الداخل الفلسطيني: بين المقاطعة والمشاركة عشيّة الانتخابات للكنيست

تتباين الآراء في صفوف مجتمع الداخل الفلسطيني بشأن المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية أو من عدمها. هذان التياران المتعاكسان قد يتفّقان في حال تمّت صياغة آلية عمل مشتركة وموحدة تمثّل جميع الجماهير – تضم الداعمة والأخرى المعارضة للمشاركة في انتخابات الكنيست
ياسر أبو عريشة

 

أقل من ثلاثة أسابيع تفصلُنا عن الانتخابات للكنيست الإسرائيلي، وحالة الترقّب لا تزال قائمة بخصوص مشاركة جماهير الداخل الفلسطيني في هذه الانتخابات، إذ يُرجّح مختصّون أن نسبة المشاركة قد تصل إلى أدنى المستويات، ما يثير قلقًا لدى ممثلي الأحزاب العربيّة وخاصّةً القوى الكبرى المتنافسة على مقاعد الكنيست – القائمة المشتركة برئاسة أيمن عودة والقائمة العربيّة الموحّدة برئاسة د. منصور عباس. إلا أنّ هذا القلق من مغبّة تدنّي المشاركة من قبل المواطنين العرب وفقدان التّأثير بعد أن بلغ التمثيل البرلماني ذروته في العام المنصرم، يقابله ارتياح ربّما من جانب الأصوات الداعية لمقاطعة انتخابات المؤسّسة البرلمانية الإسرائيلية، والمنبثقة عن الحركة الصهيونية التي أسست إسرائيل عام 1948 إبّان النكبة الفلسطينية وعلى أنقاض قرى ومدن فلسطين.

فالصّراع بين تياري المقاطعة والمشاركة يحتدم حول سؤال واحد: أي الخيارين سيعود بأكبر فائدة سياسية على مجتمع الداخل الفلسطيني. لكن الإجابة على سؤال من هذا القبيل تستدعي التفكير مليًا في الإمكانيات المطروحة والنظر إلى ما تقدّمه كل واحدة منها في حال نجاحها بتحقيق غايتها. فتيار المشاركة يدّعي بأنّ أداة التصويت وإمكانية الترشُّح التي يحظى بها أبناء وبنات الداخل هي إحدى الأدوات الأكثر أهمّيّةً للتّأثير وتغيير الموازين لصالح المجتمع الفلسطيني في الداخل وعمومًا، أمّا تيّار المقاطعة فيتخّذ موقفًا راديكاليًا واضحًا من المؤسسة، فهو لا يرى أي فائدة عادت على المجتمع الفلسطيني لأجل تحقيق أهداف سياسية كبيرة تلمس الشعب الفلسطيني في الداخل ولا في الشتات أو في الضفة الغربية وغزة المحاصرة.

بنظري، فإنّ كلتا العمليتين لهما تأثير لا يمكن الاستهانة به، وكلتاهما جيدتان في حال وجود إجماع جماهيري حول كل واحدة منهما، وهو الأمر المستحيل في ظل الوضع الاجتماعي والبيئة السياسية المعقدة التي وصلنا إليها. فلو افترضنا أنّ جميع العرب الذين يحق لهم التصويت في البلاد مارسوا حقهم هذا، لوصلنا إلى إنجاز برلماني قد يقلب موازين القوى رأسًا على عقب في إسرائيل، وسيصبح الصوت العربي رغمًا عن المؤسسة صوتًا ذا تأثير لا يمكن تجاهله في العملية السياسية الإسرائيلية، وقد رأينا بوادر ذلك في انتخابات 2020 حيث استطاعت القائمة المشتركة بمركباتها الأربعة سابقًا بإحراز 15 مقعدًا وهو إنجاز غير مسبوق في الساحة السياسية في البلاد منذ النكبة، وكان السبب في ذلك هو الاحتشاد حول مبدأ مواجهة نتنياهو وعرقلة مساعيه لنزع المصداقية عن أهل البلد الأصليين.

