلت برصاصها الرسمي عشرات الشبان العرب منذ عام 2000، وطبعا لم نرَ كذلك وحدة التحقيق مع افراد الشرطة “ماحاش” تقدم لوائح اتهام أو إدانة بحق مقترفي تلك الجرائم من جهاز الشرطة.

مسرح جريمة (أرشيف النّاطق باسم نجمة داود الحمراء)

فبعد تلك المعطيات التي يعرفها القاصي والدّاني، ينبغي علينا أن نعي بأننا أمام واقع مؤلم يزداد وجعه بوتيرة متصاعدة يوما بعد يوم، حتى أننا نكاد نصف حالات العنف والجريمة في بعض بلداتنا العربية في الداخل الفلسطيني بأنها وصلت إلى درجة إنفلات أمني خطير في ظل غياب سُلطة القانون. وعلى ما يبدو فإن المؤسسة الرسمية لن تحرّك ساكنا حيال هذا الواقع المرير، ولن تعمل بذات الجدية والمهنية التي تعمل بها للتصدي لأحداث العنف في المجتمع اليهودي كي تَحول دون سفك المزيد من الدماء في مجتمع الداخل. لذا فهذه الظروف القاهرة والأوضاع العصيبة تلزمنا كمجتمع مدني بطرح بديل “مدني” من جمعيات ومؤسسات ومشاريع لمجابهة هذه الظاهرة، فهذه الشموع البسيطة خير بالف مرة من أن نقف متفرجين نلعن الظلام دون بذل اليسير من الجهد للتخلص من ظلمات العنف والجريمة الّتي تنهش لحمنا صباح مساء.

فمنذ البداية أقول أن من يبحث عن حلول سحرية وسريعة عبر مؤسسات المجتمع المدني فقط فهو واهم، ولكن سأقوم خلال السطور القادمة من عرض العديد من الحلول الإضافية الهامّة التي قد نستطيع خلالها من تقليص، حسر وتحجيم هذه الظاهرة الخطيرة، والتي نلخصها في دور الأسرة والمدرسة والبلديات ودور العبادة والمساجد ورجال الأعمال والمجتمع ككل.

محمد محاميد

لا يمكن لأحد إنكار دور الأسرة في العملية الإصلاحية، فالمجتمع بنهاية المطاف مكون من الأسر والعائلات. فلو سلطنا الضوء على العملية التربوية اليوم في الكثير من الأسر سنجد فجوات عميقة فيها حتى أمست دفيئة حاضنة لهذه الظاهرة الخطيرة، وذلك بداية من العنف داخل الأسرة، تفكك الأسر بفعل الطلاق وانفصال الوالدين، إنشغال الأهالي وإنغماسمه في أعمالهم الخارجية والتقصير في موضوع تربية الأولاد، وهو أمر قد يحصل بفعل الضائقة الإقتصادية للعائلة، وغيرها من الأسباب. وجميع هذه الأسباب قد تغذي واقع العنف بشكل مباشر مع حرمان الأبناء والبنات من تلقي القيّم التربوية الحقيقية التي يجب أن تغرس في نفوس الأطفال، وهنا لا بد من طرح مشاريع تربوية ودورات إرشادية للأزواج الشابة لتقليص العوامل المذكورة سابقًا، مما يعني أن نسبة البيوت المستقرة الآمنة من شأنها أن ترتفع، ما قد يولِد مجتمعًا أقل تفككا وضياعا.

أما المدارس، فلا بد من إضافة حصص دراسية حول غرس القيّم والأخلاق الحميدة في عقول الطلاب تماما كحصص اللغات والرياضيات. بالإضافة إلى ذلك فهنالك حاجة إلى طاقم تدريسي مهني وذا خبرة تمنحه قدرة على اكتشاف الطلاب ذوي النزعة العنيفة لمحاولة دفعهم نحو مسار لا يسوقهم لاحقًا إلى عالم الإجرام، ويجب إيلاء هؤلاء الطلاب اهتمامًا خاصًا عبر تكثيف حضورهم في الدروس المخصصة ةالتعاون مع الأخصائيين النفسيين والإجتماعيين، وهذا من شأنه أن يكبح جماح العنف في نفوسهم وإرشادهم اولا وتأمين المجتمع من أضرارهم المحتملة لاحقا، وهذا دور حقيقي لا يجوز لجهاز التربية والتعليم إهماله وغض الطرف عنه، مع طرح علاج لظاهرة التسرب من المدارس والحيلولة دونها.

وللبلديات والمجالس المحلية دور أيضًا، فهي أيضا تتحمل جزءًا من اعباء المشروع الإصلاحي، فتلك المؤسسات لديها واجبات تجاه المواطنين الذين انتخبوها، كتوفير احتياجاتهم المتنوعة، وتلبية متطلباتهم من خدمات أساسية لهم كبناء مراكز مسائية تحتضن الشباب من الشوارع وأخطارها، بالإضافة إلى تأسيس ودعم فرق رياضية ومراكز توجيهية من شأنها توفير حضن دافئ لشريحة واسعة من الشباب، ما قد يضمن لهم مسافة بعيدة عن أخطار الشوارع من عنف ومسكرات ومخدرات وغيرها من الآفات.

أما الدعاة ورجال الدين والمشايخ، فينبغي عليهم التكثيف من دورهم الدعوي والوعظي والإرشادي لأجل التأثير إيجابًا على أوسع شريحة من الجيل الشاب في مجتمعنا المحافظ والذي لا يزال الدين عاملًا مهمًا في نسيجه. وهنا مثلاً يدخل دور الحركات والجماعات الإسلامية في تثقيف الشباب وتوفير الدوائر التربوية لهم في مشاريعها، فهذا جزء مهم في كل ما يتعلق بالدعوة والدين.

وبالنسبة لرجال الأعمال وأصحاب المبادرات فهم كذلك يتحملون مسؤولية واضحة في العملية الإصلاحية، فلو قام هؤلاء بتوسيع نشاطهم التجاري ومؤسساتهم الإقتصادية بشكل مدروس وعملي، لكان بمقدورهم التأثير إيجابًا على تقليص نسبة البطالة بين الشباب وتوفير فرص عمل لهم في بلداتهم.

وأخيرا، فإنّ المجتمع بأكمله تقع عليه مسؤولية توحيد الجهود ورص الصفوف، هذا بالتزامن مع بناء لجان إصلاح في كل قرية ومدينة، وأن تقوم هذه اللجان بحل المشاكل والأزمات قبل وصولها إلى درجة خروجها عن السيطرة وهو أمر قد يؤدّي إلى المزيد من الدماء والضحايا. كما أن الأمر يستدعي مبادرات مجتمعية مختلفة كمقاطعة جماعية عامة لمن تبيّن أنه يقف فعلا خلف جريمة قتل، إلى أن يفصح عن ندمه التّام واصطلاحه مع المجتمع ملتزمًا بالحفاظ على القيم الإجتماعية والإخلاقية التي من شأنها بناء مجتمع اكثر امنا وامانا وأكثر تسامحًا ومحبة.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.