رؤساء الأحزاب في القائمة المشتركة، د. أحمد طيبي، أيمن عودة وسامي أبو شحادة (موقع حزب التجمع)

ما حصل في تلك الانتخابات هو أنّ هذا الإنجاز لم يستطع تخطّي عتبة العنصريّة وكراهية العرب والعزوف عن دمجهم في الآلية السياسية. إذ أنّ رئيس الأركان السابق ووزير الدفاع الحالي بني غانتس، آثر اللجوء إلى إنشاء حكومة مع نتنياهو، على أن يبني حكومة بمشاركة العرب. وعندها بقيت القائمة المشتركة الّتي دفعت قياداتها نحو هذا النهج على مقاعد المعارضة مع أنها كانت القوة الثالثة في الكنيست الإسرائيلي، وكانت حادثة رفض الشراكة مع العرب المنحدر الذي بدأت المشتركة بالتدهور فيه ما أدّى إلى اندلاع النزاعات الداخلية بين الأحزاب، الأمر الذي انتهى بتفكّك المشتركة وانفصال القائمة العربية الموحّدة – الحركة الإسلاميّة عنها.

هذا التفكّك، أعاد إمكانية التّأثير من داخل المؤسّسة إلى الأدراج السفلية من مخططات المشتركة

هذا التفكّك، أعاد إمكانية التّأثير من داخل المؤسّسة إلى الأدراج السفلية من مخططات المشتركة، وفي المقابل تزايد عدم الرضا الجماهيري عن أداء أعضاء المشتركة والخلافات التي نشأت بين مركباتها، فتراجع الدعم الجماهيري لإمكانية الأحزاب العربية بالتأثير، إذ تُشير استطلاعات للرّأي بأنّ المشتركة التي بقيت مع ثلاثة مركبات هي الجبهة الديمقراطية، التجمع الوطني والعربية للتغيير، قد تحصد ما بين 7 إلى 9 مقاعد فقط، بينما العربية الموحدة في غالبية الاستطلاعات لا تتعدّى نسبة الحسم، وتعبرها في بعض الاستطلاعات كتلك التي أجراها معهد ستات نت ومعهد دايركت بولز.

على الصعيد الآخر، فإنّ التيار الداعي للمقاطعة، يرى بأنّ عدم المشاركة بشكل جارف في الانتخابات يعتبر قرارًا حرًا وصادقًا في الامتناع عن المشاركة في لعبة المستعمر وإنما ممارسة النضال خارج البرلمان في سبيل نيل الحقوق. كما أنّه في الحالة النظريّة، إذا امتنع العرب تمامًا عن المشاركة، فقد يتحقق سيناريو يكون فيه البرلمان ممثلاً فقط للشرائح اليهودية وغير-العربية في البلاد، وقد يكون الأمر محرجًا لدولة إسرائيل اليهودية-الديمقراطية الّتي ما تفتأ تتبجّج بتمثيل المواطنين العرب وبتعاملها “المُنصِف” معهم. ولكن هذا الأمر النظري يصعب تخيل حدوثه في ظل وجود قوى سياسية تسيطر على الشارع العربي من جهة، وحالة الانخراط المستمرة في المؤسسة من قبل أبناء وبنات الداخل، إن كان ذلك في العمل في مؤسسات الدولة، وإن كان بالانتماء لأحزاب صهيونية والتصويت لها أو الترشح باسمها.

أقلّ الضررين

أحد الأهداف المعلنة من جانب القائمة المشتركة هو الإطاحة بنتنياهو الذي اعتلى سدّة الحكم منذ 12 عامًا، عانى مجتمع الداخل خلالها من تزايد في التهميش وارتفاع ملحوظ بالملاحقات والممارسات العنصرية بشتّى أشكالها ضد شخصيات ومؤسسات بارزة في الداخل الفلسطيني، والأمثلة كثيرة أبرزها حظرالحركة الإسلامية بقيادة الشيخ رائد صلاح إلى جانب سنّ قانون أساس القومية وقوانين أخرى تعزز الهيمنة والفوقية لليهود على العرب. كما أنّ حكومة نتنياهو ضيقت الخناق على المواطنين العرب عبر تكثيف سياسة هدم البيوت والتحريض على المواطنين العرب كأداة للحفاظ على منصب نتنياهو في رئاسة الحكومة. وقد شهد عام 2020 ترديًا في ظروف المعيشة للمواطنين العرب إلى جانب تفاقم أزمة العنف والجريمة في فترة جائحة كورونا. فالمواطنون العرب هم أكثر الفئات تضررًا بفعل الجائحة من جميع النواحي وبالأساس اقتصاديًا وصحيًا.

فَهِم نتنياهو أهميّة الصوت العربي في تحديد مصيره فقرر بشكل ماكر تغيير سياساته وخطابه، من التهجم إلى الاحتواء، وقام بذلك تدريجيًا في الوقت الذي كان يعلم أنه سيقبل على انتخابات مبكرة. فبدأ بلعبته المكشوفة في استمالة العربية الموحدة كي يظهر في شكل الرئيس الذي يهتم بالجميع، ولكنه في داخله يعلم أنه لا ولن يقبل بأن يكون العرب شركاء له. ثم واصل حملته في الترويج أمام العرب وكأنه ليس بنيامين نتنياهو الذي نعرفه، وإنما أصبح “أبو يائير”، حبيب العرب وصديقهم وقت الشداد، فزار البلدات ووعد بتعيين وزير عربي مسلم هو الناشط الليكودي نائل زعبي. 

فمن هذا الجانب، لا شكّ في أنّ الإطاحة بنتنياهو الذي ضرب المجتمع العربي بأسواطه العنصرية يعتبر هدفًا هامًا ومن الممكن تحصيله، خاصة وأنّ المعادلة السياسية تجمّدت تمامًا بين جانبي الخارطة السياسية الإسرائيلية وتبقى الأحزاب العربية قادرة على أن تكون حجر عثرة في وجه استمرار حكم نتنياهو. ولذلك أعتقد أن أداة التصويت المتاحة لنا، وإن على مضض، من شأنها أن تُحدث تغييرًا ولو بسيطًا في الطريق نحو تحقيق الحرية والعدل. ولكن المشكلة تكمن في تنبأ المستقبل، فإذا تمت الإطاحة بنتنياهو، فما هو النهج الذي سيتبعه الحاكم الجديد وماذا ستكون هويته؟ ثم كيف ستتصرف الأحزاب العربية في هذا الشأن وما هي الرؤيا التي تتطلع إليها؟ لربما كان إخراج نتنياهو من الحلبة السياسية وسيلة لفسح المجال أمام خلق خطاب جديد والشروع بعملية تجديدية لتسوية العلاقات بين المواطنين العرب واليهود في البلاد، وكذلك بين المواطنين ومؤسسات الدولة التي تفشى فيها الفساد والظلم.

ولكن تحصيل هذا الهدف لوحده عبر ممارسة التصويت ليس كافيًا، فمن الواجب أن يطرأ تجديد في داخل البيت السياسي العربي المتهاوي وطرح مشروع سياسي موحد لجميع الأطراف السياسية الحزبية وغير الحزبية. من الواجب إدارة حوار بنّاء بين الأطراف المستقلة وتلك التي تعارض دخول الكنيست وبين الممثلين السياسيين في الكنيست. صحيح أنه من الصعب أن تقوم في البلاد هيئة تحتوي التنوع الكبير في الوجهات السياسية والانتماءات الايديولوجية في مجتمعنا الفلسطيني في الداخل، ولكن يجب على القيادات المجتمعية والسياسية الجلوس فورًا بعد الانتخابات، أيًا كانت نتيجتها، والعمل على إنشاء هيئة تمثل كافة الجماهير. على جميع الجهات نبذ التفرقة والمناكفة والحقد السياسي، والالتفاف حول بناء مخطط واحد مشترك للنهوض بمجتمعنا الموشك على الانهيار، الذي أنهكته السياسات الممنهجة من السلطة لطمس هويته كي ينسى تاريخه وتاريخ نضاله وحقوقه على أرض الوطن.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.